الرئيسية » مقالات » العراق وجيشه و ورثة الدكتاتورية !

العراق وجيشه و ورثة الدكتاتورية !

منذ فترة وفي خضم الوضع العراقي المؤلم ومواقف دول الجوار، بدأ الحديث عن ( تأهيل ) حزب الدكتاتورية الحاكم، واخذ يثير احزاناً وقلقاً جديداً لدى اوسع الأوساط الشعبية رغم معاناتها من الواقع الدموي القائم . . خاصة وانه يتم وكأنه شيئاً طبيعياً، وكأن حكم ذلك الحزب الذي حكم وظلم ودمّر، لم يكن هو الذي اسس للخراب، بارهابه الوحشي وحروبه واعماله اللصوصية، وتسبب بالتالي بالتمكن اللاحق للمآسي المستمرة في البلاد، رغم كل الجهود . .
وفيما يرى كثيرون ان تزايد حراجة الوضع العراقي وحراجة الموقف الأميركي والعلاقة مع ايران التي اخذت تزيد احتمالات انفجار اقليمي ما، اضافة الى عوامل متنوعة تدفع الى تزايد الحاجة الى جيش مؤهل، والى تزايد المطالبات بالمصالحة الوطنية.
يرون ان دفع جهات تسعى الى عودة البعث العراقي بنفس رموزه ونفس اشخاصه وخطابه، وبحلّة (المناضل ضد الأمبريالية) الذي لايذكّر الاّ بتأهيله واعادته كما حصل في تموز 1968 حين دّقّت الدفوف لعودته بحلة جديدة (1)، رغم ما عرفه ويعرفه القاصي والداني عن تشابك علاقاته سابقاً ولاحقاً بدوائر غربية متنوعة قد تتناقض احياناً، وعن عمله لصالح الغرب طوال سنين الحرب الباردة، حين كان يلعب على القطبين . . نفاقاً وتقرّباً للجماهير في البداية، ثم لتحطيمها وبناء دكتاتورية وحشية شوفينية، في بلد ثري تسابقت وتتسابق دول العالم الصناعي لخطب ودّه، او للسيطرة عليه.
ان ما حدث والمحن القائمة الآن لكل الأسباب غير الخافية، لايمكنها اضفاء الشرعية على حكم دكتاتورية البعث المنهارة التي كانت قد وصلت بانواع الصفقات المشبوهة الى دست الحكم بظروف وموازنات الماضي، والذي صار مسؤولوه يبررون علنا الآن تعاونهم مع القاعدة الأرهابية، رغم كل اعمالها الأجرامية بحق الشعب العراقي !!
لقد طرح العديد من السياسيين اثر انهيار الدكتاتورية وفي وقت مبكر، اهمية اجراء حزب البعث الذي حكم وفقد الحكم .. اهمية اجراءه تقييماً لعمله وممارساته حين كان هو حزب السلطة الذي احتكرها، وتقييما لكيفية هيمنة الدكتاتور عليه وتحويله ايّاه الى جهاز قمعي من اجهزة الحكم الدكتاتوري، ان اراد المواصلة كحزب سياسي . . ولكن، لاعين رأت ولا اذن سمعت !
ان لقاء مسؤولين في الحكم الآن بالبعث الصدامي او التفكير بعودته الى المسرح السياسي القانوني سواءاً كحزب او كأفراد كانوا اولازالوا متنفذين فيه . . دون ادانته لمواقفه ولسلوكه الدكتاتوري الدموي كما فعلت اكثر من كتلة خرجت عنه، ودون احالة مجرميه الى القضاء وابعاد غلاة الظالمين عن اية مراكز فيها مسؤولية .. كخطوة اولى .. لن يعني الاّ زيادة الوضع المعقد تعقيداً جديداً، بعد التعقيدات التي نشأت بسبب اخطاء وتجاوزات وتسمية ” هيئة اجتثاث البعث ” ذات المعاني التي بررت أخطاءاً وسلوكاً، على حد مسوغات قانون ” المسائلة والعدالة “.
في المسعى الرامي الى عدم الشطب على وجود واستمرارالتيار القومي العربي التحرري(2)، الذي لم ينل الاّ الملاحقات والتصفية والتشويه من الطاغية البائد، كبقية قوى معارضته . . ضمن جهود المصالحة الوطنية. وفي وقت تثار فيه انواع الشكوك والتساؤلات المنطقية حول هل ان تلك اللقاءات التي تتم وراء ابواب موصدة بجو ( عفى الله عمّا سلف ) . . هل هي تمهيد لصفقة عودة البعث السئ الصيت مجدداً للحكم مقابل بقاء القوات الأميركية لزمن لايحدد كما أُعلن مؤخراً ؟؟
لقد اجرم البعث الصدامي العفلقي بحق الشعب العراقي جسدياً ونفسياً وتسبب بتسميم المجتمع بافكاره وسلوكه المشين وبما تسبب به فرضه المخطط لسلوكه وفكره على قطاعات واسعة بالتعذيب والأعدامات والتهديد والخوف والفزع لمدة خمسة وثلاثين عاماً، والتي اخذت تنال حتى من منتسبيه . . الفكر والسلوك الذي اخذ يتفاقم في التعامل وفي توفير ذات الأرضية وذات الأسباب التي تستمر، رغم حملها اسماء وشعارات اخرى .
ان الأزمة التي تعيشها البلاد بعد اسقاط الدكتاتورية بالغزو الخارجي، وبسبب الأرهاب وتهديدات دول الجوار . . لاتبرر باي حال غض النظر عن جرائم الدكتاتورية الغنية عن التعريف والتي من بداياتها والى انهيارها عملت على تحطيم الجيش العراقي الباسل وتحطيم خيرة ضباطه واركانه عرباً وكورداً، سنة وشيعة، مسلمين ومسيحيين ومن كل الأطياف اضافة الى الآلاف من ضباط الصف والجنود، وتشويه فكره وعقيدته في الدفاع عن الوطن باقوامه ومُثُله وفي مفهوم الأنتماء والدفاع عن الحقوق السليبة، باحكام الأعدام والأغتيالات وبالقوانين العسكرية القاسية . . لصالح فئات عسكرية حابت الدكتاتورية ونافقتها واخرى لم ولاتحمل كفاءة عسكرية ما حتى الآن، تحكّمت بمصير الجيش وضباطه وضباط صفه وجنوده وجرى تحميلها اعلى الرتب والنياشين التي كان معمولاً بها، كالدوري و الكيمياوي وغيرهم .
حتى تحوّلت وحدات الجيش العراقي الرسمي الى وحدات ممزقة عانت الأهمال تسليحاً وعُدداً وعانى الآلاف من منتسبيها وجنودها الأجباريين من التسليح الردئ ومن الجوع والفاقة ومن الملابس الممزقة والأحذية التي لم تعوّض . .
لصالح الوحدات العسكرية الضاربة للدكتاتورية من الوية الحرس الجمهوري والحرس الخاص وقوات ( فدائيي صدام ) وقوات الطوارئ المتنوعة . . ذات الدخول العالية والتغذية الممتازة، المسلحة حتى الأسنان بأحدث الأسلحة والتجهيزات من الخفيفة الى المتوسطة والصاروخية والراجمات والسمتيات، اضافة الى تسليح وحدات منها بالأسلحة المحرّمة . . وغيرها من الأسلحة التي تركها امريها ومتنفذيها الفاشلين وفرّوا نازعين عنهم بدلاتهم العسكرية، او اوعزوا ببيعها للمهربين او في السوق السوداء لجيوبهم ولتجارتهم الوسخة بلعبة (المقاومة الشريفة)، التي لم تسئ الاّ للشعب ولأعمال المقاومة الطبيعية.
حيث تحذّر اوساط واسعة من الخلط الخطير بين الضباط العراقيين الكفوئين وبين المجرمين الذي تسلموا مراكز حساسة بأوامر دوائر الدكتاتورية، الذين يسارع عدد منهم الآن للظهور بالفضائيات مبدين انواع العنتريات التي قتلت الشعب ولم تقتل ذبابة لعدو . . . لدى البحث عن وسائل اعادة الفاعلية للجيش العراقي وتأهيله لأستلام دوره وعودة واعادة تأهيل كفاءاته العسكرية . .
ان استسهال اعادة الضباط البعثيين دون تدقيق كما مرّ ، تحت ضغط حاجة البلاد الى جيش قوي لمواجهة الأطماع، لن يؤدي الاّ الى اوضاع لاتختلف عما جرى ويجري، بعد ان خبرت البلاد ماجرى للجيش العراقي وابنائه في زمان الدكتاتورية . . اضافة الى انه سيزيد من مخاطر واحتمالات نشوء دكتاتورية عسكرية جديدة، وليس خلق جيش كفوء يكون سوراً للوطن يحميه ايام المحن !

18 / 9 / 2007 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بعد المذابح التي ارتكبها ذات الحزب ” البعث ” قبلها بخمسة اعوام في انقلاب 8 شباط 1963 العسكري الدموي .
(2) التيار الذي ادّعى ويدّعي حزب البعث الصدامي كذباً وصلفاً تمثيله الوحيد له، فيما يحاول الآن الأدعاء بكونه الممثل الوحيد للطائفة السّنية في البلاد .