الرئيسية » الملف الشهري » الزمان والمكان في روايات غائب طعمه فرمان

الزمان والمكان في روايات غائب طعمه فرمان

دراسة نظرية تطبيقية تأليف الدكتور علي إبراهيم
سنة الطبع2002 دمشق
الناشر:دار الأهالي للنشر والتوزيع

عرض:محمد علي محيي الدين

من الكتب النقدية المهمة التي عالجت الزمكانية في روايات غائب طعمة فرمان،الدراسة الرائدة التي تقدم بها الدكتور علي إبراهيم لنيل درجة الدكتوراه، بإشراف البروفسور ميخائيل كوركيف وتناولها نقديا أساتذة بلغاريون،منهم البروفسور فاسيليف،وهو من الأكاديميين المتميزين في جامعة صوفيا،والدكتور ستيفان توفانوف ،الحاصل على البكالوريوس في كلية الآداب جامعة بغداد،وهو من المستعربين الذين اهتموا بدراسة الأدب العراقي واستجلاء جوانبه المختلفة،لذلك كان تقيمهم لهذه الرسالة نابع من تفهمهم لطبيعة الأدب العراقي،وبالذات الواقعي منه،لمعرفة الدكتور توفانوف لطبيعة المجتمع العراقي من خلال معايشته له خلال دراسته في بغداد،وتلمسه للزمان والمكان في أدب الروائي الكبير غائب طعمة فرمان،لذلك أستنتج وبقناعة عميقة أن الكاتب أستطاع بذكاء أن يجد نقاط التقاطع الأساسية بين المعارف الأدبية البلغا-عربية ،في مادة تسمح بمتابعة النظريات العامة لحساب القوانين في إبداع المع الروائيين العرب،وأن(الأسلوب الإبداعي لغائب طعمة فرمان،يرتكز على المحاولة الدائمة لإعادة ذكريات الوطن واستعراضها،على الرغم من المسافة الزمنية الطويلة التي تفصل بين الكاتب والوطن)وكان للباحث تصوراته في الحفاظ على العلاقة بين طريقة البحث العلمي الأوربية،والتقاليد العربية في دراسة الفنون والآداب،وخلص إلى أن الرواية العربية نتاج التأثير الأوربي،وليس امتداد للروايات والمقامات والحكايات العربية التي تفتقر إلى الأسلوب الفني للرواية الحديثة.
قسم المؤلف كتابه إلى قسمين تناول في القسم الأول،لمحة موجزة عن حياة غائب طعمة فرمان،وأشار إلى بداياته،عندما كان شاعرا ،نشر شيئا من شعره في المجلات المصرية والعراقية،وكانت محاولات رائدة ظهر فيها شاعرا يمكن أن يكون له مكانا بين الآخرين،وتبشر بشاعرية مبكرة يمكن لها التحليق والبروز،ولكن انصرافه إلى الترجمة وكتابة القصة والرواية،تحيف الجانب الشعري فيه،ونماذجه الأولى واكب فيها شعراء التجديد فكانت على طريقة الموشح التي ذاعت تلك الأيام،وتعتمد على تعدد القوافي،مما يعطي للشاعر فسحة للتحرر من قيود القافية،ومن نماذج شعره قوله:
هنا لا شيء غير الحب يا طفلة أحلامي
فكم قبل هذا النهر ثغر العشب الضامي
وكم لف جلال الصمت أشعاري وأنغامي
رعاك الله يا طفلة ما أجمل دنياك
تنامين..وعين الله ترعاك
وبعد هذه البدايات الشعرية الموفقة ،أنصرف أوائل الخمسينيات لكتابة القصة،فصدرت مجموعته الأولى”حصيد الرحى” عام 1954 ثم أصدر المجموعة الثانية”مولود آخر”عام 1959، وبرز في الساحة الأدبية روائيا رائدا في روايته الرائعة”النخلة والجيران” عام1965،فنالت اهتمام النقاد وإعجابهم،مما أهلها أن تكون في المقدمة من الروايات العراقية،وتضاهي الروايات المصرية،وأخذت مكانها في الدراسات التي تتناول الرواية العربية عموما والعراقية على وجه الخصوص،وكانت البداية الأولى في فن الرواية العراقية،رغم التجارب الأولى لفؤاد التكرلي وعبد الملك نوري ومهدي عيسى الصقر وعبد الرزاق الشيخ علي ومحمود الظاهر،وغيرهم التي كانت قصص قصيرة وطويلة لا يمكن إدخالها ضمن الرواية.
وكانت ينابيع ثقافته التراث العربي،وما أطلع عليه من الأدب الانكليزي والأمريكي،لإجادته الانكليزية،تأثر بروايات “فوكنر” وبخاصة رواية “القرية والمدينة وبيت الضيعة”التي كانت روايته “خمسة أصوات” مجاراة لأسلوبها،فيما نهل من الأدب الروسي روائعه بلغتها الأم لإجادته الروسية وإلمامه بآدابها،أضف إلى ذلك الأدب الإيطالي والروايات العربية،لذلك كان لقراءاته تأثيراتها على مجمل أعماله الروائية.
ويعد في طليعة الكتاب الواقعيين الذين استلهموا الكثير من واقعهم،لذلك ترى بغداد القديمة بأزقتها وجاراتها ماثلة في رواياته،رغم تغربه عنها لأكثر من خمسة وثلاثون عاما،إلا أن ملامح بغداد كانت بارزة فيما كتب من قصص وروايات،وشخصيات قصصه من المجتمع البغدادي القديم،ولغتها بغدادية أصيلة،يمكنك من تلمس روائح حاراتها وأزقتها في الكثير من كلماتها التي تفردت بها دون غيرها من المدن العراقية،ورغم تنقله بين بلدان كثيرة ،إلا أن هاجسه البغدادي ظل بارز السمات في جميع أعماله.
وقد عمل مدرسا في لبنان،وأكمل دراسته العالية في القاهرة،ثم رحل إلى الصين،وعاد إلى بغداد الحبيبة بعد ثورة الشعب العراقي في الرابع عشر من تموز/1958 ،ولكن تقلب الأوضاع السياسية،واحتدام الأجواء في بغداد،جعله يشد الرحال إلى موسكو،ليتزوج هناك،وتكون دار أقامته،فعمل في الترجمة لمواجهة متطلبات الحياة،وترجم أكثر من(50) كتابا من روائع الأدب السوفيتي والروسي،وقد عاد إلى العراق عام 1969 بعد أن أعيدت له الجنسية العراقية التي أسقطت عنه بقرار جائر،وقد ظهرت معاناته في روايته (المرتجى والمؤجل) فيما أعطت رواياته الأخرى،صورة عن معانات البسطاء العراقيين في المناطق الشعبية،بدءامن( النخلة والجيران) و(خمسة أصوات)و(المخاض)و(القربان)و(ظلال على النافذة)و(آلام السيد معروف)وانتهاء بروايته (المركب)،إضافة لنشاطه القصصي والروائي وترجماته الكثيرة،فقد أصدر كتاب عن العراق قبل ثورة الرابع عشر من تموز عنوانه(الحكم الأسود في العراق) وصدر له في القاهرة عام1957 (لاشين عملاق الثقافة الصينية) وأصدر كتاب(قصص واقعية من العالم العربي) بالاشتراك مع محمود أمين العالم،وقد أعدت روايته النخلة والجيران مسرحيا،وقدمتها فرقة المسرح الفني الحديث،وكانت في مقدمة المسرحيات العراقية التي نالت أعجاب واستحسان الجمهور،وكذلك مسرحيته(القربان) التي قدمتها ذات الفرقة،وكانت قمة الإنتاج العراقي المسرحي حتى الآن،وقد ترجمت قصصه ورواياته إلى الروسية،وكتبت عنه دراسات أكاديمية متعددة،وأجريت معه مقابلات وأحاديث صحفية،ضمنها الكثير من أرائه في الأدب والحياة،وكتب عنه الكثير من البحوث والدراسات النقدية،والمقالات التي تناولت الجوانب الفنية والإبداعية لنتاجاته،وطريقته في الترجمة الأدبية،التي تميزت بالأصالة والأسلوب البلاغي الرائع.
أما على المستوى الاجتماعي فقد تزوج من السيدة الفاضلة(أينابيزوفنا)الروسية،وله ولد منها أسمه سمير،وكانت حياته بين مد وجزر،رغم الحب المتبادل بينهما،وكانت خلافاتهما بسبب إجهاده لنفسه في العمل الأدبي،وعدم مراعاته لصحته،وقد أتصف بصفات حبيبة،فهو عف نزيه،وجريء في طرح أفكاره،متواضعا في حياته وعلاقاته مع الآخرين،أـسم بعمق الفكرة،وجزالة الأسلوب،وكثرة القراءة،،والاقتصاد بالحديث،حريصا على علاقاته بالآخرين،ولم يحاول الانصهار بالمجتمع الروسي،وظل وفيا لعراقيته ما أستطاع إلى ذلك سبيلا،توفي في موسكو يوم السبت 18/8/1990،بين أوراقه وكتبه،وظلت الكثير من مشاريعه المؤجلة التي كان يأمل إكمالها،من بدايات قصص ومقالات ومشاريع ثقافية مختلفة.
وقد تناول المؤلف في الفصل الثاني،بدايات الوعي القصصي في العراق،فكما عرف العراق ريادته للشعر الحر،فقد كانت مصر الرائدة في مجال الرواية،وكانت رواية(زينب) لمحمد حسين هيكل،أول عمل روائي أستكمل الشروط الفنية للرواية،رغم وجود ما سمي بروايات قبل هذا التاريخ،إلا أنها لم تحتو على المستلزمات الفنية للرواية المعاصرة،وكانت امتداد للحكايات والسير والمقامات التي كتبها الأقدمون،ويستعرض المؤلف آراء مؤرخي الأدب ليخلص إلى القول(أن القصة والرواية بشكليهما الفني الحديث،ظهرتا في الأدب العربي نتيجة تأثرهما بالقصة والرواية الأوربيتين) ويسلط الضوء على بدايات القصة والرواية في العراق،في دراسة مسهبة ابتداء من القرن التاسع عشر،ممثلة بمقامات أبي الثناء الآلوسي،التي يراها المؤلف امتداد للحكايات والقصص القديمة،ولا يمكن عدها ضمن النتاج القصصي الحديث،ويرى أن بدايات القصة في العراق،ظهرت في بدايات الاحتلال الإنكليزي،في تأثر واضح بالروايات العربية والتركية،ثم أمتد التأثير العربي بفضل الترجمات العربية لأمهات الأدب الأوربي،ونشرت بعض القصص والروايات العراقية،ولكنها مترجمة أو تفتقر إلى الأسس الفنية للرواية،وأعتبر أن قصتي عطا أمين (لوحة من ألواح الدهر، أو فصل من رواية الحياة) و(عاقبة الحياة) أول التجارب لرواية عراقية تتوافر فيها أسس الرواية،فيما قدم محمود أحمد السيد محاولته الأولى في هذا المجال(في سبيل الزواج) ثم رواية(مصير الضعفاء)سنة 1922 وبعدها (النكبات) وهي مجموعة قصصية،ثم كتب(جلال خالد) إلى آخر رواياته،وكذلك روايات جورج يوسف،وغيرهم من كتاب القصة،ويعتبر هذه القصص (بدايات بسيطة وساذجة،بسبب ضعف هذه الآمال وافتقارها إلى مقومات القصص الفنية،بل أن حقبة ما بين الحربين،أفرزت ظاهرة تمثلت في قلة عدد الروايات التي كتبت في العراق،وندرتها وعدم نجاح القصاصين في خلق رواية فنية متكاملة،أو قريبة من التكامل،عدا محاولة فريدة كتبها عبد الحق فاضل،الذي يمثل قمة ما وصلت إليه القصة العراقية من تطور فني بالنسبة لهذه الفترة) وفي أوائل الثلاثينيات كان لجريدة الهاتف النجفية التي أصدرها المرحوم جعفر الخليلي،أثرها في أنماء القصة العراقية،فأولتها الاهتمام اللازم ونشر فيها الكثير من القصص،لأن صاحبها يعد من رواد القصة العراقية.
وتناول في الفصل الثالث الموضوعات المؤثرة في روايات غائب طعمة فرمان،وتناول المدلول الاجتماعي للزمكان،لوحة سيسيولوجية عن بغداد،لاحظ فيه أن الروائي غائب طعمة فرمان،أتخذ من بغداد بزمانها ومكانها،وطبيعة مجتمعها”فضاء أو مسرحا لأحداثها،وبذلك شكل أحد الأبطال الرئيسيين في شبكة الأحداث والأشخاص”وجمع بين قديمها وجديدها”حيث تجد وصفا جميلا في روايات غائب طعمة فرمان،للأحياء الراقية الى جانب الأحياء القديمة ،الملتصقة بعضها ببعض،،وأسماء شوارعها وأحيائها ومعالمها التي ارتبطت بالموروث التاريخي أو الديني،مثل منارة سوق الغزل،شارع الرشيد،شارع أبي نؤاس،شارع الكيلاني ،شارع الأمين،مقبرة الغزالي،أو أسماء أشخاص وحرفهم،بيت”علوان أبو الجص ،دكان جرجيس أبو العرق،دكان غلام الدباغ،سعيد أبو الفحم،مقهى حسن العجمي،،وما أرتبط بالعهد الملكي،المدرسة الهاشمية،حديقة غازي،سينما الملك فيصل،وأخرى ارتبطت بالعهد الجمهوري،مطعم الجمهورية،جسر الشهداء،شارع الكفاح،وكل هذه الأسماء وغيرها تشكل الفضاء الروائي لرواياته”.
وأشار إلى التحولات الاجتماعية،والعلاقات السائدة،والصناعات البدائية،والحرف اليدوية،حيث تناول رواياته الصراع بين القديم والجديد،والموقف من تحرر المرأة ومساواتها بالرجل،ودخول الصناعات الحديثة ،التي قضت على الكثير من المهن والحرف اليدوية،ونقل صور هذا الصراع من خلال مشاهد حية معبرة عن طبيعة المجتمع البغدادي،وذكر ما رافق ثورة تموز من تحولات وأحداث،حيث برز ذلك واضحا في روايته(المخاض) من خلال الحوار بين “مهدي عبد الصمد” السجين السياسي،وبين “كريم داوود” بطل الرواية،يقول مهدي”ثورة تموز حدث تاريخي لا يمكن التقليل من عظمته،ولكن..وآه من كلمة لكن”.
وأشار إلى النفي وتأثيره في روايات غائب طعمة فرمان،فقد كان لمعاناته جراء النفي الطويل أثره في نتاجه،ولو قيض له البقاء في العراق لأستطاع مضاهاة نجيب محفوظ في غزارة الإنتاج وعمقه،ولكنه رغم البعد عن الوطن أستلهم الكثير من الأماكن والشخوص في(رواياته،النخلة والجيران،خمسة أصوات،المخاض،القربان،ظلال على النافذة،ولكنها تبدو شاحبة في روايته “المركب”،فهو يلجأ إلى العموميات عند وصفه للمكان،أو يلجأ إلى الاسترجاع ليعطي صورا قديمة يعرف تفاصيلها جيدا “وذكر في مقابلة معه”أنا كتبت رواياتي الثلاث في المنفى،وقد أكون أكثر التصاقا بالواقع العراقي من غيرها،ولكن لا يمكن القول بشكل عام،أن الغربة إذا كانت لمدة قصيرة ومعينة ،يمكن أن يكون لها فضائل،أما أن تكون غير محدودة وغير معروفة متى تنتهي،أعتقد أن فيها مساوئ كثيرة”.
وتمثل شخصيات غائب طعمة فرمان،عينات اجتماعية واسعة،سواء من الطبقات الفقيرة أو المسرة،وتمكن من رسمها بدقة،لأنه عاش شخصياته،فهم أهله وأصدقاءه وأبناء محلته،لذلك عندما رسمها أنطلق من الخاص ليخلق العام،وتركهم يتحركون كما يتطلب الواقع ،وبذلك تحولوا إلى ضمائر ورموز للقارئ أن يكتشفها ويربطها بما موجود في الواقع،ولعلاقة المكان باللغة فقد أستخدم اللغة الشعبية والفصحى في السرد والحوار،وميز بين لغة الأحياء الشعبية والمناطق الراقية،وساوق بين لغة المثقف والعادي،مما جعل رواياته ذات عمق وتأثير في القارئ،على عكس من كتبوا بأساليب أدبية لا تنسجم وواقع الشخصية،فجاءت شخصياتهم محنطة لا توحي بواقعها،واللغة عنده”ليست لغة قواميس،ولا بلاغة ولا فصاحة،وقد يكون الكاتب مالكا لثروات لغوية جيدة،لكن الشخصية التي يصورها هي التي تفرض لغتها”،فقد أستخدم اللهجة البغدادية في”النخلة والجيران”،لأنها تعبير واقعي عن شخوص روايته،فيما أستخدم اللغة الفصحى في رواياته الأخرى،عندما كان يتناول شخصيات مثقفة من شعراء وأدباء وصحفيين،فاستخدام”لغة شديدة الالتصاق بلهجات الناس وأحاديثهم…وبالخصوص الفئات الأكثر قهرا،ولهجاتها التي تمتد بحميمية قصوى في أثناء السرد..ومما يؤكد هذا الاستنتاج والاستنتاجات الأخرى أن روايته الثانية”خمسة أصوات”أبتعد فيها عن العامية لأن أشخاصه من المثقفين”.
أما القسم الثاني فقد تناول الكاتب الزمان والمكان فلسفيا،اجتماعيا،فنيا،”فقد أختلف الفلاسفة في تعريف الزمان والمكان،وجاءت تعريفاتهم حسب مذاهبهم الفلسفية،فالماديون اعتبروا أن الزمان والمكان شكلان رئيسيان،شاملان لوجود المادة المتحركة،وهما موجودان بشكل موضوعي ،أي خارج وعي الإنسان،وترى أن المكان ذو أبعاد ثلاثة،أما الزمان فله بعد واحد”بينما أنقسم المثاليون إلى ذاتيين وموضوعيين،فأعتقد الذاتيون أن الزمان والمكان مرتبطان بالوعي الفردي،بينما رأى القسم الثاني أن الزمان والمكان مقولاتان للروح المطلقة،”وأن فكرة وحدة الزمان والمكان وارتباطهما بالمادة،هو ما يهمنا في دراستنا للظواهر الأدبية،..مع مراعاة النسبية التي تفرضها تلك الظواهر،والأساليب الأدبية والفنية،لاعتقادنا أن الحقيقة النسبية تقف إلى جانب هذه الفكرة،وهذا ما أثبتته الدراسات واكتشافات العلوم الحديثة”.
أما اجتماعيا: لا”يمكن عزل الأدب عن التأثيرات الاجتماعية والفكرية المباشرة وغير المباشرة”لذلك نرى للمجتمع أثاره الواضحة على الأعمال الأدبية،لأنها نتاج مجتمعها،وتعالج فترة معينة،في مكان ومجتمع معين،لذلك تستوحي من ذلك المجتمع سماته وصوره،وتبقى الاختلافات فارقة بين الحي الشعبي والحي الراقي،وقد يزاوج المؤلف بين المجتمع التخيلي والمجتمع الواقعي،فيستلهم منهما واقع جديد يمثل تصوراته التخيلية الواقعية،لذلك يستطيع الناقد والدارس تقدير أن العمل الفلاني يمثل البلد الفلاني،ويمكنه تحديد زمنه،لذلك لا يستطيع الدارس فهم مغزى الأعمال الأدبية،إذا لم يتعرف على البيئة الاجتماعية،دون أن يعني ذلك أن الرواية،وثيقة تاريخية تمثل حقبة أو زمن ما،لذلك يمكن القول”أن الزمان والمكان من الناحية الاجتماعية متلازمان،يحتويان على صدق التفصيلات النوعية،صدق تاريخي بالمعنى اللصيق لهذه الكلمة،وهناك بعد ذلك الحقيقة الفلسفية مفهوما وقضية وتعميما”.
وعن الزمان والمكان جماليا:حاول التوصل إلى ملامح الفضاء الروائي من خلال المكان والفضاء والعلاقة بين الزمان والمكان،لذلك علينا التفريق بين طريقة السرد،والقصة المتخيلة،والقصة في الواقع،وهي تشكل أركان العمل الروائي الأساسية،والعلاقة متبادلة وجوهرية بين الزمان والمكان،فتقسم الأمكنة في الرواية إلى أماكن الإقامة،وأماكن الانتقال،وأماكن الإقامة أما اختيارية كالبيت، أو أماكن أقامة إجبارية (السجن،الزنزانة)وأماكن الانتقال أما عامة(الأحياء شعبية – راقية –شوارع)وأماكن انتقال خاصة (المقهى)،فالمكان هو الفضاء الجغرافي الذي يعني مكان أحداث الرواية، ويأخذ الفضاء الروائي” دورا أساسيا في الرواية ،ليس بصفته مسرحا تجري عليه الأحداث،بل هو أحد الشخصيات الرئيسية أو المعبر عن حالة الشخصية النفسية والاجتماعية.
أما الزمن الروائي،فعندما “يستخدم المرء تعبير العالم،فإنما يستعمل تعبيرا مكانيا،لكن التخيل القصصي يسترعي انتباهنا إلى الزمان والى توالي الأحداث في الزمان”لذلك لكل قصة تتابعها الزمني،الذي لا يلزم الروائي بالنقل الحرفي،فقد يبدأ من نهاية الحدث أو وسطه،ليخلق جانب التشويق والإثارة،أو يستخدم التحريف الزمني للحصول على الأهداف التخيلية،وقد يلجأ لاختصار الزمن أو أطالته اعتمادا على الحوار فيختزل وقت الحدث الذي قد يمتد سنوات في وقت قصير لا يتعدى ثواني معدودات،وقد يحاول من خلال السرد أطالة الزمن،فمثلا يستطيع الإنسان أطلاق الرصاصة بثوان،ولكن سردها القصصي يتطلب وقتا أكثر بكثير من حقيقتها،وبذلك يكون زمن السرد أطول بكثير من زمن القصة.
الفضاء الروائي :أعتمد غائب طعمه فرمان عددا من الشخصيات في جميع رواياته،تتحرك في مجموعة الأمكنة،فتراه في النخلة والجيران يتحدث عن حي شعبي فقير في منطقة (المربعة) وسماه (الصافن)في أشارة رمزية تعطي دلالة واضحة عنه،وتنقل في روايته بين الطولة،سليمة الخبازة،دكان صاحب أبو البايسكلات،مقهى أحمد وهذه الأماكن ربطت الشخصيات بعضها ببعض،وبيت سليمة الخبازة محور الرواية فيه”نخلة قميئة تبرك قرب الحائط،وسط دائرة سوداء،نخلة عاقر مثلها تعيش معها في هذا البيت الكبير،خرساء صماء،تتحمل المياه القذرة التي تلقى في حوضها،ويمر الصيف والشتاء دون أن تحمل طلعا أو تخضر سعفة” أستطاع الكاتب توظيف هذا الرمز في الإشارة إلى عقم الحياة وتعفنها في هذا البيت،المتمثل بعقم الاثنين،وأستطاع من خلال روايته أن ينقلها إلى أماكن كثيرة يعطي كل منها دلالته الرمزية.
أما روايته “خمسة أصوات” فهي تنقلنا إلى أجواء المقاهي البغدادية،مقهى بلقيس،ياسين،البريد المركزي،السومرية،حانة النصر،بار كاردينيا،وأبطال روايته الثانية يعيشون ذات الحارات التي عاشها أبطاله في النخلة والجيران،ولا تختلف عنها إلا في أسمائها،لذلك كانت رواياته تعيش في فضاءات بغداد وأجوائها المليئة بالمتناقضات،ولأمكنته دلالاتها المزية التي يستطيع الكاتب من خلالها،تلمس الأوضاع السياسية والاجتماعية في البلد و”مقهى دبش مدلولا رمزيا أيديولوجيا سياسيا،فهم يمثلان التخلف،والكرسي الذي يجلس عليه “دبش” يمثل رمزا للسلطة المتنازع عليها بين قوى التخلف التي يمثلها دبش،والقوى الإصلاحية التي يمثلها “ياسر” مساعده الذي أدخل تحسينات تدريجية على المقهى”.
أما الرمز إلى القوى الثورية الساعية لتغيير الواقع،ومحاربة قوى الردة والتخلف،تمثل في “القربان” بـ “صباح” الشاب المتعلم الذي أراد الزواج من “مظلومة” لا طمعا بميراثها،بل لحبه لها،وأسمها أشارة إلى ما تعانيه المرأة في رمزه الدلالي”مظلومة”التي توحي للقارئ بما تعانيه المرأة من ظلم و إجحاف،لذلك فأن أمكنة غائب طعمه فرمان في رواياته جميعا،تعطي بعدا رمزيا يشير إلى واقع اجتماعي حاول الكاتب إظهاره بما أعطاه من إيحاءات غير خافية على القارئ اللبيب.
أما روايته “المرتجى والمؤمل” فهي تتحدث عن المغتربين خارج الوطن،ولكنها لم تنقطع عن فضاء بغداد،فجذور الكاتب ذات وشائج قوية بوطنه،ويمكن اعتبارها مقارنة بين الأمكنة البغدادية،وغيرها في المنافي الأخرى،يشعر فيها المنفي بالغربة والحنين إلى جذوره الأصيلة،وحاول من خلال بطلها”ثابت حسين” المقارنة بين مدينته والمدن الأخرى التي أضطر لزيارتها،وبين بيوتها ومطاعمها وأحيائها وشوارعها وما فيها من مرافق أخرى،”أن تصوير المكان عند كاتبنا لم يكن وصفا مجردا،غايته أعطاء فكرة،أو صورة فوتوغرافية،بل كانت له دلالته الرمزية الواضحة،وتعكس حالة الشخصيات النفسية،وإحساسهم بالمرارة”لذلك نلاحظ أن المكان أستطاع أن يعبر عن مشاعر الشخصيات،وأفكارهم بما فيه من دلالات موحية.
الزمن الروائي:أتخذ الزمن في رواياته مسارين،الأول هو الزمن العام،والثاني البنية الرمزية،فأحداث النخلة والجيران تدور في زمن الحرب العالمية الثانية والاستعمار البريطاني للعراق،وتدل على أنها حدثت قبل خروجه بأشهر،وفيها أشارات واضحة من خلال الحوار على الظرف الاقتصادي الصعب،بسبب الحرب،ويمكن تحديد “خمسة أصوات” من خلال أحداثها بفترة حكم “الجمالي” وفيضان دجلة عام1954،وورود جبهة الاتحاد الوطني يدل على امتدادها إلى عام 1957 تاريخ انبثاق الجبهة، أما “المخاض” ففيها أشارة واضحة إلى معالجتها لثورة تموز،وما رافقها من تطورات،وروايته”القربان” تشير إلى زمان وصاية عبد الإله على عرش العراق،بدليل وصاية”حسن علوان” على أموال “دبش”،أما روايته”ظلال على النافذة “التي كتبت عام1978 ،فهي تشير إلى أوائل السبعينيات،وما رافقها من حوادث،وتشير روايته قبل الأخيرة”المرتجى والمؤمل” إلى ما دار بين الأعوام1963- 1980 ففيها يذكر قصة “قطار الموت”1963،وفشل الجبهة 1973 – 1979 ،وفي روايته “المركب” التي كتبها 1978 ما حدث بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958 -1963 حيث يقول “رائد” ل”هاشم” ” سأقول لك من أنا،بالمناسبة أنا تركت الحزب،وهو في انتعاش،فوق النخل فوق،يعني لا يمكن أن أتهم بالتخاذل أو الانتهازية”أو فترة العمل الجبهوي 1973-1978 .
أما البناء الزماني في رواياته،فقد أتخذ مسارين،السرد متمثلا بالاستذكار أو الاستشراف،والثاني إبطاء السرد أو تسريعه،ففي السرد الإسترجاعي،مهد لها بـ” تذكرت،كان ذلك من زمان،منذ كنت شابا،حاولت..الخ وقسم من هذه الإسترجاعات له دلالات واضحة،وأخرى تعتمد على القرائن،وقد يطول هذا الاستذكار ويقصر تبعا للموقف وما تمليه طبيعة الأحداث،وأشار إلى نماذج منها وردت في رواياته العديدة،كالسرد الإستشرافي والتمهيدي والاستشراف الإعلاني،أما النسق الزمني للسرد،فقد تطرق فيه إلى إبطاء السرد في الحوار والوصف، وتسريع السرد في الخلاصة،والحذف وتناول مقولة التناوب والتزامن،وأورد الكثير من النصوص الدالة على ما ذهب إليه.
لقد حاول المؤلف الفاضل من خلال كتابه هذا”التركيز على الجانب الفني النظري لمقولتي الزمان والمكان،وكيفية استخدامهما في العمل الأدبي،وكذلك الجانب التطبيقي الذي أتخذ من الشكل أساسا لاختيار النماذج الكثيرة من روايات غائب طعمه فرمان”وقد أستطاع من خلال منهجه الدراسي الإلمام بهذه الجوانب،وأظهر قدرته الإبداعية،في دراسة النص،وإخراج الشواهد التي تؤكد ما ذهب إليه،ولمست المقدرة والكفاءة والصبر والجهد المبذول في هذه الدراسة النادرة التي تعد لبنة في البناء النقدي العراقي،وتفتح الطريق أمام دراسات لاحقة تتناول الجوانب الإبداعية في أدب الفقيد،وعلى الجامعات العراقية،أن تأخذ دورها في دراسة الرموز الأدبية والشعرية والفكرية،بما يجعلها ماثلة في الواقع الثقافي العراقي،الذي كان لهم الأثر الفاعل في إنهاضه وإنعاشه وإبرازه إلى الوجود،ولعل ما حضي به أدب الفقيد من اهتمام خارجي يكون حافزا للعراقيين في دراسته واستجلاء الجوانب الرائعة من أدب سفير الرواية العراقية إلى العالم ،الذي أعطى الكثير دون أن يحصل على ما يجزي أعماله وخدماته في رفع راية العراق،وعسى أن تقوم الحكومة العراقية بتكريم هذا الإنسان والأديب و المفكر والمناضل،بإطلاق أسمه على ساحة أو شارع أو معهد من معاهد العلم،فلرموزنا الحق بأن تأخذ مكانها اللائق في العراق الجديد.