الرئيسية » مقالات » سياحة عدنان الظاهر في عالم المتنبي

سياحة عدنان الظاهر في عالم المتنبي

هناك من يسوح في البلدان كاشفا غرائبها، مشيرا لعجائبها،ذاكرا طبائع أهلها وأساليب حياتهم،مشيرا إلى تضاريسها وتاريخها ومشاهداته فيها،وقد أتحفنا أستاذي الكريم الدكتور عدنان الظاهر بسياحته الرائعة في عالم المتنبي الرحب،كالغطاس الماهر،يجمع من لؤلؤه ومحاره فيرينا المعجب من أثاره،ونوادر أسماره وأخباره،وليس ذلك بغريب على أستاذ العربية الذي سرقه الاختصاص،ومربي الأجيال الذي تخرج الآلاف ممن أصبحوا شيئا في عالم الفكر والأدب،فالكثير من الطلبة العراقيين ،عرفوا في أستاذهم النباهة،وحسن الخطاب،وجميل التعبير،والثمرات الأدبية التي تغني ذائقتهم،لذلك ليس صعبا عليه أن يلج عالم المتنبي،ويغوص في بحاره التي بعدت شواطئها على غير الماهرين،فجاءت أرائه في محلها من عالم الحداثة،فليست دراسته من النوع الكلاسيكي الممل،ولا من الجديد المخل،ولكنها شذرات فكرية أثمرت هذه الثمار،وعنايته بالمتنبي،وصحبته له تختلف عن صحبة الآخرين،فالمتنبي على ما يبدوا أسلم قياده لأستاذي الجليل،وأخذ يحاوره ويناوره ويحادثه ويزوره،فأخرج لنا هذه الروائع،التي ترى فيها سياحته مع المتنبي في عالم الخيال،والاستنتاج والدراسة،وطريقته في البحث،هي من متممات هذا العصر،لبعدها عن الطرائق الكلاسيكية في الدراسات الأدبية،فقد أحيى المتنبي في هذا القرن وطاف معه العالم الحديث، من خلال استقرائه لأشعاره وتأريخه المليء بما يثير الكثير من الاستنتاجات والظنون،وبحثه في نسب المتنبي من المواضيع المهمة التي تحتاج إلى الكثير من الدرس والتحليل والاستقراء،فقد تضاربت الأنباء في نسبه، فمن نسبه إلى(كندة) الحارة الكوفية،ومن ينسبه جعفيا،وآخر علويا،رغم أن الأخ المرحوم عبد الغني الملاح أصدر كتابه “المتنبي يسترد أباه” ذهب فيه مذاهب شتى،وبين بما توافر له من أدلة استقرائية- استنتاجيه –تاريخيه،أنه أبن للمهدي المنتظر،للأسف الشديد فقدت نسختي من الكتاب ولم يتسنى لي العثور عليه هذه الأيام،فأن فيه من الاستنتاجات ما يرقى إلى مستوى الحقائق في أثبات هذا النسب،أستخلصه من شعره وسيرته وأخباره الواردة في كتب التاريخ والأدب،فيما ذهب الدكتور “طه حسين” إلى أكثر من ذلك عندما ذكر أن المتنبي مولود غير شرعي لأحد العلويين،وأن مولده شاذ،وقد أدرك المتنبي هذا الشذوذ،وتأثر به في سيرته،وهذا الرأي على غرابته،وعدم صموده أمام النقاش،يظهر مدى الاختلاف في هذا النسب الشائك،وفي شعر المتنبي الكثير مما يوحي برفعة نسبه،وأنه في القمة من الأنساب العربية:
لا بقومي شرفت بل شرفوا بي وبنفسي فخرت لا بجدودي
وبهم فخر كل من نطق الضـاد وعوذ الجاني وغوث الطريد
ولا يستطيع أحد مهما علت منزلته أن يضع أسرته وقبيلته فوق النسب العلوي،لما تعارف عليه الناس من قول للرسول الكريم بأفضلية قومه على جميع الجنس البشري،لأنهم خلقوا من طينة غير طينة البشر،وهذا البيت صريح الإشارة إلى علو نسبه الذي يربو على نسب الناطقين بالضاد،وليس لغير العلويين من يقول غير هذا القول،وقوله في رثاء جدته:
وأني لمن قوم كأن نفوسهم بها أنف أن تسكن اللحم ولعظما
وفي محضر من سيف الدولة الأمير الذي يرى في نفسه فوق ما في نفوس الآخرين،وله من الاعتداد ما يجعله في القمة بين الزعماء،لا يتورع المتنبي عن الفخر في مجلسه،وكأن ما له من الدالة الكبيرة ما يجعله فوق أعظم الملوك:
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا بأنني خير من تسعى به قدم
ولعل القارئ يلمس العنفوان الطاغي في قوله “خير من تسعى به قدم”فهذا لا يقوله إلا مدع،أو يجد في محتده ما يجعله فوق الجميع،ولعل في قوله،سيعلم الجميع،أخبار لما يحدث في المستقبل عندما يشهر أمره ويعلم الجميع منزلته السامية ونسبه الرفيع.
وقوله منذرا متوعدا في غده الأتي – الذي لا ندري ما هو- ولم يستثني فيه أحدا،دليل على سمو هذا النسب،وحقه المضاع الذي لا يستطيع أحد الرد عندما يطالب به:
سيصحب النصل مني مثل مضربه وينجلي خبري عن صمة الصمم
فما هو هذا الخبر الذي سينجلي عن متنبي آخر له حق لا يرد الا بشفار السيوف:
لقد تصبرت حتى لات مصطبر فالآن أقحم حتــــــــــى لات مقتحـــم
لأتركن وجوه الخيل ساهمة والحرب أقوم من ساق علــــى قـــدم
أيملك الملك والأسياف ضامئة والطير جائعة لحم علــــــــى وضـــم
من لو رآني ماء مات من ظمأ ولو عرضت له في النوم لم ينـــــــــم
ميعاد كل رقيق الشفرتين غدا ومن عصى من ملوك العرب والعجم
فأن أجابوا فما قصدي بما لهم وأن تولوا فما أرضى لهــــــــــا بهم
فهل يطلب الشاعر من الملوك عطاء بالتهديد والوعيد،أن لم يكن له مطلب سام تقصر دونه الأعمار،أستلبه منه من تربع على العرش.
واتهامه بالنبوة من المفارقات العجيبة التي تنبئ أنه دعا لأمر عظيم،له تأثيره على المتسلطين تلك الأيام،ولأجل إسقاطه جماهيريا أتهم بهذا الاتهام،والتكفير من الأسلحة المستعملة في كل زمان ومكان،وهي طريقة العاجز عن المواجهة بإطلاق التهم جزافا،فليس من المعقول أن يدعي المتنبي النبوة،وهو على أتم المعرفة بأن الرسول الكريم سد الأبواب لمدعي النبوة بأن لا نبي بعدي،ولكن يبدوا أنه صرح بما في نفسه من هاجس النسب،فبادره الآخرين باتهامه في صميم عقيدته،وإلا فأن قوله الذي يؤولون فيه ادعاءه النبوة لا يحمل في طياته هذا المعنى:
أنا في أمة تداركها الله غريب كصالح في ثمود
ولعل من دلائل نسبه العالي الذي لا يستطيع إشهاره أو البوح به،لما في ذلك من هدم لثوابت عليها بعض أصحاب الفرق الدينية،وتكذيب لمسلماتها الثابتة التي لا يجوز التفريط بها أو أظهار ما يخالفها:
أذاقني زمني بلوى شرقت بهــــا لو ذاقها لبكى ما عاش وأنتحبا
وأن عمرت جعلت الحرب والدة والسمهري أخــا والمشرفي أبا
فهو يعد لحرب طويلة الأمد للحصول على ما أستلب من حقه،الذي لا يستطيع الجهر به،لعدم وجود الأدلة التي تثبته،ووجود الأعداء المحيطين به،الذين يحصون عليه أنفاسه وحركاته وسكناته،ويتربصون بآل بيته الدوائر،ويجد نفسه أسمى وأجل من الآخرين،بما توفر له من هذا النسب الباذخ،والمقام الرفيع:
ودهر ناسه ناس صغار وأن كانت لهم جثث ضخام
وما أنا منهم بالعيش فيهم ولكن معدن الذهب الرغام
وفي رثاء جدته ما ينبئ عن سر خفي في نفسه،فقوله:
بكيت عليها خيفة في حياتها وذاق كلانا ثكل صاحبه قدما
لماذا يبكي عليها خيفة،وما سبب أن يبكي الإنسان على من يحب خوفا من أمر ما؟وما هو ذلك الأمر الذي يجعله يخشى على جدته من القتل،فليس من عادات العرب قتل المرأة لطلب الثار،أو عداء لحفيد،ولكنها تحتجن سرا يخشى الآخرين أذاعته، ونسبا تحاول إخفاءه والتستر عليه،لما في إظهاره من خطر يؤثر بلا ريب على جهة لا تريد أظهار ذلك النسب،لأسباب يمكن الحوم حولها،إذا ذهبنا أكثر في تسبب الأسباب،وإفساح المجال للخيال بالذهاب بعيدا،فوراء هذا النسب شخص عظيم في إظهاره ما يوجب الخشية من حساب عسير،وفي شرح الأستاذ محمود محمد شاكر لبيتي المتنبي في رثاء جدته:
طلبت لهـــا حظا ففاتت وفاتني وقد رضيت بي لو رضيت بها قسما
فأصبحت أستسقي الغمام لقبرها وقد كنت أستسقي الوغى والقنا الصما
يقول”أكانت العجوز( رضي الله عنها) قد رغبت إلي أن أكتم أمر نسبتي العلوية إلى أن يشاء الله،ولكن خالفتها وأثرت فراقها لعلي أصيب بعيدا عن الكوفة ما لم أدرك بها،فخرجت أطلب لها حظا أي فضلا وخيرا في رد شرف انتمائنا إلى العلويين،ولكن شاء ربك أن تفوتني بها الأحداث فتموت” وأتساءل لماذا قال الكاتب رضي الله عنها،وهو دعاء خاص بذوي العلم أو النسب الديني الأمامي المشهور،أما قوله:
هبيني أخذت الثار فيك من العدا فكيف بأخذ الثار فيك من الحمى
أذن كان للعجوز أعداء يحاولون الفتك بها،أو أعداء حاربوها ،وهو قادر على مهاجمتهم لو كان موتها نتيجة كرههم،ولكن كيف له بأخذ الثار من الحمى،التي ليست شيئا ماثلا يمكن مطالبته بثأر،ويدفعنا ذلك إلى الاسترسال بالتساؤلات،كيف يكون لعجوز طاعن بالسن أعداء يحاولون إيذائها،ولماذا أصبحت عدوا لهم،إن لم تكن تخفي سرا دقيقا يخافون إفشائه،وقوله:
ولو لم تكوني بنت أشرف والد لكان أباك الضخم كونك لي أما
فما هو هذا النسب الأثيل الذي تفتخر بانتماء حفيدها له فيزيدها فخرا أن لم يكن نسب علوي،يستمد وجوده من الرسول الكريم،ويكرر وجود الأعداء الذين يحاولون النيل منها، وعجزهم عن ذلك جعلهم يفرحون أو يشمتون لموتها:
لئن لذ يوم الشامتين بموتها لقد ولدت مني لأنفكم رغما
وهؤلاء قد ساءهم ولادته كما يشير البيت الأخير،فقد ولد رغما عنهم،فمن هؤلاء الشامتين،ولماذا أرغموا بولادته،أن لم يكن لها سر عجيب قد يقلب الكثير من الموازين والمتواضعات التي عليها بعض المعتقدات الدينية التي تسالم عليها الجميع.
وهو لا يفصح عن طلبه في ترجله الطويل،حيث يجمع المؤرخون على أنه كان طالبا لولاية أو أمرة تأسيا بصنوة أبو تمام الذي منح ولاية الموصل،ويعزون لها خيبته في الحياة،ولكن ما يطلبه على ما يبدوا أسمى من الولاية،وأكثر من ولاية البريد،أنه يطلب ما هو أجل وأسمى من هذه الصغائر:
يقولون لي ما أنت في كل بلدة وما تبتغي؟ما أبتغي جل أن يسمى
كأن بنيهم عالمون بأنـــــــني جلوب اليهم مـــــــن معاداته يتما
ولكن من هؤلاء الذين يجلب إليهم اليتم والثكل،هل هم بقالو الكوفة،أم سقاءي دمشق،أو مكارية مصر،أنهم بلا شك أكبر من أن يكونوا بهذه المستويات فهو يبتغي أسمى الأشياء،وأسماها هي الخلافة أو أمرة المؤمنين،التي أذا طالب بها ستسيل دماء كثيرة،وسيكون مصير أبناء الزعماء اليتم ،فالحرب التي عزم عليها لن تؤتي ثمارها إلا بإبادة الرأس والذنب.
وفي زوايا التاريخ الكثير من الإشارات على وجود ولد للأمام المهدي،يرى البعض في المتنبي هذا الوليد،ويستدلون على ذلك،بأمارات تاريخية واضحة،فقد اختير نقيب الطالبيين سنة 354هج ،وهي السنة التي قال فيها المتنبي،وكان الطالبيين يركنون في أمورهم إلى وكلاء الأمام الأربعة،وبعد وفاة آخرهم سنة329 هج،لم يختاروا نقيبا،والسر الذي أحاط بمقتله لم يدرس بعناية من قبل الدارسين،والرواية المتهافتة لاغتياله من فاتك لا تصمد أمام الواقع ،وإشارة صنوه ألجواهري لا تخلو من ومضة مشككة بذلك عندما قال:”يد لفاتك الف خلفها رفعت”.
وعسى أن يكون لأستاذي الكريم لقاء مع المتنبي ليفصح لنا عن حقيقة نسبه،فالمتنبي كما ألمحت قد أتخذ له صديقا أمينا بعد أن عز الصديق،وتمنياتي له بالموفقية والعمر المديد ليقدم لنا الجديد في عالمنا الجديد.