الرئيسية » مقالات » مع التطورات العراقية الأخيرة

مع التطورات العراقية الأخيرة

وقعت مؤخرا أحداث هامة تخص العراق ووضعه العام.
كان أبرز تلك الأحداث زيارة بوش المفاجئة، وهبوطه في قاعدة الأنبار الأمريكية، حيث قابل زعامات عشائر “صحوة الأنبار” بقيادة المرحوم عبد الستار أبو ريشة. وفي الأنبار أيضا، قابل كلا من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء.
لقد تلت ذلك الحدث شهادة كل من السفير الأمريكي في العراق، والقائد العام للقوات الأمريكية في العراق، بترايوس، أمام الكونغرس الأمريكي حول الوضع العراقي، واستجوابات أعضاء الكونغرس لهما بصراحة؛ كما ارتبط بهذا تقرير البيت الأبيض للكونغرس، وهو تقرير مفصل وشامل عن الأوضاع الأمنية والسياسية في العراق. أما الحدث الأخير فهو اغتيال المرحوم عبد الستار أبو ريشة بعد زيارة بوش، وإذ لا تزال التكهنات حول جهة الاغتيال متباينة حتى تكشف الحقيقة في تحقيق دقيق وأمين.
في شهادة السفير الأمريكي وبتريوس، كما في تقرير البيت الأبيض التفصيلي، نقرأ عن تحقيق تقدم في الوضع الأمني، وخصوصا في الأنبار وديالي، وانحياز عدد كبير من سكانها لمحاربة القاعدة مع القوات الأمريكية والعراقية، وكذلك في أحياء الأعظمية، والعامرية، وأبو غريب. يرد في التقرير ” إن الهجمات القاعدية على الأنبار أصبحت أقل من ربع ما كانت عليه في شهر يناير الماضي، وقد تطوع أكثر من 40 ألف من تلك المناطق لدعم مبادرات الأمن المحلية، وأقر المالكي توظيف 12 ألف شخص في الأنبار و1735 رجل محلي، بينهم من كانوا قد رفعوا السلاح ضد الأمريكان والحكومة.
أما عن المليشيات الحزبية الشيعية، فإن كلا من الشهادة والتقرير يتحدثان عن تقدم محدود في كبحها، مع التأكيد على دور إيران في تدريب، وتسليح وتمويل تلك المليشيات، وتزويدها بالصواريخ، والهاون، والقذائف المتطورة، مما زاد في وفيات القوات الأمريكية، فإيران، كما قال بترايوس، “تشن على القوات الأمريكية “حربا بالوكالة” باستخدام المليشيات وخصوصا جيش المهدي، ويقول التقرير إن المليشيات لا تزال تعمل خارج القانون في مناطق من بغداد لم يتم تنظيفها، وفي محافظات كربلاء والبصرة والقادسية وميسان. بصدد العنف الطائفي فقد انخفض جزئيا برغم كونه لا يزال خطرا حقيقيا.
لقد وجه التقرير انتقادات كثيرة للحكومة وإن أعلن الرئيس الأمريكي من جديد دعمه للسيد المالكي، وقال بوش إن الحكومة العراقية أحرزت تقدما سياسيا محدودا رغم زيادة القوات الأمريكية، والتحسن النسبي في الوضع الأمني؛ وجاء في التقرير إن الحكومة حققت تقدما كافيا في تسع نقاط من مجموع 18 نقطة سياسية وأمنية.
هذه هي الصورة الأمريكية الرسمية للأحوال الأمنية والسياسية في العراق.
لقد ضج بعض النواب العراقيين من الانتقادات الأمريكية، وأدلى نائب كردي بتصريح عنيف جدا ضد الأمريكان، قائلا إن كل الأخطاء هي أخطاؤهم لا أخطاء الحكومة، وإن عليهم الإقرار بذلك. بل إن هذا التصريح ينفي أي دور لإيران وسوريا في التخريب، حيث يرد “إن الأمريكان يحاولون إلقاء اللوم مرة على العراق، وأخرى على سوريا وإيران.”
نرى من جديد أن المسئولين والنواب يبرهنون على ضيقهم بالنقد، علما بأن الولايات المتحدة ليست طرفا منحازا ضد العراق، بل قدمت ضحايا بشرية كثيرة، وأموالا طائلة، ولا تزال تدعم الحكومة العراقية. ما دمنا بصدد الأخطاء الأمريكية الفادحة، فتنحصر كما نرى في العامين الأول والثاني، وهي أخطاء أشرنا لها مرارا مع كتاب آخرين، وخصوصا ترك الوضع الأمني والحدود منفلتة، والطريقة التي تم بها إعلان حل الجيش دون دعوة أفراده للالتحاق مع عزل القيادات العسكرية العليا. هناك طبعا الموافقة على جدول زمني متسرع، يحلم بإقامة الديمقراطية في العراق في عامين أو ثلاثة، في مجتمع “يتميز بأربعة عقود من الديكتاتورية”، على حد تعبير التقرير. إن محاولة تعليق أخطاء الحكومة والقيادات العراقية على المشجب الأمريكي لا يدل على تواضع ولا على نضوج سياسي.
إن حرب الإرهابيين على العراق لعب ويلعب دورا كبيرا فيما وصل له عراق ما بعد صدام، وبالطبع هناك دور المليشيات الحزبية، التي لم تحلها الحكومة رغم أن الدستور يحظر وجودها، وعلينا أن لا ننسى الدستور المشوه الذي وضعته القيادات الحاكمة، بما يفرض حكم الشريعة، وينتهك حقوق المرأة، ويضعف دور الحكومة المركزية. نعرف كذلك أن المليشيات، والعديد من المسئولين في الجنوب، وليس الأمريكان، هم من يهربون النفط العراقي. وماذا عن الفساد المستشري، والدعايات الطائفية الرسمية في التلفزيون، وعن تشجيع الزيارات الدينية المليونية بلا ضوابط ولا حدود، مما أدى للمئات من الضحايا، والمزيد من إضعاف الأمن. نضيف أن إيران تتدخل تدخلا واسع النطاق، وتكاد تهيمن على البصرة بمخابراتها وأموالها وعملتها، ودعايتها، وولاء بعض المليشيات لها. أما الحكومة، فتتحدث عن “الدور البناء لإيران”، يستوي في ذلك موقف الائتلاف أو الجبهة الكردستانية وكأن إيران هي “المنطقة الحرام” التي لا يجوز التقرب منها!!
لن يتقدم العراق ما لم يتعلم الحكام العمل بتواضع، والإصغاء للنقد البناء، من عراقيين أو من الإدارة الأمريكية، أو غيرهم، وما لم يكونوا على استعداد لتصحيح الخطأ من منطلق الحرص على مصالح البلد وشعبه، قبل المصالح الحزبية، والفئوية، والهيبة الشخصية1
في 16 سبتمبر 2007