الرئيسية » مدن كوردية » كرماشان – الحلقة الثالثة

كرماشان – الحلقة الثالثة






pukmedia    2007-08-21    






Imageاستعرضنا تواريخ المدن التابعة لكرماشان فوجدنا أن فيها آثاراً تعود الى حقبة “اللولوي” ثم ميديا ، وما تلتها من عهود ، إلا إننا نرى بوضوح بعض التلاعب في إبراز مرحلة الساسانين ، ثم إضافة أوتغيير الأحرف كي لا تبدو كوردية ، وهذا ما ينطبق على شيراز وأصفهان ، فالتسمية الأولى تعني مجاميع الأسود ، وهو ما يظهر من خلال استعراض آثارها القديمة المعتمدة على إظهار “الأسود” في حواف الأعمدة وفي بوابات البيوت وجدرانها. أما أصفهان ،فإن أصل الكلمة “أسبهان” أي الخيّالة .



كرماشان تصلح لأن تكون مهد الحضارات ، لأنها نهاية أو بداية هضبة ايران التي يسهل الوصول الى المياه الجوفية فيها ،بالإضافة الى قوة العشائر المدافعة للبقاء على ضفاف الأنهار أوعلى مواقع الينابيع كما في باقي بلاد العالم ومنها بلاد الرافدين، إذ أن العشيرة الأقوى تسكن على ضفاف الأنهار والآخرون حسب قوتهم تبتعد عن مياه النهر.



 في كرماشان كانت الإمارة الكوردية الأخيرة ، إمارة “كلهور” التي لم تهتز  مثل الإمارات الأخرى في الحرب العراقية الايرانية 1980 -1988 ، فعلى الرغم أن القتال كان يتم في أرضهم ، فقد بقيت جحافل العشائر تقاتل بمعنوية دينية مضافة ومضاعفة ،الى كونها كانت تدافع عن وجودها، فـ “تاقوسان” بقيت ردحاً من الزمن مكان قصور الساسانيين ثم الصفويين والقاجاريين ، والأصل في المنحوتات الجلدية انها تعود الى دارويش الأول في العصر الأخميني “هاخمنشي” وأكثرها تجديداً رتلاً من الملوك يعلن عن ولائه ويتقدم حاملاً هداياه الى دارويش الأول ، ثم رتلاً من الملوك الطغاة الذين جلبوا مقيدين للمحاسبة على جناتهم ، وأخيراً يظهر أحد الأخمينيين الملوك ، ويقف على رأس القائد الروحاني جليونس الذي إنكسر على يد الأخمينيين ، يعود الى 500 سنة قبل الميلاد.



Imageإلا إنه يتبين في آثار بيستون كتابات باليونانية ، تتحدث عن وصول جيش الاسكندر المقدوني اليها ، وقد عاش الاسكندر الى عمر 36 سنة ، وكانت مهمته هدم الإمبراطورية الميدية ، ولكن في أماكن أخرى يرد ذكره ، على إنه قد أحرق الألواح الزرادشتية التي كانت تسمى بالأفيستا ، أوالمرأة التي تعني الحقيقة ، ولستُ أدري عن توارد  خواطر سقراط ، الأب ، الفيلسوف الأول للإغريق الذي قال “أنا كإمرأة إذا ما نظر إلي الحمار لما رأى نفسه غزالاً ” إذن هو يعني الحقيقة، ربما الآن التفكير الانساني يتوحد بسبب الصراعات على الثروة ومصادر المياه، بالإضافة الى الدرر النفيسة.



ومن هنا فالمراقب يرى إن التسمية الفارسية لكل الإمبراطوريات التي توالت على الحكم في الشرق الأوسط ، إما أنها تتحدث الفارسية لأنها كانت لغة الثقافة ولغة الكتابة ، أو إنها كانت اللغة المشتركة للكورد والفرس والترك والعجم والبلوج ، وهكذا صار كل شيئ بفضل الحضارة التي اختزنها رضا شاه وابنه فارسيا ، أما القوميات الأخرى فلم تكن لها أية ثقافة.



ان كرماشان محافظة مثل باقي محافظات ايران ، ولكن لِمَ كل هذا الكم الكبير من الآثار فيها ، بالإضافة الى أن الآثار المتبقية في شيراز وأصفهان فقد نشطت ، في مرحلة الحكم الكوردي المتمثل في حكم الإمارة الزندية التي بدأت بكريم خان زند ، والذي يتميز تماماً حتى عن تفكير المباهاة وغلظة الشارب وامتشاق الحسام لذاته ، فلم يجسد نفسه ، ولكن أعماله جسدت قوة منحت لهذا الرجل ، الذي نقل نظام الحكم من الملكية الى الجمهورية ، أو على الأقل الى نظام التوكيل نيابة عن الشعب حين سمى نفسه بوكيل الأمة ، والملوك القاجار الذين جاؤا من بعده جسدوا أنفسهم في صور على نفس جدران ” تاقوسان” على انهم الأبطال ، وما الشعب إلا مجموعة عبيد ، إلا إن كريم خان زند حورب من جهة أخرى وهي تقسيم أعماله الباقية الى :



أعمال كريمي.



أعمال الوكيل.



آثار زند.



Imageان كريم خان سمى حتى الجبال بأسماء جبال كرميان ، فتم تسمية الجبل المحيط بشيراز بـ”بمو” والساحة الأولى في أصفهان بساحة “جوارباخ” وهو دليل على انه إما إمبراطوريته كانت ممتدة حتى السليمانية والبصرة التي تسمى فيها خور العمية “بجي كور” حتى إن مسقط رأس الشاعر بدر شاكر السياب هو قرية “جي كور”.



كرماشان كانت منطلقاً لبناء الحضارة اللولوبية أوالميدية أوالبابلية أوالسومرية ، بدليل العثور على “الرقوق” الآثارية في مركزها أو في الأقضية التابعة لها ، ولكنها الآن تخوض نفس الدورة لتصبح الفارسية هي السيدة للثقافة ، خاصة وإن المدينة قد تعرضت لتغيير أثنوغرافي في الهجرة الجماعية نحو طهران ومحافظات الداخل ، هرباً من مدفعية صدام التي استقرت في العشرين كيلومتراً من مدينة إسلام أباد ، وقد التقيت بامرأة تعتبر السيدة المجهادة الاولى في كرماشان تتصل بأبيها وجدها بداود خان ، إيل خان الأعظم لـ “كلهور”  الذي قاد الهجوم الشعبي من أجل الدستور، إذ ان الصفويين الملوك والقاجاريين قد سيروا البلاد بدون دستور وطالبوا بالدستور كحال دول العالم في 1906 مع السنة الخامسة لظهور النفط في “نفط شهر” القرية الحدودية لكرماشان المشتركة مع نفط خان العراقية ، فأثبتوا للدنيا إنهم لم يكونوا في كرماشان مجرد عشائر ممتهنين للزراعة ، وإنما مجاميع من ذوي العقول المتفتحة ، وتلك المرأة الجليلة التي التقيت بها ، تدعى “بروين خان” فقد كانت تترأس لجان الإسعاف والهلال الأحمر في مناطق “كلهور” وهي مناطق حربية لثماني سنوات ،وقد عرضت على شاشات التلفزة في ايران ، وكم خزنت لهذه العشيرة الكوردية العريقة ، حيث وجدتها تحمل الدفئ الحنين لأهالي مندلي وخانقين ، وكانت تقول لقد كان قدرنا أننا في صفحتي الحدود من قبيلة واحدة ، نقتل على أيدي وسلاح الدولتين ، فقلت لها: مندلي دمرت بالكامل في يوم قصف مشترك ، ايران دخلت قواتها الى الطرف الجنوبي من المدينة ، والعراق ظن انهم احتلوها فكانت المدفعيتان تقصفانها ، الى أن تحولت الى رخام وأطلال ، والى الآن لا يهتم احد بها ، على الأقل ايران ، التي أتذكر عن لسان الإمام الخميني الذي كان يقول “إن أهالي مندلي والبصرة أكثر مظلومية منكم ” في رده على الذين كان يهتفون “صاروخ” ورغم ذلك نزلت الصواريخ فاحالتنا الى “شذر مذر” في بعقوبة وكنعان وبلدروز وبغداد . نفس الشيء حصل لأهالي المدن الكرماشانية الذين هاجروا الى طهران والمناطق الأخرى وما كادوا يعودوا حتى إزدهرت الحدود المفتوحة بين العراق وايران بتوجه حوالي 800 سيارة في اليوم الواحد الى العتبات المقدسة ، فشن الإرهاب مؤامراتهم في ذبح الزوار



،و ذبح الخراف للحيلولة دون مجيء المزيد من الزوار ، فقطعوا أرزاق الناس وأحالوا دون عودة الناس الى المناطق الحدودية ،  في حين أن غرفة تجارة وصناعة كرماشان قد تبرعت بعشرة ملايين دولار من أجل إعادة بناء المدن التي أصابتها الأعمال الحربية في خانقين ، فانتصب أحد نواب في البرلمان يقول “ينبغي رفض المنحة الايرانية ، أو أن يقولوا لنا ما هو تبرير هذه المنحة”.

هكذا هي الأقدار ، الظالمون بعضهم أولياء بعض “هالشبل من ذلك الأسد” فـ كرماشان اليوم قامت من تحت الركام ، وأعادت بناء كل شيء ، حيث الشوارع مزدهرة ، والناس يستحقون كل دعوات الخير.