الرئيسية » مقالات » في ذكرى الرحيل الصامت اعوام ثلاث كاملة لغياب الفقيد ابراهيم كبة

في ذكرى الرحيل الصامت اعوام ثلاث كاملة لغياب الفقيد ابراهيم كبة


المهندس الاستشاري/



                                            ستدوس اقدام الشعوب كخرقة


مهروءة من كان سوط بلاء


فيرون كيف تجيد في ابانها


صنع المعاجز جذوة البغضاء


سيرى عتاد الاجنبي بعينه


مرمى عقيدة امة عزلاء



ابراهيم كبة علم بارز من اعلام الفكر في العراق والوطن العربي ومربي أكاديمي تخرج من مدرسته المئات من حملة الأفكار الاشتراكية ، ومناضل صلب في سبيل السلام والحرية والتقدم الاجتماعي . ومنذ عام 1947 اصبح ابراهيم كبة من اشد انصار الاشتراكية العلمية والاقتصاد الماركسي والمنهج المادي الجدلي في الموقف من الحياة وتقييم المدارس الفكرية جمعاء بما في ذلك انتاج الفكر العربي الاسلامي وخاصة انتاج ابن خلدون ! …


تفرغ ابراهيم كبة للعمل كاستاذ في جامعة بغداد في مادة تاريخ المذاهب الاقتصادية والفكر الاقتصادي منذ عام 1953 ، وعمل في تحرير مجلة الثقافة الجديدة التي تحولت الى لسان حال المثقفين في العراق قبل ان تجهز عليها حكومة فاضل الجمالي بعد صدور ثلاثة اعداد منها فقط ! وفي 1954 كان ابراهيم كبة على رأس قائمة المفصولين من الاساتذة و المعلمين والطلاب اثناء فترة التمهيد لحلف بغداد الاستعماري ! وابراهيم كبة من رواد حركة انصارالسلم في العراق التي تأسست مطلع خمسينيات القرن العشرين.. وكان من نشطاء جبهة الاتحاد الوطني 1957 وانيطت به شرف تحرير البيان الاول للجبهة .. ابراهيم كبة مهندس السياسة الاقتصادية للجمهورية العراقية الفتية بعيد ثورة 14 تموز 1958 المجيدة وسيظل شعبنا يتذكر باكبار وقفته الشامخة في الدفاع عن ثورة 14 تموز ومكاسبها في محاكم الجلادين بعد انقلاب شباط 1963. ابراهيم كبة استاذ جامعي عرفته جامعتا بغداد والمستنصرية ، بعد خروجه من سجون العهد البعثي والعارفي ، بحضوره المؤثر وسيطرته الكاملة سواء في التدريس او الضبط ! وامتلك مراسلاته الاكاديمية النقدية مع اساتذة الادب الاقتصادي الاكاديمي العالمي ! ….


القسم الاول


شذرات من الجهد الفكري للاستاذ ابراهيم كبة



اغنى الاستاذ ابراهيم كبة منذ اواسط الاربعينات ذاكرة ومكتبة الشعب العراقي الوطنية بالعشرات من المؤلفات والترجمات عن الانكليزية والفرنسية والالمانية والاسبانية .. والتي نشرت بعضها بأسماء مستعارة .. وبعد ثورة 14 تموز 1958 سجل تاريخ العراق الحديث له عشرات الخطب الارتجالية وهو يتولى حقيبتي وزارة التجارة ( الاقتصاد لاحقا ) ووزارة الاصلاح الزراعي .. كما تولى وكالة حقيبة وزارة النفط . وكان لابراهيم كبة عشرات الدراسات في المجلات العراقية والعربية..


يؤكد الاستاذ ابراهيم كبة في مقدمة كتابه الموسوم ” نظرة سريعة في تطور النظام الاقتصاديالصادر عام 1953 ” ان الكتاب جاء لسد حاجة ملحة لطلبة الجامعات بسبب افتقارهم ، مع اساتذتهم ، للنظرية الاجتماعية العلمية التي تربط النظرية الاقتصادية بالواقع الاقتصادي وتؤكد حقيقة الصلة بين الاقتصاد والتاريخ وتكشف لهم المضمون السياسي لجميع النظريات الاجتماعية وتخلق فيهم ملكة النقد المستمر وروح البحث لا للتفسير فقط بل للتغيير ايضا… وان مضمون الكتاب من آراء وافكار هي من نتاج علماء اعلام وهبوا انفسهم لا للتضليل والتدجيل واضاعة الوقت عبثا لعرقلة حركة التاريخ بل للتنوير والتوجيه وكشف النقاب عن قوانين الضرورة الاجتماعية لأستخدامها في خدمة هذا الكائن الاعلى في الوجود : الانسان ، الذي بامكانه ان يكون دائما احسن مما كان .” وفي مكان آخر من الكتاب اكد الاستاذ كبة ( ص 126 – 128 ) :” الاقتصاد السياسي في حركة مستمرة اي ديناميكي وتاريخي معا وهو ليس مجرد دراسة نظرية بل هو دليل للعمل ، انه ليس مادة جامدة ملقاة على طاولة التشريح ، والذين يدرسونه ليسوا متفرجين خارجين عن المجتمع بل يستمدون حياتهم منه . … ان جميع النظريات الاقتصادية تعكس البنيان الطبقي الاجتماعي السائد في المجتمع وتعبر عن المصالح الاجتماعية وهي لا تبنى على افكار مفكر بل تعبر عن النشاط الفعلي للمنتجين…. وطبقية النظريات الاقتصادية شرط اساسي لموضوعيتها فالافكار الاقتصادية مرتبطة دائما بالنشاطات الاقتصادية … وليس هناك علم حيادي للاقتصاد اي خارج البناء السياسي اي لاطبقي .”


تطرق الاستاذ كبة الى موقف الفلسفة العلمية من الوجودية والازمة الشاملة للايديولوجيا الامبريالية في عرضه عام 1953 ” ازمة الفلسفة البورجوازية ” لمؤلفه جورج لوكاش .. وفي ” ازمة الفكر الاقتصادي ” لمؤلفه ” هنري دنيس ” والصادر عام 1953 اكد الاستاذ كبة ” في الايديولوجية الامبريالية لازمة العصر يختفي الكفاح الاجتماعي بين الطبقات والامم بعصا سحرية لتحل محله انواع اخرى ميتافيزيقية من الكفاح : مثلا الاخلاقي بين الشر والخير ، النفساني بين ارواح الحضارات ، الديني بين الالوهية والالحاد ، الثقافي بين البربرية والحرية .. لكنها تدرك ان عدوها الاول هي الجماهير فتحارب مثلها الديمقراطية والتقدمية باكاذيب وسخافات مبتذلة تعبر عن جوهر الارستقراطية الفكرية ..”


وفي كتابه “ الاقطاع في العراق ” الصادر في 1957 يؤكد الاستاذ كبة (ص 17) من الغريب ان يطمئن السيد نوري السعيد الرأي العام العراقي بقرب زوال النظام الاقطاعي العشائري عن طريق الارث وتقسيم الاقطاعيات الكبيرة على الابناء والاحفاد ، وقد تناسى فخامته ان قرونا سحيقة مضت على نظام الارث دون ان تنال من النظام المذكور وان الانظمة والتقاليد العشائرية تحتفظ بالملكيات الكبيرة للابناء الكبار فقط . ويعلم الرأي العام ان السبيل الوحيد للقضاء على هذا النظام الظالم هو تغيير العلاقات الاقطاعية نفسها بتمليك الارض لمنتجها والقضاء على الملكيات الاستغلالية الكبرى في الزراعة وتوزيع اراضي الدولة على الفلاحين واتباع نظام التعاونيات الزراعية… الخ. كل هذا مرتبط بالقضاء على الاستعمار وسحق الرجعية وانتصار الحركة الوطنية بمجموعها وتحقيق الاهداف الوطنية الكبرى .”


ويضع الاستاذ كبة النقاط على الحروف في مقدمة كتاب ” تشريح الكوسموبوليتية الصادر في 1960 ليؤكد ” لا تؤثر السياسة الارهابية الا على اناس ضعيفي الاعصاب ، وليس على الشعوب المسالمة المصممة على ترويض الوحوش الضارية من اكلة لحوم البشر . ان اثارة الضجة حول جبروت الاسلحة الذرية واسلحة الدمار الشامل الاخرى ، عكس ما يأمله منظموها ، لا تؤدي الا الى تشديد عزلة انصارها وافتضاحهم امام شعوب المعمورة … ان الآمال الطيشية الجنونية المعلقة على ادوات الافناء الجماعي للبشرية تمثل آخر نقاط الارتكاز لآيديولوجي الرأسمال ، نقاط ارتكاز تشهد على موتهم الادبي ، وجزعهم من السير التقدمي للتاريخ .”


استهدف الاستاذ كبة في ترجمته كتاب البروفيسور موريس كورنفورثالبراغماتية والفلسفة العلمية ” الصادر في 1960 توضيح ان البراغماتية وعموم الفلسفة الوضعية تنكر صراحة اية قيم واخلاق انسانية تستند الى العقل والعلم . وان التأكيد البائس للعالم الرأسمالي على قيم المشروع الحر والمنافسة في سبيل اقصى الارباح ، القيم المتسترة بستار الحضارة الغربية هي انعكاس للانهيار الاخلاقي التام بسبب الازمات البنيوية المستمرة … ولا تستطيع البراغماتية الا قبول الاخلاق الرأسمالية على علاتها ووحشيتها وقسوتها واستبدادها .


الف ابراهيم كبة عدة مؤلفات عن القضية الجزائرية ركز فيها على النضال الوطني التحرري للشعب الجزائري وانه لا قومية دون جوهر انساني واممي ، وان ازدهارها مشروط بازدهار القوميات الاخرى وبتحرر الانسانية جمعاء !..


اواسط سبعينات القرن المنصرم اعتمدت المدرسة الحزبية في الحزب الشيوعي العراقي كتاب هيرمان شيلرالماركسية والحرب الامبريالية ” ضمن المنهاج المقرر لتدريس رفاق الحزب .. ويؤكد الاستاذ كبة في مقدمة هذا الكتاب الذي صدر عام 1960 على ان الحروب لا تشكل نقيضا لأسس الملكية الخاصة بل هي النتيجة المباشرة الحتمية لتطور تلك الاسس . وتمد الحروب جذورها في الملكية الخاصة لوسائل الانتاج ، وهي ظاهرة طبيعية وحتمية في جميع المجتمعات المنطوية على التناقضات والقائمة على نظام الملكية الخاصة ! … انها ظاهرة طبيعية وحتمية لجميع الاشكال الاجتماعية للمجتمع الطبقي !..هي استمرار للسياسة بوسائل عنفية . الحرب العادلة تفرضها الطبقات الرجعية على الطبقات ذات المصلحة في التقدم الاجتماعي وتخاض في سبيل تحرير الشعوب من الاستبداد الداخلي او الاحتلال والاضطهاد الاجنبي لتوكيد الحرية السياسية التي تنتزع ولا تهبط من السماء على طالبيها ! .. الحرب غير العادلة تتجسد في الارتدادات المتوقعة والنشاطات الرجعية والارهابية التي تعرقل تقدم المجتمع او البشرية والدفاع عن القديم البالي ضد الجديد الناشئ الثوري ليدفع الشعب او الشعوب ثمنها من دماءها الغالية وتتحمل اعباءها المادية الباهضة ! الحروب الامبريالية هي حروب غير عادلة ..


يؤكد الاستاذ كبة في مقدمة الكتاب الموسوم ” ماهي الامبريالية؟ ” الصادر في 1961 ” على الشغيلة ان تعلم ماهية الامبريالية لأن هذه المعرفة تخدمها في الكفاح من اجل السلم ضد شن حروب جديدة ، في الكفاح من اجل تحرير الطبقة العاملة وسائر الشغيلة من نير الامبريالية . وبدون دراسة الامبريالية ومعرفة جوهرها الحقيقي لا يمكن للمرء تحديد اسباب الحروب الحديثة وجوهر السياسة الجديدة للدول الرأسمالية . من دون دراسة الامبريالية وفهم مغزاها الاجتماعي والسياسي لا يمكن التقدم خطوة واحدة للامام في حل المهام العملية للحركة العمالية في البلدان الرأسمالية ، وفي حل مهام الثورات الوطنية التحررية .. فما هي الامبريالية ؟ ولماذا تكمن بالضبط في الامبريالية وليس في مكان آخر اسباب الحروب الحديثة والآلام الفظيعة والكوارث المريعة للبشرية ؟”


حول الاستاذ ابراهيم كبة محاكمته الى محاكمة للبعث والقومجية والرجعية وبرامجها الاقتصادية الانتقائية النفعية ليسحب البساط من تحت جهل وغباء وحماقة المدعي العام وما وجهه من اتهامات اعتباطية ، ودافع عن نفسه بنفسه في مرافعة كانت دراسة عن الاقتصاد العراقي في فترة ما بعد ثورة 14 تموز .. حول محاكمته ودفاعه الى دراسة علمية اقتصادية ذات قيمة عالية..نشرت في كتاب اقتصادي وفكري ثمين بعنوان “هذا هو طريق 14 تموز – دفاع ابراهيم كبة امام محكمة الثورة ” عام 1967 ..


كان الاستاذ ابراهيم كبة من الد اعداء الفكر الرجعي بتلاوينه وخزعبلاته دون الوطنية او العابرة لها .. وساهم في فضح الآراء والحنقبازيات الفكرية الروزخونية القومية والطائفية والتي كانت فاعلة في اجهاض ثورة 14 تموز 1958 المجيدة في وثيقةالفكـر الرجعـي في العـراقفي 5/5/1967،مما جاء فيها “ إن انبعاث الفكر الرجعي في العراق الآن ، لا يعود لأسباب فكرية خالصة تتصل بتشبثه بحجج جديدة مقنعة تستحق المناقشة ، بل هو يعود في الأساس إلى دوره القديم – الجديد كسلاح من أهم أسلحة الردة المستشرية في البلاد ، والتي بدأت طلائعها في الواقع منذ السنوات الأخيرة للحكم القاسمي ، وبلغت ذروتها عبر انقلابي شباط وتشرين ، وذلك لاسباب موضوعية كثيرة أهمها تغير المواقع الطبقية بعد تموز، قيادة البورجوازية وبعض مراتب البورجوازية الصغيرة لحركة الردة ، وتطلعها للسيطرة السياسية المطلقة في ظل الاستعمار الجديد واعتمادها على جبهة رجعية واسعة تضم اليمين الرجعي القديم ( الإقطاع ، البورجوازية العقارية الكبيرة ، البورجوازية الكومبرادورية) والوسط الرجعي الجديد ( البورجوازية الوسطى او الوطنية ) وبعض مراتب البورجوازية الصغيرة المتخلفة المتقنعة بالأقنعة القومية والطائفية.إن الردة الفكرية ، بقدر ما هي أداة من أدوات المعركة الاجتماعية ، تعكس بنفس الوقت هذه المعركة وتنطوي على نفس منابعها وجذورها الطبقية والاجتماعية .”


أزمة الحكم في العراق أزمة مزمنة لازمت نظام الحكم فيه منذ تأسيس ما سمي بالحكم الوطني في العراق في أعقاب الحرب العالمية الأولى ، وقد تطورت هذه الازمة وتعقدت مع تطور وتعقد العلاقات الاجتماعية. إن ازمة الحكم بعد ثورة 14 تموز تعبير عن ازمة اعمق واشمل هي ازمة المجتمع العراقي بالذات . وقد قدم الاستاذ ابراهيم كبة مع الاساتذة مصطفى علي وعبد الوهاب محمود ومحمد سلمان حسن مذكرة تفصيلية بتاريخ أيلول /1966 للسيد ناجي طالب رئيس الوزراء حينذاك تضمنت تحليلا مركزا وحلولا ضرورية لأزمة الحكم هذه في مرحلتها الجديدة ، مرحلة بعد تموز ، بعد ان وضعتها في مكانها المناسب من ازمة النظام الاجتماعي الشاملة . واثر انقلاب 17- 30 تموز حاولت الطغمة البعثية منذ الايام الاولى للانقلاب ايجاد قنوات الاتصال بالاستاذ كبة ، فرد عليها بحنكته المعهودة وخبرته معهم في حملات التصفية التي اعقبت انقلاب 14 رمضان الاسود في مذكرة تحت عنوان ” نصيحة للحكام الجددمن اجل حل سلمي لأزمة الحكم في العراق ” مؤرخة في 3/8/1968 … ومما جاء فيها ” إن محاولة الحكم الحالي التصدي بمفرده لمشاكل البلاد الكبرى بمعزل عن القوى الأساسية في المجتمع ، كمسألة النفط او الإصلاح الزراعي ، تجاوز لصلاحياته من جهة واستحالة مادية بسبب عجزه من جهة أخرى ، إذ أن ذلك من صلاحية ومهمة حكومة الاتحاد التقدمي وحدها المنبثقة عن الانتخابات العامة. كما إن محاولة هذا الحكم الانفتاح الشكلي على القوى السياسية الأخرى واشراك بعض ممثليها في الحكم في هذه المرحلة المبكرة وقبل القيام بالمراحل التمهيدية وفي ظل الاحتكار السياسي القائم هي محاولة عقيمة بالمرة ، إذ أن تأليف الحكومة الائتلافية الحقة يأتي تتويجا لعملية التحول السياسي ولا يكون تدشيناً لها...” واكد كبة ” ان الآمال التي يعلقها بعض الأخوان الأكراد على أية حكومة غير ديمقراطية ومنها الحكومة الحالية لحل المسألة الكردية هي سراب خادع لا يضع المسألة المذكورة في موضعها من القضية السياسية والاجتماعية العامة“.


وفي” رسالة مفتوحة إلى مجلس قيادة الثورة من الاستاذ إبراهيم كبة – حول الترقية والعزل السياسي بداية العام الدراسي 1968 اكد كبة “.. أبهذه الذهنية المسيطرة على بعضهم تريدون إصلاح التعليم العالي ، وهل أن في سياسة الحكومة فعلا اعتبار العزل السياسي عقبة تحول دون ترقية العلماء والأساتذة ؟ ولماذا سبق للجامعة أن قامت بترقية أساتذة آخرين بالرغم من عزلهم السياسي ؟ إنني لعلى يقين بأن رسالتي هذه لن تذهب هباء وأن المجلس المحترم سوف يبادر لتصحيح الأوضاع في الجامعة بما ينسجم مع السياسة العامة في تعزيز الفكر العلمي فيضع حدا لتقاليد كنة والجمالي سيئة الصيت ، ويقضي على عقدة مستعصية هي عقدة مقاومة الاشتراكية لا بالعلم والجدل العلمي بل بتعريض أصحابها إلى الإهانة المعنوية والإيذاء المادي “.


يؤكد الاستاذ كبة في مقدمة كتابالرأسمالية نظامالمؤلفه اوليفر كوكس والصادر عام 1973 (ص 9 – 23 ) على دور العوامل المادية والفكرية التي ساعدت في تطور النظام الرأسمالي ، واهمية الربط الوثيق بين الاقتصاد الرأسمالي ومختلف عناصر التربة الاجتماعيةالرحم الاجتماعي ” التي ولد وترعرع فيها النظام، والنظرة الطبيعية العضوية لولادة ونمو ونضوج وشيخوخة الرأسمالية ، والنقد العنيف الصائب للمدارس الفكرية التبريرية في الفكر البورجوازي الرجعي وخاصة الفكر الليبرالي والتكنولوجي ، والادانة القاطعة لجوهر العنف الملازم للرأسمالية في ماضيها وحاضرها… يقول كبة في عرضه الحاح كوكس المشروع على التفاعل المستمر بين التاريخ الاقتصادي وتاريخ الفكر الاقتصادي : ” تلك عظة كبرى حبذا لو اتعظ بها اليمين الرجعي المسيطر على المراكز الحساسة في الاقتصاد الجامعي العراقي “… ويلقي الاستاذ كبة الضوء على دور الدين والمذاهب الدينية الاصلاحية في تطور النظام الرأسمالي مع النقد اللاذع للتفسيرات الدينية المتعددة لنشأة الرأسمالية ... يذكر ان الاستاذ في جامعة لنكولن ميسوري (اوليفر كوكس) هو مؤلف الكتاب الموسوم ( الطائفة المغلقة والطبقة والعنصر ) الحائز على اعلى الجوائز التقديرية العلمية في امريكا عام 1948 ، وهو كتاب حبذا لو اتعظت بها الطائفية السياسية المسيطرة على المراكز الحساسة في العملية السياسية العراقية اليوم .


يركز الاستاذ ابراهيم كبة في مقدمة كتاب روزنتال الموسوم مشاكل الجدل في رأس المال لماركس ” الصادر على نفقة جامعة بغداد عام 1979 على ان الجدل المادي باعتباره علم القوانين الاكثر عمومية لتطور الطبيعة والمجتمع هو في نفس الوقت منطق اي نظرية لمعرفة قوانين الفكر. ونجح كارل ماركس في الرأسمال بتطبيق الجدل على المعرفة وحل اعقد معضلات نظرية المعرفة التي بقيت حجر عثرة امام جميع المفكرين السابقين ، من قبيل العلاقة بين الجوهر والظاهرة ، بين التاريخي والمنطقي ، بين التحليل والتركيب ، بين الاستقراء والاستنتاج ، بين المجرد والمحدد … الخ.


من اصدارات الاستاذ كبة الكتب التالية :


1. وجهة القومية الحديثة – 1941 .


2. روح العصر – 1945 .


3. تطور النظام الاقتصادي – 1953 .


4. المفاهيم الاساسية للاقتصاد العلمي – 1953 .


5. نظرية التجارة الدولية – 1953 .


6. أزمة الفكر الأقتصادي – 1953 .


7. أزمة الفلسفة البورجوازية – 1953 .


8. معنى الحرية – 1954 .


9. تشريح المكارثية – 1954 .


10. المذهب السوفياتي في القانون الدولي – 1956 .


11. أضواء على القضية الجزائرية – 1956 .


12. أزمة الاستعمار الفرنسي – 1956 .


13. النفط والازمة العالمية – 1956 .


14. الاقطاع في العراق – 1957 .


15. العراق والوحدة الاقتصادية – كراس – 1959 .


16. حول بعض المفاهيم الاساسية في الاشتراكية العلمية – 1960 .


17. انهيار نظرية الرأسمالية المخططة – 1960 .


18. الماركسية والحرب الامبريالية – 1960 .


19. البراغماتية والفلسفة العلمية – 1960 .


20. الجزائر وقضية الشعب الفرنسي – 1960 .


21. الامبريالية – 1961 .


22. تشريح الكوسموبوليتية – 1961 .


23. محاضرات في التاريخ الأقتصادي – 1967 .


24. هذا هو طريق 14 تموز – دفاع ابراهيم كبة امام محكمة الثورة – 1969 .


25. محاضرات في تاريخ الأقتصاد والفكر الاقتصادي – 1970 .


26. محاضرات في تاريخ الأقتصاد والفكر الاقتصادي – الطبعة الثانية – 1973 .


27. الرأسمالية نظاما – 1973 .


28. مشاكل الجدل في الرأسمال لماركس – 1979 .


ومن دراسات ابراهيم كبة في المجلات العراقية والعربية والغير منشورة:


1. عبء الاثبات في القوانين – الحقوقي – 1940 .


2. نظرية القانون الصرفة – الثقافة الجديدة – 1954 .


3. ازمة النظام الكولونيالي – الثقافة الجديدة – 1954 .


4. حول مؤلف عن تاريخ العراق الحديث – الثقافة الجديدة – 1954 .


5. حول المعاهدات غير المتكافئة – الثقافة الجديدة – 1958 .


6. سياسة الجمهورية العراقية الاقتصادية – مجلة الكمرك – 1959 .


7. الكينزية كمنهاج اقتصادي للرأسمالية المنظمة – الثقافة الجديدة – 1960 .


8. مذكرة السادة مصطفى علي وجماعته دراسات عربية عدد أكتوبر 1966.


9. الفكـر الرجعـي في العـراق – دراسة غير منشورة – 5/5/1967 .


10. نصيحة للحكام الجدد – من اجل حل سلمي لأزمة الحكم في العراق – 3 /8/1968


11. ملاحظات عامة حول مادة التاريخ الأقتصادي – مجلة الاقتصاد والعلوم السياسية – 1969 .


12. لانكة والمادية التاريخية – الثقافة الجديدة – 1969 .


13. بعض التقييمات الماركسية للكينزية – الثقافة الجديدة – 1969 .


14. من نظريات الدورة الاقتصادية – مجلة الجامعة المستنصرية – 1970 .


15. حول النظرية العامة لكينز – مجلة الجامعة المستنصرية – 1970 .


16. حول نظرية شتايرمان – الاقتصادي – 1970 .


17. تحليل شومبيتر للفكر السكولائي – الاقتصادي – 1970 .


18. اوليات حول الدورة الاقتصادية – المثقف العربي – 1970 .


19. نظرية كوفوليف حول مرحلة الانتقال للعبودية – المثقف العربي – 1970 .


20. حول طبيعة النظام الاقطاعي – المثقف العربي – 1970 .


21. استعراض نقدي للادب الاكاديمي المعاصر حول مادة التاريخ الأقتصادي – الاقتصادي – 1970 .


22. حول نظرية القيمة الماركسية – الاقتصادي – 1970 .


23. الاقتصاد الكينزي – الاقتصاد – 1971 .


24. موريس دوب ومفهوم التراكم البدائي للرأسمال – الاقتصادي – 1971 .


25. حول مفهوم رأسمالية الدولة الاحتكارية – الاقتصاد – 1971 .


26. حول العلاقة بين الماركسية والفيزيوقراطية – الاقتصادي – 1971 .


27. الاقتصاد الماركسي والادب الالماني المعاصر– الاقتصاد – 1971 .


28. هنري دني وموضوعة عدم اكتمال رأسمال ماركس – الاقتصادي – 1971 .


29. هكس ونقاده المحافظون – الاقتصاد – 1971 .


30. في الادب الاقتصادي السوفياتي – الاقلام – 1971 .


31. هكس ونظرية التاريخ الأقتصادي – الاقتصاد – العدد 13 – 1971 .


32. حول تحليل ماركس لنمو المتناقضات داخل الظواهر الاقتصادية – الاقتصادي – 1972 .


33. نظرية النمو في الاقتصاد الاشتراكي – الاقتصاد – 1972 .


34. دني وتاريخ الفكر الأقتصادي – الاقتصاد – 1972 .


35. اقتصاديات الامبريالية – الاقتصاد – 1972 .


36. الانتقال نحو الاقتصاد الاشتراكي – الاقتصاد – 1972 .


37. القومية والرأسمالية في البيرو – الاقتصاد – 1972 .


38. اشكالية الاقتصاد الانتقالي – الاقتصاد – 1972 .


39. حول كتاب الرأسمالية نظاما – الاقتصاد – 1972 .


40. ضوء جديد على مشكلة العلاقة بين الدين ونشوء الرأسمالية – – الاقتصاد – 1973 .



 


القسم الثاني


ذكريات في ربيع العمر



رزق ابراهيم كبة بالابن البكر (سلام) في 6/12/1954 في يوم ممطر وينذر بكارثة فيضان دجلة التي تهدد بغداد .. وتفتحت ذهنية سلام على حب الوطن والافكار التحررية سريعا مع فجر الرابع عشر من تموز 1958 والاستماع الى نشيد الله اكبر ، وبيان الثورة رقم (1) من اذاعة بغداد، واصطحاب الاستاذ الوزير له مرارا الى ديوان وزارة الدفاع حيث اجتماعات مجلس الوزراء . كما اصطحب كبةالاب سلام اكثر من مرة الى أجتماعات حركة انصار السلام والى جامعة بغداد .. وبعد انقلاب رمضان الاسود كان سلام مع العائلة في كل زياراتها ومقابلاتها الوالد في الموقف المركزي ومعسكر الرشيد .. لم تغب عن ذهن سلام كبة اسماء محددة التقاها وعرفها عن كثب .. قاسم ، المهداوي ، ماجد امين ، وصفي طاهر ، محمد الشواف ، عبد اللطيف الشواف ، عوني يوسف ، احمد الجلبي ، التكمجي ، عزيز شريف ، العبايجي ، الجواهري ، الماشطة ، كوران ، بحر العلوم ، توفيق منير ، عبد الفتاح ابراهيم ، محمد سلمان حسن ، مصطفى علي ، عبد الجبار عبد الله ، محمد الجلبي ، عامر عبد الله … الخ.


في 1966 رافق سلام والده والاستاذ احمد جعفر الجلبي في زيارة دوكان ودربندخان والسليمانية واللقاء مع قادة الثورة الكردية آنذاك .. يذكر ان حركة انصارالسلم في العراق تأسست مطلع خمسينيات القرن العشرين وعقدت مؤتمرها الوطني الاول في 22،23 /7/ 1954 في بغداد في دار احمد جعفر الجلبي .. كما رافق سلام والده لمقابلة الزعيم مصطفى البرزاني في كلالة اوائل الشهر التاسع من عام 1967 .


عرف الوالد بحزمه ، وعرفته اول حكومة بعد الرابع عشر من تموز ، عرفه الشعب العراقي عن كثب كما عرفه الزعيم قاسم !، عرفه وفد شركات النفط الغربية المفاوض 1959 – 1960 ، عرفه زعماء العالم في عواصم الشرق والغرب !عرفته جامعة بغداد والأوساط الاكاديمية الغربية ، عرفه الاقطاع وعرفته البورجوازية الوطنية والطبقة الوسطى مثلما عرفه الشارع العراقي حتى بعد اطلاق سراحه وعرفه الكادحون والفقراء ! .. عرفته الحركة الوطنية العراقية مثلما عرفه الحزب الشيوعي العراقي ..


انقطعت اخبار ابراهيم كبة عن سلام عام 1979 مع مغادرة الاخير بغداد اثر الحملة التصفوية التي تعرض لها الحزب الشيوعي العراقي والتحاقه لاحقا بحركة الانصار الشيوعيين المقاومة للنظام الدكتاتوري الساقط ، وتواجده على اراضي الاتحاد السوفييتي السابق لمواصلة التحصيل العلمي .. وبعد عودة سلام ابراهيم كبة الى ارض الوطن في 12/4/2003 كان ابراهيم كبة قد استهلكته مظاهر تسلط النظام الدكتاتوري وازدياد ازمة حكمه استعصاء، والتاثيرات المدمرة للحصار الدولي على الشعب والبلاد، وتفاقم الازمة العامة المخيمة على البلاد، واشتداد مأساة الشعب ومحنة الوطن… كان ابراهيم كبة حبيس الضغوطات الدكتاتورية المنهالة عليه من كل حدب وصوب وذكريات الماضي البعيد والقريب وذكرى رفاقه واصدقاءه الذين رحلوا وغيبتهم زنازين الاعدام والسجون والنسيان .. كان ابراهيم كبة انسانا عادلا ووطنيا صادقا ومن رجال الإقتصاد والسياسة البارزين ، خدم شعبه ووطنه باخلاص ونزاهة. امتلك ابراهيم كبة احباء لا يمكن ان ينسوا مواقفه الوطنية الرائعة ومساهماته القيمة في تاريخ العراق السياسي والاقتصادي.


توفى ابراهيم كبة الساعة التاسعة صباحا الثلاثاء 26/10/2004 والمصادف 12 رمضان اي في نفس الشهر الهجري الذي شهد انقلاب 1963 وقبل يومين من موعده ( وان الله لفي خلقه شؤون ). عزاء لنا ولشعبنا… ووفاء له ولافكاره ومثله.



القسم الثالث



الحياة الحزبية في العراق



وجدت هذه المخطوطة في مكتبة ابراهيم كبة .. مخطوطة غير منشورة وغير مؤرخة .. لكنها بخط يده ، ويشير مضمونها انها كتبت اواسط اربعينيات القرن المنصرم . وفيما يلي جزء رئيسي منها :



 




” الحياة الحزبية في العراق”



كلمة تمهيدية : يتطلب أي بحث عن الحياة الحزبية في أي بلد ما البحث عن الإمكانيات الاجتماعية في ذلك البلد ،من جهة،باعتبار أن الحزبية عمل اجتماعي خالص هدفه تحقيق حاجات اجتماعية معينة لمجموعات اجتماعية معينة بالوسائل الاجتماعية المتوفرة.ويتطلب من جهة ثانية دراسة الظروف الداخلية والخارجية المتصلة بالأمكانيات المذكورة.وبالنظر الى سعة الموضوع وتشعبه ،فأراني مضطرا بطبيعة الحال الى الأكتفاء بذكر النقاط الرئيسية في الموضوع ،مع تأجيل بعض المواضيع الأساسية المتصلة بالحياة الحزبية في العراق الى فرصة أخرى وخاصة ” الحياة النقابية ” ودراسة ” النظام الأقطاعي “.


وسيقسم الموضوع الى ثلاثة أقسام :الأول منها يبحث عن مستلزمات الحزب بوجه عام.والثاني عن الأمكانيات الأجتماعية الحزبية في العراق.والأخير منها عن شروط الحزب المطلوب.


القسم الأول


مستلزمات الحزب بوجه عام



لابد للحزب لضمان فعاليته ونجاحه من العناصر الأساسية الآتية :


النظرية العلمية الشاملة


لا يمكن في هذا المجال التكلم في جوهر النظرية العلمية من الوجهة الفكرية الخالصة ، وسأكتفي بذكر أهميتها من الوجهات العملية المتصلة بحياة الحزب الفعلية وفعاليته في الميدان العملي.فهي أولا : تضمن دوام الحزب لأنها تضمن دوام منهاجه، وشمول حلوله التفضيلية.أما إذا خلا الحزب من نظرية علمية شاملة على ضوءها يحدد مبادئه المباشرة وبرامجه العملية ،وبموجبها يفسر الحوادث التفصيلية المحيطة، فتصبح أغراضه محدودة بطبيعة الحال وتنتهي حياته باستنفاذ هذه الأغراض.


وهي ثانيا ؛ تضمن إيجابية أهداف الحزب. لابد لنجاح الحزب وفعاليته من أهداف إيجابية ، أي لابد له من حلول ايجابية للمشاكل الأجتماعية المختلفة بتفاصيلها ، ولن يعيش حزب اقتصرت أهدافه على السلبية.ولنأخذ مثلا على ذلك : حزب الأستقلال الآن ؛ إن نظرة واحدة الى منهاج هذا الحزب توضح انه موضوع لغرضين سلبيين . الأول / محاربة الاستعمار . والثاني / مكافحة التقدمية ، وخاصة الشيوعية ، وليس لدى الحزب فكرة واعية عن ارتباط الهدف الأول بالمشاكل الأجتماعية القائمة في العراق ؛ ولهذا فليست لديه حلول ايجابية محددة للمشاكل المذكورة.مثل هذا الحزب لا يمكن ان يعيش مدة طويلة وان يساير الحياة الأجتماعية المتطورة ، لأنه سلبي في اتجاهاته ، والسلب لا يمكن ان ينتج شيئا.


وهي تضمن ثالثا :الانسجام في القيادة .وهو من أهم العناصر اللازمة لفعالية الحزب ونجاح سيره في ميدان العمل ، خاصة في المراحل الأولى من العمل الحزبي، ولا يمكن للقيادة ان تنسجم انسجاما فكريا حقيقيا ما لم يؤمن عناصرها بنظرية علمية عامة واحدة.ومن المؤكد ان عدم توفر هذا العنصر يؤدي عاجلا أو آجلا الى الانقسامات في القيادة وظهور ما يسمى عادة بالأجنحة في البداية ثم الانفصال التام في النهاية.ولا شك ان عدم توفر هذا العنصر كان السبب الرئيسي لظهور الاختلافات الأساسية في قيادة الحزب الوطني الديمقراطي الى جانب عوامل أخرى سيأتي ذكرها في حينه . وقد بدأت هذه الاختلافات أيضا تظهر في حزب الأستقلال وان كانت لم تخرج لميدان الفعل بعد!


وهي تضمن أخيرا الانسجام وعدم التناقض في المناهج الحزبية وفي الحلول التفضيلية : ان النظرية العامة تكمن وراء حلول الحزب التفضيلية وتوحي بجميع وجهات نظر الحزب في المسائل المختلفة وتملي بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الحزب وسائله في العمل ،ولاشك ان الحزب الذي لا يستند لنظرية اجتماعية شاملة سرعان ما يظهر التناقض واضحا في حلوله العملية وفي نفس مبادئه النظرية.ولنأخذ مثلا على ذلك من حزب الأستقلال .فقد أقر منهاج هذا الحزب في احدى مواده الأولى بصراحة انه لا يعتقد بوجود الكفاح الطبقي وانه يؤمن بالعكس بوحدة الأمة وتضامن طبقاتها.وواضح ان حشر هذه النظرية في صلب المنهج كان المقصود به توجيه الأنظار الى محاربة الحزب لمبادئ الشيوعية.ثم عاد فوضع الحزب في اكثر حلوله التفضيلية لمشاكل العمل والأرض والأقطاع حلولا مستمدة من الأشتراكية الغربية – reformisme – ذاكرا بصراحة ان غرض الحزب القضاء على التناقض الطبقي وتخفيف حدة الكفاح والنزاع بين الطبقات في العراق .وواضح من ذلك ان الحزب يفترض في هذه الحلول وجود التنازع الطبقي ويسلم دون شعوره به ويحاول بالوسائل الأشتراكية الإصلاحية المغلوطة التخفيف من حدته ، مجاريا في ذلك التيار الشعبي اليساري الجديد في العالم.


طبقية الحزب(استبعاد الآيديولوجية التوفيقية)


ان طبقية الحزب نتيجة طبيعية بديهية لطبقية المجتمع في المجتمعات الطبقية القائمة. ولما كانت وظيفة الحزب تحقيق حاجات اجتماعية معينة (طبقية بالضرورة )كان لابد لسلامة العمل الحزبي تبني مصالح طبقة من الطبقات القائمة والعمل على تحقيق حاجاتها ومصالحها بالوسائل العلمية. هذا وان طبقية الحزب حقيقة واقعة فعلا في جميع الأحزاب ولا يمكن لأي حزب ما أن يكابر ويدعي التحلل من السير ضمن المصالح الطبقية.ومن هنا نفهم تضليل جميع الأحزاب التي تدعي السمو فوق المصالح الطبقية والتعبير عن مصالح الأمة كمجموعة واحدة.وقد ثبت لدينا كما هو معلوم إن الأحزاب التي ادعت هذا الادعاء – ولا تزال تدعيه – سواء أكانت أحزاب اليمين ، أي الأحزاب التي تسمي نفسها القومية على اختلاف اضرابها والوانها وصورها، أو احزاب اليسار التي تدعي انها تقف موقف الوسط بين اتجاهي التطرف لليمين أو لليسار، ثبت لدينا انها جميعا في حقيقة الأمر أحزاب طبقية صرفة : الأولى منها احزاب القوى الرجعية المباشرة ؛ والثانية منها احزاب القوى الرجعية غير المباشرة ، واحيانا احزاب البورجوازية الصغيرة المتعلقة بحكم مصالحها بأذيال الطبقة الحاكمة.وعليه فلابد للحزب اذن من تبني فلسفة طبقية صريحة خالصة . ولكن لا يعني ذلك ان الحزب الطبقي لا يتبنى أحيانا كوسيلة من وسائله العملية أي من وسائله ( التكنيكية ) مصالح بعض الطبقات الأخرى.كما انه لا يعني ذلك ان الحزب يستبعد من أهدافه الرئيسية أحيانا ووسائله المهمة حماية مصالح الطبقات الأخرى في بعض المراحل الاجتماعية التي تتوحد فيها مصالح الطبقات المختلفة في بعض النقاط الهامة .وسنرى ان لهذه النقطة أهمية خاصة في العمل الحزبي في العراق.


ويستلزم هذا العنصر ، أي طبقية الحزب ( القيادة الطبقية أيضا ) ، أي اختيار القيادة من عناصر الطبقة التي يعبر الحزب عن مصالحها ويتبنى فلسفتها.ولكن بالنظر لضرورات خاصة في أدوار اجتماعية خاصة تتصل بالوعي العام الطبقي ، قد تدفع الضرورة الى تسلم عناصر طبقية أخرى لا تنتمي للطبقة المذكورة القيادة الحزبية وعندئذ لابد لهذه القيادة الشاذة في طبيعتها الطبقية ان تتبنى فلسفة الطبقة المذكورة لضمان نجاح العمل الحزبي .وقد مرت جميع الأحزاب الماركسية في هذه المرحلة بالواقع.


شعبية الحزب (أي اعتماده على الجمهور )


المقصود بهذا العنصر جعل قاعدة الحزب على كل حال وحتى قيادة الحزب بالتدريج ان أمكن من الجمهور وعدم قصر الحزب على عناصر الطبقة المثقفة فقط.ان هذا العنصر هو من أهم مستلزمات فعالية الحزب واهم مقاييس جديته في العمل في الحقيقة. ولا يمكن هنا الا الإشارة لبعض النقاط العامة التي توضح أهميته البالغة. أ – فهو الضمان الوحيد لعدم امكانية القضاء على الحزب أي الضمان الوحيد لأستمراره و دوامه. ان الحزب الذي يعتمد على الجماهير يصعب حله رسميا لمخافة الجماهير من جهة ..كما ان حله رسميا لا يستتبع موت الحزب وشل فعاليته في ميدان العمل ..اذ ما ينتج عن هذا الحل هو انتقال الحزب من ميدان العمل والتنظيم العلني الى ميدان العمل السري. ب – كذلك يضمن هذا العنصر مراقبة القيادة وعدم امكانية انحرافها عن اتجاهات الحزب العامة ، أو الأضرار بالمصالح الطبقية التي تمثلها. وفي تاريخ العراق الحزبي أمثلة على ذلك ! اذ لو كان حزب الإخاء الوطني حزبا شعبيا يستند على قواعد من الجمهور لما أمكن لرئيسه ( ياسين الهاشمي ) ان يعمل على حله رسميا بحجة استنفاذ الحزب أغراضه الأساسية بعقد معاهدة 1930 . كما ان كثيرا من التصرفات الشاذة التي قامت بها قيادة الحزب الوطني الديمقراطي خلال السنتين الأخيرتين خاصة ما بتصل منها بأخراج العناصر اليسارية من الحزب ، لم يكن من الممكن حدوثه لو كانت للحزب قواعد حقيقية من الجمهور. ج – وهذا العنصر أيضا أهم الضمانات بل هو الضمان الوحيد في الحقيقة لفعالية الحزب في العمل لسببين(1) ان احزاب المثقفين عامة لا يمكنها ان تنشط في ميدان العمل الا بوسائل المثقفين ، وهي وسائل محدودة من الوجهة العملية لا تخرج عن نطاق الإقناع بسائر ضروبه وتعبيراته. ولعل تجربة الأحزاب في وزارة أرشد العمري ووزارة نوري السعيد خير دليل على ذلك. اذ بالرغم من قسوة الانتقادات التي وجهتها الأحزاب ( وخاصة اليسارية منها ) للحكومتين المذكورتين ، وشدة حملاتها عليهما ، لم يكن من نتيجة ذلك الا القضاء على هذه الوسائل ( وهي لا تتعدى الصحف وبعض المطبوعات ) بكل سرعة وشل النشاط الحزبي بالنتيجة الى حين ..وان العامل الأساسي الحقيقي لإسقاط وزارة أرشد العمري كان وسائل الضغط السياسي الشعبي وخاصة المظاهرات الدامية التي قام بها العمال خاصة وبعض الطبقات الشعبية الأخرى في كركوك وبغداد ؛ ..بتوجيه من العناصر المؤمنة بوسائل الكفاح بالعمل كالتحرر الوطني والجماعات السرية..وسنعود الى هذا الموضوع بعد قليل..(2) ان مراكز القوة في جهاز الدولة ، وخاصة الجهاز التنفيذي فيها هو في الواقع بيد الجماهير ، كعمال المؤسسات المختلفة ، الحكومية وشبه الحكومية ،والجيش والشرطة والطبقات العامة من مستخدمين وموظفين وغيرهم. وبالنظر الى ان أهم وسائل العمل الحزبي كما سنرى بعد قليل هي الوسائل الثورية بمعناها العام أي وسائل الضغط والقوة…فان اعتماد الحزب على الجماهير يبقى الوسيلة الوحيدة لفعالية الحزب وبخاصة في العمل. د – ويضمن هذا العنصر كذلك انتصار الحزب في النهاية أي وصوله الى الحكم. فالطبقات الحاكمة لا يمكن ان تتنازل عن شئ من حقوقها وان تخضع ولو نسبيا للأحزاب الطبقية المعارضة الا تحت عوامل الضغط ولا يتحقق ضغط الحزب إذا لم يكن مستندا الى الجمهور.خ – كذلك يمهد هذا العنصر لتدرج الجمهور نحو مراكز القيادة في العمل الحزبي ويهيئهم لاحتلال المراكز اللازمة في الأحزاب القائمة ويعودهم على ممارسة الحياة الحزبية الى جانب التنظيمات الأخرى التي تشترك مع التنظيم الحزبي في بلوغ هذا الهدف وخاصة منها التنظيم النقابي. و – كذلك تخفف شعبية الحزب من (دوغمائية) المثقفين بربطهم بالواقع وضمان خط الرجعة ضد تأرجح المثقفين واحتمال تحولهم وتقلبهم الفكري .ان طبقة المثقفين (الأنتلجستيا) طبقة ثقافية لها خصائصها بحكم عوامل اجتماعية مختلفة سنعود الى دراستها في العراق على وجه التفصيل في آخر هذه الدراسة.ويكفي ان نذكر الآن ان هذه الطبقة خاصة في العراق غير مستقرة من الوجهة الفكرية ..وهي تمتاز أيضا بالتجريد في اتجاهاتها الفكرية والأبتعاد كثيرا عن الواقع في مناقشاتها السياسية. ان جدلية المثقفين سبب مهم من أسباب اختلافهم في ميدان العمل الحزبي وهي تعلل لنا الى جانب عوامل أخرى سيأتي ذكرها بعد ذلك ، تعدد الأحزاب اليسارية في العراق من دون مبرر اجتماعي متصل بالمرحلة القائمة في العراق …واعتماد الحزب على الجمهور يقلل كثيرا من ( الدوغمائية ) المذكورة وبالتالي يقلل الى حد كبير من الاختلافات العملية التي تستند الى اختلافات فكرية صرفة لا مبرر لها في واقع الأمر. ز – واخيرا يضمن هذا العنصر دوام مالية الحزب ورفده المستمر بالمال اللازم للاعمال الحزبية.


وسائل العمل ( التكتيك )


هذا العنصر هو مقياس النجاح الحزبي في الحقيقة وهو الضمان اللازم لنجاح الحزب وفعاليته وسيره في ميدان العمل .والتكتيك – اختصارا يعني استغلال جميع إمكانيات البلاد في سبيل تحقيق مبادئ الحزب . ويتطلب هذا الاستغلال معرفة شاملة واسعة جدا بظروف البلد الاجتماعية بمعناها العام وتفاصيل الظروف الخارجية المحيطة بالبلد …ودراسة التيارات السياسية السائدة في الموقف المعين المطلوب . واضح من ذلك صعوبة وضع مبادئ عامة تحدد التكتيك وتحكم تفاصيله…ويمكن ملاحظة الأشياء التالية في موضوع التكتيك.


أ – التطور والمرونة : وهذه الصيغة لازمة في التكتيك بحكم اختلاف الظروف الداخلية والخارجية في البلاد وتطورها حسب الزمان والمكان والطبقات الاجتماعية والقوميات السائدة والأديان المتنوعة ..الخ.


ب – الثورية : المقصود هنا السير في الوسائل العملية على اعتبار ان الانتقال الطبقي في المجتمع لن يتم ولا يمكن ان يتم الا بالقوة بمعناها العام ، أي الا بوسائل الضغط على اختلاف ضروبها وألوانها .وينتج عن ذلك لزوم اهتمام الحزب بالوسائل العملية للتأثير على الطبقات الحاكمة وكسب الانتصارات عليها، وعدم امكانية الاعتماد على مجرد وسائل الأقناع في سبيل تحقيق ذلك ! إن وسائل الأقناع ، كما سنرى فيما بعد ، وسائل لازمة لكسب الطبقة المتعلمة خاصة..أما الطبقات الحاكمة فليس مصدر استغلالها وتشبثها بوسائل الحكم وسيطرتها على مصادر القوة العامة هو حسن النية أو الخطأ أو الجهل حتى يمكن أن تحول عن ذلك بوسائل الأقناع وانما مصدر كل ذلك هو مصالحها الطبقية المباشرة التي لا يمكن أن تتخلى عنها الا بوسائل الضغط. كما ينتج عن ذلك لزوم الاهتمام الجدي بكسب عناصر القوة التنفيذية في البلد أي مصادر القوة المادية التي تسند القوى الحاكمة في سيطرتها وحكمها وخاصة كسب عناصر الجيش والشرطة وعمال المؤسسات الحيوية في البلاد كعمال السكك الحديدية وشركات النقل وشركات النفط وعمال الموانئ والمطارات والموظفين والمستخدمين بوجه عام .


ج _ الدولية ( العمل في النطاق الدولي ) : إن الدولية في العمل الحزبي نتيجة طبيعية لدولية الكفاح الاجتماعي .وان المجتمع الطبقي خاصة في مرحلته الحاضرة يسير في تناقضاته الاجتماعية الطبقية في ميدان عام شامل خرج بفضل الصناعة الحديثة عن الميدان الإقليمي أو القومي أو القاري الى الميدان الدولي نفسه ..واصبح الكفاح السياسي كسائر ضروب الكفاح الاجتماعي الأخرى يسير بكل عنف وشدة في ميدان دولي واسع يشمل العالم كله. واصبح من الواضح جدا بل من البديهي جدا ارتباط مصائر الأحزاب الداخلية بكفاح سائر الأحزاب المماثلة الأخرى في الدول الأخرى ..واصبحت الدولية في الكفاح الحزبي ضرورة لازمة في نجاح الأحزاب مكملة للثورية وعنصر من عناصرها . ومن هنا يتضح لدينا خطأ الأحزاب العراقية عامة في عدم اهتمامها بضرورة العمل في النطاق الدولي وخاصة خطأ موقف الحزب الوطني الديمقراطي بعد خطاب رئيسه بمناسبة انشقاق الجناح التقدمي من الحزب وفصل رئيسه كامل قزانجي إذ افترض الخطاب المذكور استقلال العمل الحزبي في العراق عن الأحزاب المماثلة في البلاد الأخرى وشجب سياسة العمل الدولي للجناح المذكور بل اعتبر هذه السياسة نوعا من العبودية للسياسة الأجنبية وخيانة للمصالح الوطنية. كما ان اتجاه حزب الاستقلال ونظرته العامة للكفاح العالمي الدائر الآن توضح افتقاره الى هذا العنصر الأساسي في التكتيك وعدم ادراكه ارتباط مصائر العراق بحكم الضرورة الاجتماعية بمصائر الكفاح المذكور .هذا ويستلزم التكتيك المذكور الاهتمام بالمسائل الآتية في العمل الحزبي في العراق :


التعاون مع الأحزاب المماثلة في البلاد المستعمرة (بفتح الميم) والبلاد العربية منها بصورة خاصة بالنظر لتشابه الظروف الاجتماعية من جهة وبالنظر لوحدة العالم الخارجي ( الاستعمار ) وأساليبه من جهة ثانية ، وبالنظر للتشابه الواضح في المقومات القومية ..كوحدة اللغة ، والحياة الاقتصادية ، والثقافة من جهة ثالثة.


التعاون الفعلي مع الأحزاب المماثلة في البلاد المستعمرة ( بكسر الميم ) نفسها نظرا لوحدة العدو المشترك أي الأمبرياليزم .


العمل كجزء من الحركة الشيوعية الدولية والاشتراك في سياستها العامة والتأثير فيها والتأثر بها حسب ظروف الزمان والمكان.


السرية – ان السرية ضرورة لازمة في جميع المجتمعات الطبقية بسبب عدم التوازن خاصة في المراحل الابتدائية من الكفاح الطبقي بين القوى المستغلة الحاكمة والقوى الشعبية المستغلة ، واحتمال القضاء على النشاط الحزبي الفعلي في كل لحظة بأعلان الدكتاتورية الصريحة أي الفاشية او المستترة بسائر ضروبها والوانها ودرجاتها حسب الظروف. ان السرية ضرورة لازمة لأن حدود سماح الطبقات الحاكمة بالعمل الحزبي لا تتعدى الحدود الشكلية التي لا تمس المصالح الجوهرية لها.وهي مستعدة للسماح بالتمتع بالحقوق الدستورية المرسومة في الديمقراطية البورجوازية ضمن النطاق الاجتماعي الذي ترسمه نظمها الاجتماعية السائدة، وهي لا تسمح ولن تسمح أبدا باجتياز هذا النطاق الاجتماعي الا مضطرة على ذلك . من هنا تتضح ضرورة ولزوم العمل السري دائما في المجتمعات الطبقية.ومما يزيد في أهمية السرية في بلد تنعدم فيه تماما الموازنة في القوى الطبقية بين الطبقة الحاكمة وورائها قوة الاستعمار وبين القوى الشعبية الضعيفة المتأخرة جدا في وعيها الاجتماعي ، هو ان الجهر بالشيوعية وبوسائلها في العمل مستحيل من الوجهة الفعلية ، بل هو جريمة من الجرائم العامة ، الأمر الذي يلزم جميع الأحزاب اليسارية ان تتبنى السرية كجزء أساسي من نشاطها الحزبي حتى في فترة نشاطها العلني فيما لا يمكن الجهر به ، من جهة ، وتمهيدا لأيجاد التنظيمات الكافية الضرورية لمواصلة نشاط الحزب عند احتمال القضاء على نشاطه العلني من جهة أخرى.


هذه خلاصة موجزة لمستلزمات الحزب بوجه عام والحزب الماركسي بوجه خاص في المجتمعات الطبقية .



بغداد


14/7/2007