الرئيسية » مقالات » الحكومة العراقية وسياساتها … إلى أين؟

الحكومة العراقية وسياساتها … إلى أين؟

الأوضاع السياسية والأمنية في العراق غير مستقرة. ولا نحتاج إلى تقديم البراهين لإثبات ذلك , فالدلائل كلها تشير إلى هذه الحقيقة البسيطة التي يعيشها كل فرد في العراق , وسوف لن يكون الكُرد وكُردستان بمعزل عن هذه الحالة أيضاً إن استمر عدم الاستقرار في الوسط والجنوب , وخاصة بغداد , إذ أن أي جزء مريض في جسم معين يؤثر بالضرورة على بقية أجزاء الجسم , خاصة إذا كان المرض في القلب والرأس.
لا شك في أن الوضع الأمني قد حقق في مناطق معينة من العراق , وخاصة في محافظة الأنبار وديالى , نجاحات مهمة , ملموسة وأساسية في الصراع ضد قوى القاعدة. والفضل في ذلك يعود لنشوء تفاهم معين بين القوات الأمريكية وشيوخ وأبناء العشائر فيها مع مباركة أخيرة من جانب الحكومة العراقية. في مقابل هذا تزعزع الأمن في الوسط والجنوب نتيجة الصراعات بين الأحزاب والقوى والمليشيات الشيعية التي تشكل حقاً سلطة داخل سلطة , شاء الإنسان أن يعترف بهذه الحقيقة أم أبى. فلنا من الوقائع ما يؤكد ذلك. وليست أحداث كربلاء الأخيرة سوى تأكيداً لما نقول , بغض النظر عن مدى تغلغل بعض العناصر من القاعدة أو من جماعة عزة الدوري في تلك الأحداث والذين يعملون في صفوف تلك المليشيات. إذ لا أجد أي مبرر في أن تكون للمرجعية قوات خاصة تحمي الروضة الحسينية أو العباسية أو الحيدرية , بل يفترض أن تحمى تلك المواقع من شرطة عراقية وطنية غير طائفية والولاء يكون للوطن وليس للطائفة. ويمكن أن تكون تلك القوات من أتباع المذهب السني أو الشيعي أو من القومية العربية أو الكُردية أو من أية قومية أخرى, فليس هذا هو المهم , بل المهم هو الالتزام بالقانون والولاء للوطن والدفاع عن مؤسساته وحماية شعبه وحرماته ومقدساته.
ولا شك في أن انسحاب القوات البريطانية إلى خارج مركز المدينة ومن القصور الرئاسية فتح الباب على مصراعيه أمام الصراع بين الأحزاب والقوى والمليشيات الشيعية أيضاً , كما بينت ضعف القدرة على حماية الأمن بقوات الشرطة العراقية , وكشفت عن مدى عمق تغلغل الدور الإيراني في المنطقة وقدرة الجماعات المؤيدة لها في إرباك الأوضاع في البصرة وإشاعة عدم الاستقرار. إنها مشكلة واقعية كبيرة حين تبقى أجهزة الشرطة والأمن في العراق مليئة بالقوى الطائفية ,كما سعت وعملت لها حكومة الجعفري في حينها , والتي لم تتغير كثيراً. وأخر تقرير من قوى أمريكية قريبة من وضع الشرطة العراقية والجيش العراقي يشير بوضوح بما لا يقبل اللبس أو الإبهام إلى طائفية وفساد موجود في جهاز الشرطة. جاء في التقرير الأمريكي الجديد الذي طرح يوم الأربعاء المصادف 5/9/2007 ما يلي: “الطائفية في وحداتها تقوض قدرتها على توفير الأمن.. قوة الشرطة غير ممكنة الاستمرار في صورتها الحالية… ينبغي حل الشرطة الوطنية وإعادة تنظيمها.” وقالت اللجنة المستقلة التي يرأسها الجنرال المتقاعد جيمس جونز في تقريرها “لقد ثبت أن الشرطة الوطنية غير فعالة في العمليات.” ولم يجر الحديث عن الجيش بهذه اللهجة, بل أشير إلى جوانب إيجابية في مواقفه غير الطائفية. والفرق واضح في من كان ومن جاء على رأس وزارتي الدفاع والداخلية خلال السنوات الأربع المنصرمة , وكيف عملوا في التأثير بالاتجاه الوطني العراقي أو بالاتجاه الديني والطائفي على بنية وأفراد هاتين الوزارتين.
إن النجاحات النسبية الإيجابية التي تحققت في مجال الأمن لم ترافقها نجاحات مماثلة في الجانبين السياسي والتشريعي والخدمي. وهذه المسألة ترتبط بعدة مسائل على القوى السياسية أن تدرسها بعناية كبيرة , وهي:
1. أن أي تغيير لم يطرأ على بينة الحكومة الطائفية السياسية ووجود عناصر غير مؤهلة للعمل السياسي البعيد عن الأجندات الطائفية , بل يعمل وفق أسس وطنية عراقية بغض النظر عن الدين أو القومية أو الطائفة التي ينتمي إليها, فـ “الدين والطائفة الدينية لله والوطن للجميع”. وبالتالي فأن حكومة عراقية , بمعنى “عراقيون أولاً” حقاً في حكومة مركزية تكنوقراطية تحتل مكانة مرموقة في المرحلة الراهنة , إذ بدونها سوف يستحيل الوصول إلى نتائج عقلانية في المصالحة الوطنية المنشودة.
2. تغيير لغة وأسلوب وأدوات وبعض أو كل مستشاري السيد رئس الحكومة العراقية , إذ برهن في الفترة الأخيرة “أنه كثير الحديث قليل الفعل والتأثير في المجتمع” , في حين أن العراق بحاجة إلى حديث قليل وعمل كثير وبالاتجاه الصحيح. ورغم صعوبة العمل في وضع عراقي كالذي نعيشه , ورغم بنية الحكومة غير المساعدة , فأن تنظيم أسلوب وأدوات ومتابعة عمل رئيس الوزراء بحاجة إلى تغيير لزيادة ما يمكن إنجازه لصالح تحقيق المصالحة الوطنية من جهة , والكف عن التجاوز على حقوق المؤسسات غير التنفيذية ومنها القضائية والتشريعية من جهة أخرى. ويمكن الإشارة إلى حدثين لا يجوز السكوت عنهما , يؤكدان ما ذهبنا إليه , إذ أنهما يعبران عن غياب الديمقراطية وفقدان بوصلة العمل السياسي العقلاني والبصيرة الدستورية أو القانونية الضرورية لمثل هذا الموقع الذي يحتله السيد رئيس الوزراء. ويمكن لأستاذه في دراسة الماجستير و الأستاذ الدكتور فؤاد معصوم , أن يؤكد صحة ما أشير إليه في هذا الصدد. فبالأمس هدد من يتجاوز بالنقد على المسئولين وقال بأن “لن يسمح” به , وهو تجاوز على القوانين المرعية وحق القضاء في محاسبة من يتجاوز على المسئولين من الإعلاميين والكتاب وليست من مهماته , إذ من حقه أن يرفع الدعوى وليس التهديد. واليوم تجاوز صلاحياته أيضاً بتعيينه أشخاصاً آخرين ليحلوا محل السيد راضي الراضي , رئيس لجنة النزاهة , الذي تصرف , كما يبدو من مجرى الأمور , حتى الآن بصورة سليمة ومشروعة وقدم أشخاصاً للعدالة لم يكن مسموحاً به , كما يبدو أيضاً. لقد تم عزل السيد راضي الراضي بعد أن اتهمه بالهروب من العراق في خطاب له قبل يومين ,في وقت صرح السيد الراضي إلى أنه سافر بمهمة وصورة رسمية للمشاركة في دورة تدريبية في الولايات المتحدة , في حين أنه لم يعطه المجال للدفاع عن نفسه في مجلس النواب , كما أن تغيير رئيس لجنة النزاهة هو من صلاحيات مجلس النواب وليس رئيس الحكومة. وقد أورد موقع الجيران الإلكتروني خبراً نقله راديو سوا ما يلي:
” أثار تعيين رئيس الوزراء نوري المالكي كلا من سامي شبك وموسى فرج المقربين من حزب الدعوة الحاكم في العراق لإدارة هيئة النزاهة العامة خلافا مع رئاسة البرلمان الذي عدَّ ذلك أمرا مخالفا للدستور. وجاء اعتراض مجلس النواب بمذكرة بعثها رئيسه محمود المشهداني إلى رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي نصت على أن توجيهات المالكي السابقة واللاحقة المتعلقة بالأمر غير قانونية وغير دستورية إلا بعد استحصال موافقة مجلس النواب. ونقل ( راديو سوا ) عن مصادر في هيئة النزاهة أن السيد موسى فرج المعين من المالكي قام بتدوين الأمر الصادر من المالكي بتعيينه في سجلات الواردة والتوقيع عليه بنفسه وفرض الأمر الواقع على الهيئة بعد رفض رئيس الهيئة الحالي بالوكالة محمد عليوي التوقيع على أمر المباشرة”. (موقع الجيران الإلكتروني بتاريخ 7/9/2007).
فهل كان رئيس الوزراء بحاجة إلى مثل هذين الإجراءين , في وقت كان ولا يزال بحاجة ماسة إلى إجراءات تؤكد التزامه بالقانون ليقدم نموذجاً يحتذى به لكل العراقيات والعراقيين!!
3. ضعف العمل لحل المليشيات الطائفية المسلحة التي تمارس دور سلطة داخل سلطة. ورغم تجميد عمل مليشيات جيش المهدي , فأن التهديد بإطلاق يدها من جديد لا يزال مستمراً , ولهذا فلا بد من اتخاذ قرار حازم وصارم يؤكد ما يلي:
• تحريم وجود ونشاط مليشيات مسلحة في العراق ومعاقبة المسئولين عنها في حالة المخالفة.
• تحريم حمل السلاح في ما عدا القوات المسلحة العراقية وإعطاء فترة مناسبة لتسليم الأسلحة إلى الحكومة.
• تطهير وزارة الداخلية والشرطة وجهاز الأمن العراقي من القوى الطائفية أو القوى المناهضة للأديان وأتباع الأديان الأخرى في العراق , وأن يكون موقفها وطني عراقي غير متحيز دينياً وطائفياً.
• أن يكون أفراد الشرطة العراقيين من خريجي الدراسة المتوسطة (خريجي الصف التاسع ) على ألأقل تدريجاً ليكونوا قادرين على فهم طبيعة قرارات الحكومة ووجهة تنفيذها , وأن يتم تثقيفهم بحقوق الإنسان التي تتنافى مع السلوك العرقي أو مناهضة الأديان الأخرى أو أتباع الطوائف الدينية أو الأفكار الأخرى.
4. أهمية وضرورة أن تكون شرطة الحدود العراقية تتميز بذات الخصائص التي يفترض أن تتميز بها قوات الجيش والشرطة وأن تكون كلها بعيدة بشكل خاص عن الفساد المالي الذي يسمح في حالة وجوده إلى وقوع الكثير من التسرب وعبور الإرهابيين .. الخ.
5. بذل أقصى الجهود لتأمين المزيد من فرص العمل للعاطلين وكذلك توفير الخدمات الرئيسية التي أصبحت أكثر من مؤذية لحياة الناس اليومية , وأصبحت الهجرة لكل تلك الأسباب بالغة الضرر بالعراق. لقد تخطت هجرة العراقيين رقم خمسة ملايين مهاجر, فقد أضيف أكثر من مليوني مهاجر إلى ما كان عليه في فترة الدكتاتور صدام حسين. وسببها الإرهاب الدموي والتطهير الطائفي السياسي وخلق الكانتونات والجيتوات الطائفية ومناهضة أتباع الأديان الأخرى وقتلهم أو تهجيرهم قسراً , والبطالة ونقص الخدمات …الخ.
6. لا بد من تعجيل تشريع قانون المساءلة والعدالة وإنهاء العمل بالقانون السيئ الصيت “قانون اجتثاث البعث”. والقانون الجديد الذي لا يسكت عن الجرائم المرتكبة , ولكنه لا يخلط الأوراق ويحرق الأخضر بسعر اليابس , كما حصل حتى الآن.
7. إن التخلص من الإرهاب ومن تدخل دول الجوار واستكمال بناء القوات المسلحة العراقية بكل أصنافها وعلى أسس وطنية سيسمح لنا المطالبة الجديدة بخروج قوات الاحتلال الأجنبية الموجودة حالياً في العراق , علماً بأن وجودها لا يزال مقروناً بموافقة ومطالبة الحكومة العراقية رسمياً , ولا يزال مرتبطاً بواقع الإرهاب والصراع الطائفي المستمرين في العراق. إن جدولة الانسحاب أمر ممكن وضروري شريطة أن يرتبط بإجراءات البديل العراقي القادر على ضبط الأمور وعدم انفلاتها ورفض أي محاولة من إيران , كما ادعت , أو غيرها لملئ ما سمي بـ “الفراغ” بعد خروج القوات الأجنبية , وكأن القوات الإيرانية ليست أجنبية وتتدخل بفظاظة بالشأن العراقي بطرق مختلفة سواء ما يجري في الجنوب , أو ما يجري بضرب مناطق سكنية آمنة في كُردستان العراق.
إن سلوك هذا الطريق السياسي هو القادر , كما يبدو لي , على إيصال العراق إلى شاطئ الأمن والسلام والمصالحة الوطنية , وإلى عودة المهجرين والمهاجرين إلى العراق للمشاركة في بناء العراق الجديد غير الطائفي السياسي , كما هو عليه الآن.