الرئيسية » مقالات » كلمة حق يراد بها حق؛؛

كلمة حق يراد بها حق؛؛

تنتاب المواطن العراقي المحايد حيرة وهو يشاهد صورا غريبة الالوان والاحجام،بعضها من الورق
ملصقة على جدران الاضرحة والجوامع والحيسنيات والمسشفيات، في حين يرى بعضها الاخر من القماش معلقة على واجهاتها وعلى اعمدة الهاتف والكهرباء.ويظهر في تلك الصوروجوه اناس بلحى و عمائم سوداءوبيضاء، تشير ملامحها الى ان البعض منها قد رسمت يدويا، من قبل اناس يجهلون التمييز بين الالوان ولم يتقنوا فن الامساك بفرشاة الرسم .ولمحة سريعة الى تلك الصور من الزائر الاجنبي لبغداد والمدن الاخرى، تعطيه الانطباع بانها لمطلوبين تطاردهم السلطات الامنية، بتهم الارهاب والسطو.ويعتبرهذا الانطباع امرا عاديا، لكونه اسلوبا متبعا في دول العالم قاطبة، يهدف الى تعريف عامة الناس بالمجرمين الهاربين، وبدعوتهم لاعطاء اي معلومات عنهم لاقرب مركز للشرطة او الاتصال بهواتف محددة للتبليغ عنهم. وللزائر الحق في استنتاجه هذا،بسبب الوضع غير الطبيعي الذي تعيشه المدن العراقية، في ظروفها الحالية، حيث نظام منع التجوال المطبق خلال الليل، وكثرة نقاط التفتيش و السيارات العسكرية المنتشرة في مشارف المدن والمواقع المهمة فيها. ولا تدل في الوقت نفسه على ان الصور لاشخاص ترشحوا للانتخابات البرلمانية او الرئاسية ،لان مثل هذه المناسبات تكون معروفة على نطاق واسع في المحافل الدولية، وفي الوسط الصحفي بشكل خاص،حيث تتسابق وكالات الانباء وممثلي الصحافة ومنظمة الامم المتحدة ومنظمة صحفيين بلا حدود للتوجه الى العراق لتغطية الحدث.
ليست هذه الظاهرة ما اعتاد عليها العراقيون خلال حياتهم في العقود الاربعة الماضية، واقصد ابراز صور لشخوص دينية متوفية او على قيد الحياة. ان ما اعتادوا عليه هو اسلوب اعلامي بائس،رافق رغبة قادة الحكم في تعظيم ذاتهم لاشباع شعور دفين في وعيهم الباطن بانهم ابطال العصر. وعلماء النفس والاجتماع افضل من يحلل هذا النزوع الشاذ الى تعظيم الذات. وخلال العقود الاربعة الماضية، شاهد العراقيون و تعايشوا مع نزوع التبجيل الذي مورس نيابة عن بطل العصرالمزعوم ،عبر كتاب وشعراء وادباء وفنانيين تشكيليين وصحفيين عراقيين وعرب وبعض منظمات المجتمع المدني المشبوهة. وكان العراقيون والعالم شهودا على ردود الافعال العنيفة والمدمرة، التي قامت بها جماهير الشعب العراقي، عند اول فرصة سنحت لهم لاسقاط كل ما له صلة بذلك الاعلام المفبرك عن البطل والقائد المنصور. واستهدف رد الفعل الغاضب ، جداريات هائلة الحجم، وصورا وتماثيلا كانت تتصدر تقاطعات الشوارع ومداخل المدن والضواحي، وتتوسط الساحات والحدائق العامة ، وتعلو سطوح المدارس والجوامع والمستشفيات اضافة الى وجودها الالزامي داخل مباني تلك المؤسسات. واختفت برمشة عين الاف تلك الاصنام تعبيرا عن تحرير النفس والفكر والنظر والذوق ايضا،ولا تزال اثار بعضها شاخصة لحد الان، تحذر من يريد استبدال تلك الجداريات والاصنام بغيرها حتى لو كانت لأيات الله من اصحاب العمائم السود او البيض احياء اوامواتا. ولا يتمنى احدا ان تلاقي الصور والجداريات الجديدة نفس المصير الذي انتهت اليه سابقتها. ان الصور والجداريات تتكلم عن نفسها، فهي لسادة ومشايخ شيعة يتمتعون بالاحترام والتبجيل بين صفوف الشيعة والسنة عربا او اكرادا،او من ممثلي الاديان الاخرى. وهذه حقيقة غير خافية على احد، وهي تعبيرصادق عن احترام ومشاعر نبيلة تجاه بعضنا بعضا. والتاريخ يشهد للعراقيين من كل الاديان والطوائف انهم صخرة صلدة اثبتت مع السنين انهم مجتمع حر، لا يعرف لغة اخرى غير لغة التسامح والمودة ويربأ بنفسه عن كل ما يغايرذلك. ولكن لماذا هذه الصور بالمئات، التي نراها اينما توجهنا في مدننا المقفرة، وهي ليست نخيلا او اشجارا مزهرة تنشر عطرها وظلالها في كل مكان، ويتمتع باخضرارها كل ناظر. من صاحب الفكرة الخاطئة،بان صوروجوه رجال الدين على واجهات الجدران تحببهم الى الناس او ترفع من قدرهم؟ ليس مقبولاابدا منظر تلك الصور تعبث فيها الريح وتتطايرشضاياهامع الغبار والاتربة على الارصفةوالشوارع. انه لامرعادي وحق مشروع ان يحتفظ الناس في بيوتهم بصورة لعزيز غائب اومفقود تخليدا لذكراه. ان الجوامع والمتاحف هي انسب المواقع للاحتفاظ بصورللرجال الابطال من
السياسين ورجال الدين اوغيرهم، من الذين حققوا لبلادهم اعمالا عظيمة تستحق التمجيد. ان الغريب في امر ظاهرة الصورهذه انها تقتصر على رموز شيعية اكثرها على قيد الحياة، ولم نسمع ان احدهم طالب مريديه تواضعا، بعدم طبع او توزيع او تعليق صوره على سارية دائرة حكومية اوعلى سطح مدرسة او وضعها في اي مكان عام. وما داموا لم ينهوا عن ذلك التصرف الغريب، فلماذا يرغبون في الدعاية لشخصهم وهم ليسو سلعة للبيع او للايجار؟ ومن الحكمة والتعقل والنبل واحترام الاخر، ان امتنع لحد الان العراقيون السنة في سلوك هذا النوع من الدعاية لرموزهم الدينية.
وحسنا فعلوا لانه لو استنسخت التجربة الحالية فبأي حلة ستظهر عاصمة العراق ومدنه . وماذا سيحدث لو عبر احدهم عن امتعاضه من بقايا صورة متهرءة بفعل المطر، لطمت وجهه وهو في طريقه الى بيته او الى الجامع للصلاة؟ اوقام بازالة شضية من تلك الصور المتطايرة، ورماها جانبا امام احد الاخوة الشيعة من مقلدي صاحب الصورة التي طيرتها الريح.؟؟
وجملة اخيرة اوجهها الى اصحاب الصور من علمائنا الافاضل الاحياء اطال الله في اعمارهم، ان اوقفوا هذه الدعاية اذا اردتم ان نبجلكم،فبدونها نحبكم ونقدركم اكثر فاكثر؛؛

د.علي ألأسدي 13
/09/2007