الرئيسية » مقالات » من اجل حل سلمي لمشكلات تركيا وجيرانها (1-2)

من اجل حل سلمي لمشكلات تركيا وجيرانها (1-2)

ليس من باب المجاملة السياسية او الانحياز القومي، بل ينبغي من باب المعرفة، ينبغي تسجيل الحقيقة ورؤية التحولات في الواقع السياسي، مهما كانت. اذ ليست من الحكمة ولا من المصلحة اغفال اي تغيير في نهج واسلوب الحركات والاحزاب الكبيرة، مثل حزب (العمال الكوردستاني المعروف عالمياً ومحلياً باسم PKK/بكك)
وهو اختصار للاسم اللاتيني الكوردي للحزب (بارتى كريكارانى كوردستان)، فقد نشأ اواخر سبعينيات القرن العشرين وشهد توسعاً سريعاً داخل تركيا لاسيما في المناطق والمدن الكوردية، وانتقل الى العمل خارج تركيا بعد الانقلاب العسكري للجنرال كنعان ايفرين الذي اغلق ومنع جميع الاحزاب في تركيا واعلن حالة طوارئ استمرت منذ ايلول 1980 (اي منذ الانقلاب) حتى اجراء انتخابات برلمانية تركية جديدة اواخر الثمانينيات.
خلال هذه الفترة تعرض حزب العمال الكوردستاني في تركيا الى ضغوط شديدة وقمع عنيف، مما اضطره الى المقاومة المسلحة دفاعاً عن نفسه وعن اهدافه في تحرير كوردستان. وانشأ في سهل البقاع وسوريا وبعض مناطق ايران وبعض المناطق المحررة من كوردستان العراق قواعد سرية وملاجئ كثيرة بمراعاة الدقة والحرص الشديد على الكتمان، وقد تميز اعضاؤه بانضباط حزبي شديد واستعداد للاقدام والتضحية حتى في السجون والمعتقلات.
ويذكر ان اعضاء وانصار هذا الحزب ظلوا يشكلون اكبر نسبة من المعتقلات والمعتقلين الكورد والترك في تركيا منذ عام 1980 حتى اليوم. ولاول مرة في تاريخ تركيا والشرق الاوسط نظمت مجموعة من المعتقلين السياسيين لحزب العمال الكوردستاني اعوام 1980-1981 اضرابات مطولة عن الطعام حتى الموت. وفعلاً استشهد بعضهم جراء الاضراب، واحرق البعض انفسهم احتجاجاً على الظروف القاسية للسجون ومعاملات اداراتها، او اضرموا النار في انفسهم احتفالاً بعيد نوروز الكوردي القومي. وكانت احدى الفتيات الكورديات قد بدأت بحملة احراق ذاتي احتفالاً بنوروز. ورغم ما في هذه الممارسات من تطرف وقسوة على الذات، فان تأثيراتها المعنوية والسياسية على الجماهير كانت كبيرة. واستمرت عادة الاحراق الذاتي لفترة طويلة، واتذكر ان آخر مرة احرقت فتاة كوردية نفسها فداءً لاهدافها القومية، كما قالت، قد حصلت في مدينة كركوك عام 2005 حين اقدمت فتاة من انصار الحزب المذكور، على الاحراق الذاتي دفاعاً عن حياة زعيم الحزب المعتقل السيد عبدالله اوجلان المحكوم بالسجن المؤبد في سجن انفرادي بجزيرة نائية في تركيا. واقدمت (18) شخصية اجتماعية وسياسية وثقافية كوردية من تركيا على اعلان اضراب عن الطعام حتى الموت، قبل عدة اشهر، حيث اعلنوا الاعتصام امام مقر للبرلمان الاوربي في سالزيرغ بفرنسا، مطالبين المجتمع الدولي بارسال لجنة طبية دولية لفحص السيد عبدالله اوجلان والتأكد من سلامته، بعدما تسرب من انباء عن تردي صحته نتيجة ظروف اعتقاله. ونجح هذا الاضراب في اتخاذ البرلمان الاوربي قراراً بهذا الصدد. بمعنى ان الاضرابات كانت مثمرة احياناً.
اذكر هذه الاحداث للتدليل على ان حزب العمال اضطر الى اساليب قاسية وخشنة من الكفاح وذلك انعكاساً للقسوة الشديدة من قبل سلطات واجهزة الدولة التركية المعروفة بالاستبداد والعنف. اي ان تطرف الطرف، الى حد ما، نابع من انعكاسات تطرف الدولة التركية واضطر الحزب الى التهيئة لخوض مقاومة مسلحة، فشكل وحدات للانصار سماها (بالغوريلا) في سرية تامة وتمارين عنيفة، واعلن المقاومة في نوروز (21/3) عام 1984، وهي المقاومة التي اتسعت وادت الى حرب طويلة حوالي (15) عاماً، كلفت الجيش التركي والمقاتلين الكورد واهالي القرى من الكورد والترك حوالي (30) الف ضحية، حسب تقارير الحكومة التركية. وامتدت حركة حزب العمال الى مجالات سياسية ودبلوماسية وجماهيرية واسعة للغاية وشملت معظم انحاء تركيا والشرق الاوسط وانتقلت الى دول اوربا. وارتفعت اصوات تركية مطالبة بحل القضية سلمياً وايقاف نزف الدم والنزف الاقتصادي.
وقد اشرنا الى انتحار فتاة كوردية من كركوك دفاعاً عن حزبها واهدافها للتذكير بانه الحزب تمكن من تنظيم اعداد كبيرة من ابناء كوردستان، ليس فقط في تركيا، وانما ايضاً في سوريا والعراق وايران وحتى بين كورد روسيا ولبنان فضلاً عن مئات آلاف الكورد اللاجئين في اوربا وسائر انحاء العالم.
وقد حصل انعطاف كبير في هذا المجرى عام 1996 حين تمكنت الحكومة التركية بتعاون دولي من عدة حكومات واجهزة استخباراتية وبوليسية من اعتقال واختطاف زعيم الحزب عبدالله اوجلان في كينيا، ونقله الى تركيا حيث قدمته الى محكمة عسكرية اصدرت بحقه حكم الاعدام، الا ان حكم الاعدام قد الغي وتحول الى سجن مؤبد وذلك تحت الضغط الاوربي الشديد الذي نقض الحكم، ودافع عن حياته.
منذ هذا التاريخ بدأ حزب العمال بمراجعة سياسته ونهجه واسلوب عمله مراجعة عميقة مستمرة… وتراجع عن مواقف متطرفة سابقة وتحول تدريجياً الى داعية للسلام، الى الحل السلمي للمسألة الكوردية في تركيا، والى ترسيخ ديمقراطية حقيقية فيها.
اعلن الحزب نبذ العنف والقى السلاح منذ 1996-1997، واعاد تنظيم نفسه وفق نهج مغاير، وقد كلفه ذلك الكثير، اذ كان صعباً ان يتخلى عن مواقعه الكثيرة، وكان صعباً ان يغير افكار انصاره التي زرعها بنفسه. لذلك تشعبت منه تنظيمات ومجموعات معينة إلا انه احتفظ بالهيكل العام والخط العام لوضعه، بالدعوة الى نيل الحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي، كما ظل متمسكاً بالقيادة التاريخية لعبدالله اوجلان الذي اصبح يوجه انصاره بصورة غير مباشرة، عبر محاميه، من داخل سجنه الانفرادي.
وكان الحزب قد ارتكب اخطاء كبيرة، بعضها خطرة عليه نفسه، ابان التصاعد السريع لشعبيته اعوام 1984-1985، والتوسع المفاجئ لنشاطاته. ومن اخطائه الكبيرة هو الانفراد بساحة الكفاح ومحاربة الاحزاب الاخرى، فلم يتمكن من تشكيل جبهة سياسية واسعة كانت ستعينه على بلوغ اهدافه بتضحيات ومتاعب اقل. ويذكر ان عادة احتكار العمل السياسي كانت عادة سلبية خاطئة قد تحولت الى نهج لمعظم احزاب الشرق الاوسط والعالم الثالث آنذاك. اذ كان كل حزب يعتبر نفسه “الممثل الوحيد والشرعي للشعب” و”الطليعة الاساسية” وما الى ذلك، مما كان يضعه في صراع حاد ومواجهة مع احزاب اخرى. هذا النمط من التفكير لازال سائداً عند بعض الاحزاب حتى اليوم، وهو نمط خطله وبطلانه واضراره البليغة.
ومن جراء ذلك اصطدم حزب العمال الكوردستاني بالعديد من الاحزاب الكوردستانية ايضاً، سواء داخل كوردستان ام في اوربا. ففي اقليم كوردستان-العراق، بعد انتفاضة آذار 1991 أثار الحزب قتالاً غير مبرر ضد مؤسسات الكيان الكوردستاني الوليد والحزبين الكبيرين الديمقراطي والوطني الكوردستانيين. ثم تكرر ذلك ضد الديمقراطي الكوردستاني وحده عام 1995-1996. كانت هذه الاصطدامات والمآسي الناجمة عنها غير مبررة، تركت آلاماً وعذابات مرة في نفوس الناس في الاقليم وخارجه.
وقد اختفت، خلال السنوات الاخيرة، هذه المظاهر السلبية، وراجع كل طرف حساباته، لاسيما حزب العمال الذي اصابته ضربات شديدة. ولم يكن امامه سوى الاحتفاظ ببعض المواقع الجبلية الحصينة لصيانة نفسه. وهي المشكلة التي مازالت الحكومة التركية تثيرها ضد حكومة اقليم كوردستان، حيث تعتبرها مساندة وظهيرة للعمال الكوردستاني. اما الحقيقة فهي ان هذا الحزب لا يتلقى اي دعم او سند من حكومة الاقليم او الديمقراطي الكوردستاني والحكومة التركية تدرك ذلك إلا انها تستغل وجود بعض عناصره في المناطق الجبلية النائية لمواصلة الضغط على ادارة الاقليم “للتعاون” معها لضرب عناصر الحزب، وهو ما رفضته الادارة الكوردستانية حتى الآن.
والمهم ان نتوقف ازاء التحولات الكبيرة التي اجراها حزب العمال على مجمل نهجه النظري والعملي. فقد تراجع عن المطالبة الفورية باستقلال كوردستان واقامة الدولة الكوردية، بل صار يطالب بالفدرالية… بفدرالية ديمقراطية توفر تعايشاً سلمياً للكورد والترك معاً في دولة تركية ديمقراطية. وهذا هو المنطلق الاساسي لمشاركة الناخبين الكورد وخاصة انصار حزب التجمع الديمقراطي (DTP) في الانتخابات الاخيرة. وهو اكبر حزب كوردستاني قانوني مجاز في تركيا، يعرف عنه انحداره من احزاب كوردية اخرى كانت قريبة من حزب العمال الكوردستاني، المعروف بقدرته على توليد البدائل بسرعة. فجماهيره الغفيرة طيبة تتجاوب معه بسهولة. فقد تشكلت خلال سنوات مضت (5) احزاب كوردية في تركيا قامت السلطات التركية بحلها وتصفيتها، الواحد تلو الآخر، بحجة “الدعوة الى الانفصال” عن تركيا.
يذكر ان جميع هذه الاحزاب الكوردية لم تكن تحمل كلمة (الكورد او كوردستان)، لان ذلك ممنوع في تركيا، مع ان الناس يدركون بسرعة المضامين القومية الكوردية لبرامج هذه الاحزاب، لاسيما الحزب الاخير، حزب التجمع الديمقراطي الذي تقوده قيادة ثنائية من امرأة ورجل هما السيدة آيسل دوغلوك والسيد احمد تورك. وقد بنى تنظيماته على اساس ان تحتل النساء 40% من عضوية اللجنة المركزية والمكاتب والفروع الاساسية فيه، وان تكون القيادة ثنائية/ نسائية رجالية/… وهي تجربة لا سابقة لها في الشرق.إن الشعب الكوردي مطلوب منه اكثر من أي وقت آخر الذود عن أرضه ومكتسباته.

التآخي