الرئيسية » مقالات » بانتظار الثلاثاء الذهبي أو من دفتر اللجوء …

بانتظار الثلاثاء الذهبي أو من دفتر اللجوء …

يأتون من كامب اللآجئين .. أب واُم وثلاثة أطفال .. مشوهو الروح .. حزانى .. عليهم آثار نوم .. الصمت موغل فيهم .. والانزواء الطويل سمة لهم..
وايقاع باهت على الوجوه .. شئ من الحسرة يرين على الجباه … الشفاه ذات اطباقة خاصة .
يأتون من كامب اللآجئين .. لماذا يأتون ؟ بسببي ؟ أم بسببك… لماذا دعوناهم ! أما كان من الأفضل أن يمكثوا هناك .. ان يعتادوا الوحدة والوحشة .. ان يصدأوا هناك .. تستحيل جلودهم الآدمية الى عيدان ذات قلف سميك.. أما كان الأجدر بنا تحاشيهم ؟. صحيح لايمكننا حجب الاستفسار عنهم فهم أصدقاؤنا إن لم يكونوا بشرا ً…صحيح لايمكننا عدم الاتصال بهم ولو كل شهر مرة ولكن هل بالضرورة أن ندعوهم الى البيت ؟
النداء التلفوني الأخير كان مريرا .. ما ان خصصتهم بالسلام حتى طار الرجل من الفرح .. صوته يأتي عبر الأسلاك كما لو أكون انا أباه واُمه… رجل في الأربعين يتألق يستحيل جسده كله بجوارحه بأعضائه ، بلحمه ودمه الى صوت لاهث عبر الأسلاك … يلهج بإسمي باسمك … يسألني عن أطفالنا كما لو كانوا أجنتهم المأخوذين منهم … والمرأة زوجته … آه منها .. كأنها وهي وراء المسرة مثل حمامة رفراف ، اسمع أطفالهم يتصارخون فرحا ً لمجرد سماع ابيهم وهو يلبي دعوتي اياهم الى زيارتنا … الأطفال يصدحون كالطيور … سنمضي سنمضي الى كوبنهاغن … الى بيت عمو ابو …
آه يأتون من كامب اللآجئين ، بعد أن يستفسروا عن أرخص تذكرة في القطار .. وعن امكانية ان انتظرهم في آخر محطة للنزول فهم صم بكم لايعرفون من الدنيا هذه شيئا .. آخذهم في الباص ، تطل أعناقهم من النوافذ الى الدنيا ، الى الشوارع ، والمباني والدكاكين بشراهة بشراهة بشراهة . عشرات الأسئلة عن هذا وذاك ، وهذه وتلك ..
يدخلون الى بيتنا .. الى الممر الدافئ الذي يواجههم اثر الباب الموارب ، يفركون ايديهم وارواحهم انتشاء ً ويتحسسون وصولهم كما لو كان انتشالا وبالقبلات التي يضعونها على خدك وخدود أطفالي كما لو تكون ارتواء ً !
يخلعون أسمالهم .. نأخذها لنعلقها في دولاب الملابس الدانماركي الأنيق ..
حذاء الرجل كان مشقوقا من الجانب .. أما رأيته ؟ كم اوجعني ان أراه وأن لا أراه .. لم استطع طيلة وجوده ان اجرؤ بان اقدم له حذاءا جديدا او اقترح فكرة شرائه فلربما يغضب او يشعر بالاهانة ..
الله ما أجملهم عندما جلسوا في قاعة الضيوف الكبيرة .. ولكم تنميت لهم أن يكونوا طبيعيين في جلستهم .. عيونهم تتطلع زائغة يمنة ويسرة الى أشيائنا العادية . عينا المرأة مثل عيني شحاذة لا اتجاه لخطاها … الرجل كان متوازنا نوعا ما لكنه وعندما تحدثنا عن شراء قليل من البيرة اختل توازنه بل تصابى .
وجوههم لاتزال تؤلمني فهي مبهورة باللوحات على الجدران وبالتلفزيون الملون والفيديو والمسجل الضخم .. لاينفكون يتحدثون عما عندنا.. السجادة ايضا ً هذه التافهة كانت مثار اهتمامهم .. هل رأيت كيف راح طفلهم الكبير يتغاطس في الأريكة كأنه في الفردوس .
أين غاب ؟ دخل الغرفة مع ابنك ؟ … 15 ساعة وهو مع الأتاري ؟
وافقت المرأة أخيرا ؟ اخذت الملابس المستعملة!… كانت فرحة بها أليس كذلك ؟ .. أنا فرحت أيضا .. لكن الذي زلزل روحي انها ارتدت ملابسك القديمة وهي في بيتنا بل راحت تبتهج لجمال أذيالها ! ملائمة كانت أليس كذلك ؟وملابس ابننا الكبير تلك التي مرت عليها سنتان ، بدت جديدة على قوام ابنهم ؟
والرجل هل رأيت كم كرع وكرع من القناني .. كان مثل ارض رملية حارقة .. وكم تحدث وكم قرأ شعرا .. وأخيرا غنى .. غنى اجمل انواع المقام العراقي وعرّج على الاوشار الايراني …ومن ثم راح يحلق بأصداء اصوات من جورجيا .. جميلا كان أليس كذلك ؟ انا شخصيا احبه .. وانت ايضا .. لكن .. لكن .. هناك شئ يزهق روحي ، وهو اني لااستطيع ان اراهم فرحين ! يشربون ويأكلون ويغنون ويتقافزون بل و( يبزخون) على انغام واغاني سعدون جابر وحسين نعمة وضياء حسين وغيرهم .. هاهم يستمعون لها وكأنهم لم يسمعوا بها سابقا .. ألأنهم لايملكون حتى كاسيت أغان ٍ ؟.. كنا فرحين .. رقصنا معهم على وجع النهاوند وحداء ( احاه يم شامه احاه ) . درنا جميعا وسط القاعة كما يدور هنود حمر ، كما يدبك الكرد على وهج من نيران كاوا .. كما يتألق بالخمرة اتباع ديوسنيسيوس .. كان الأب الأشيب احمر الوجه متوهجا ، على جبينه حبيبات ناعمة من العرق المتلالئ .. في يده كأس البيرة وبين اصابعه سيجارة ( دان هيل ) وهي اثمن ماعندي من سجائر …
كم جميلين كانوا …ظلوا يدورون … هي بملابسك الهفهافة الأنيقة .. والأطفال بألوان سراويل اطفالك الزاهية … والرجل مااروع وقاره وهو فرح لكنه ذلك الفرح الطالع من مليون مقبرة حزن .. انهم جميلون … جميلون حد البكاء ..
هل شعرت بغيابي ؟ … هم لم يشعروا اليس كذلك؟ لقد ذهبت الى حجرة النوم …انزويت قليلا … بكيت هناك .. لماذا ؟ لأنني لم اطق ان اراهم على تلك الحال من النشوة .. من الجوع الكامن ، من الظمأ المكبوت ، من الحاجة حتى الى ما هو عتيق .. من التطلع الى ماهو عادي باعتباره مذهلا ! .
لتتفقي معي ارجوك ! .. اذا قالوا اسمحوا لنا بالمغادرة لاتمانعي لطفا .. يومان مرّا وانا احترق لرؤياهم … ارجوك ما ان يقولوا نغادر خففي عنا وعنهم …ليذهبوا …ليذهبوا الى هناك … الى الكامب البعيد … وحيدون هم ؟ .. وبعيدون .. ومهملون ؟ دعيهم في وحدتهم … وارحميهم في ابتعادهم … انهم يتألمون في رواحهم والمجيء… أنا ادري بارواحهم الناعمة كريش الطاووس … بندى احاسيسهم الضارب في العطر …اعرفهم منذ سنوات … منذ سني ميلادهم المسكون بالعواطف والنبل …وانا فوق ذلك احبهم … لكني لا اريد لهم هناءة موجعة مثل هذه … لا اريد لهم زيارة تكلفهم الحسرات الأكثر لوعة من حسراتهم … لا اتمنى لهم سوى ان يعتادوا صمت حجراتهم في الكامب البعيد … انهم معزولون في آخر الدانيمارك … دعيهم على عزلتهم .. لا تقحمي الخراب في ارواحهم .. ارجوك ان لاتوجهي الدعوة اليهم وان لاتدفعيني الى ذلك … خليهم في الظلمات … ما أقسانا ؟ .. اتدرين اننا قساة حد اللعنة . اننا عندما نفتح العين العمياء لتبصر الجمال وعلى قدر يوم او يومين ونعيد غلقها فاننا نقترف اثما .. ها هم فرحون معنا فرحة على قدر ضحكة مختنقة .. وجرعة كأس جافة … ورقصة نازفة اشبه ماتكون برقصة الطائر المذبوح .. عسانا ان لانكرر دعوتنا لهم ..او جريمتنا بحقهم .. والعقاب .
دعيهم .. دعيهم هناك .. في الكامب البعيد .. في اقصى الدانيمارك .. ينتظرون حقهم بالاقامة .. ويعيشون على امل اللجوء يطول ام يقصر .. يعيشون على روعة ان ينصرم الاسبوع ليأتي يوم الثلاثاء الذهبي وليهرعوا الى دائرة البوليس كل صباح ليشاهدوا ارقامهم … ليحلموا بانتهاء الأشهر الشتوية المريرة وفي مكان ناء ٍ هو اشفق من الباستيل .. بل هو اجدر من احتفائنا المنكسر الخاطر بهم .
دعيهم في الكامب البعيد .. وراء الدنيا .. في قرية قصية هي عبارة عن شارع بارد في زمهرير الشتاء … دعيهم هناك على احزانهم وملل ايامهم.. ان فرحة صغيرة توقظهم من سبات طويل .. ان يومين مشمسين ندعوهم فيها يزيدانهما حدادا على الحداد الذين هم فيه ..دعيهم .. دعيهم في الكامب .. يعيشون .. ويموتون في .. ال … كامب .

* كوبنهاغن بتايخ المنفى ../ ../ ….

*******
– الثلاثاء : هو اليوم المنتظر من كل اسبوع حيث تشرئب آلاف الاعناق ، من عشرات الجنسيات ، متطلعة الى لوحة اللجوء فعسى تجد رقمها قد ظهر وحُلت معضلتها .