الرئيسية » مقالات » امرأة وموقف-وراء كل عظيم امرأة- أم المؤمنين .. خديجة بنت خويلد

امرأة وموقف-وراء كل عظيم امرأة- أم المؤمنين .. خديجة بنت خويلد

ونحن نعيش هذه الايام الايمانية كمسلمين لابد لنا من ان نتوقف قليلاًونحن نكتب مقالنا الاسبوعي (امرأة وموقف) عند امرأة أحبها النبي حد العظم حتى أنها لم تفارق مخيلته إلى آخر أيامه الشريفة لأهمية دورها على المستويين الشخصي والعام في حياة الرسول والإسلام على حد سواء ، تلك هي السيدة الأولى طيبة الذكر خديجة بنت خويلد -عليها السلام- .
لم يكن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- قد تشرف بعد بحمل رسالة السماء إلا أن خديجة بحدس المرأة الذي لا يخطئ وبنظرتها الثاقبة للأمور وهي ترى محمدا الصادق الأمين يتاجر لها في بضاعة أثمرت عن ربح وفير جاءت به شخصيته الرائعة ، وتفانيه في العمل ، وحرصه ونزاهته فضلاً عن نبل أخلاقه وحسن سيرته ، وشجاعة نفسه الشريفة . قررت أن تقترب منه وتقترن به وتعطر جسدها بطهارة يديه الكريمتين ، بعد أن رغبت به وأحبته بوجدان امرأة طاهرة في قومها شريفة بحسبها ونسبها ، جميلة بشكلها ، طيبة في قلبها ، صادقة في مشاعرها .
لم تكن رواية الأربعين سنة من العمر التي كانت تنسب إلى عمر السيدة والتي كنا قد سمعنا بها وقرأناها في مناهجنا الدراسية ونحن صغار هي الرواية الصحيحة وغير القابلة للنقاش، بل على العكس من ذلك هناك العديد من الروايات التي تحدد عمر السيدة خديجة أثناء زواج الرسول منها ، بأنها كانت ذات ثلاثين سنة أو ثمان وعشرين سنة والأخيرة أصح وهي المنقولة عن ابن عباس (رض) كما جاء في الطبقات الكبرى لابن سعد والمحبر لابن حبيب ، وأنساب الأشراف للبلاذري وغيرها من المصادر .
كانت السيدة الجليلة -خديجة بنت خويلد- على درجة عالية من الجمال وطهارة النفس وقوة الشخصية ، فهي العاملة التاجرة الواعية لضرورات الحياة ، وهي الزوجة المطيعة ، المؤمنة ، المحبة لزوجها والتي هيأت له بيئة صالحة وهادئة استطاع من خلالها الرسول الكريم أن يناجي ربه ويتهيأ للقيام بأعظم دور قام به رجل على مر التاريخ . وبذلك تكون قد جمعت بين نظريتين بهذا الخصوص، أحداهما تدعو المرأة على العمل ومشاركة الرجل بتحمل أعباء الحياة وأخرى تفضل أن يكون لها دور آخر كبير في نتائجه وصغيراً في محيطه من خلال الدعوة لأن تظل المرأة في بيتها تربي أطفالها وتوفر لزوجها بيئة ملائمة ليستطيع من خلالها القيام بواجباته .
لم تكن السيدة زوجة للرسول بالمعنى التقليدي للزواج كأي زوجة أخرى تخطأ وتصيب ، تبتسم تارة وتغضب أخرى ، يرضى عنها زوجها في موقف ويوبخها مرات في جدل اجتماعي أسري كما هو حال العلاقة بين الأزواج ، بل على العكس من ذلك، كانت السيدة وكما تؤكد المصادر امرأة شاملة ونموذجية تكاد تكون قد انفردت بذلك عن نساء الكون ، فقد تفهمت هذه المرأة الناضجة دورها الكبير في الحياة ، فراحت تعدد أدوارها ، وتغير أشكالها ، وتهذب ألفاظها ، وتنوع مواقفها بما يحقق للرسول حياة آمنة مستقرة يشعر من خلالها بالسعادة والهناء وتكون منطلقاً له للعمل الخارجي باتجاه تعميم رسالة السماء ، وكأنها قد خُلِقت لتكون زوجة لنبي عظيم وهو يتحمل عبء مطالب السماء ، حتى أنه -صلى الله عليه وآله وسلم- لم يتزوج عليها في حياتها أبداً ، وقد أحبها حباً قلَّ نظيره ، فبقيت ذكراها عالقة في ذهنه وعقله وتفكيره ، يذكرها وهو بين نساءه ويتفقد صديقاتها لأنه كان يجد فيهن ما يذكره بها وبأيامه معها. كانت مواقف خديجة مع الرسول لا تحصى ولا تعد كونها غطت عمراً ناهز الربع قرن من الزمن كانت فيه خديجة كالماكنة التي تنتج الإيجابيات والمواقف الرائعة والسلوك الحسن والفعل الذي يرضى عنه الله ، لكننا في هذه العجالة لا نستطيع أن نقرن ما جئنا به بالروايات والأحاديث كون الأمر سيطول ويطول لذلك سنكتفي بالتطرق إلى واحد من تلك المواقف التي برزت دور تلك المرأة الرائعة في علاقتها مع الرسول ، فقد نقلت مصادر التاريخ من أن الرسول الكريم وأثناء تعبده في غار حراء ورؤيته لجبريل -عليه السلام- وفي الفترة التي سبقت تبليغه بالرسالة السماوية ، حيث كان جبريل يتردد عليه ويهيئ له الأجواء لتلقي رسالة الإسلام ، كان الرسول في حديث دائم مع السيدة لما يرى ويشاهد ويسمع ، وفي ذات يوم قالت له السيدة (أي ابن عم ، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال : نعم ، قالت : فإذا جاءك أخبرني به ، فجاءه جبريل -عليه السلام- كما كان يأتيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لخديجة : هذا جبريل قد جاءني ، فقالت : نعم فقم يا ابن عم وأجلس على فخذي اليسرى ، فقام الرسول ، فقالت : هل تراه ؟ قال : نعم ، فقالت : تحوّل فاقعد على فخذي الأيمن ، فتحول رسول الله فجلس عليها فقالت : هل تراه ؟ قال : نعم ، قالت فتحوّل إلى حجري ، فجلس في حجرها ، قالت : هل تراه ؟ قال : نعم ، فتحسرت فألقت خمارها ورسول الله جالس في حجرها ، قالت : هل تراه ؟ قال : لا ، فقالت: يا ابن عم أثبت وأبشر فوالله إنه لملك وما هو بشيطان).
وهكذا أدلت خديجة بدلوها بعقل امرأة حملت نصف الرسالة بروح لا تعرف إلا الصدق بالتعامل ، فما كان منها إلا أن تكون عظيمة وراء عظيم أجاد وأفاد وملأ الدنيا نوراً .

التآخي