الرئيسية » التراث » شهر رمضان في كردستان

شهر رمضان في كردستان

 رمضان مظلة شاملة ، ما أن يحل شهر رجب حتى يعم المسلمين عامة في جميع العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه شعور بالاغتباط والفرح بدنو شهر القرآن ، شهر الخير والتوبة ، والتقرب إلى الله ، شهر رمضان المبارك .

فما مدى مشاركة المسلمين في كردستان – بلاد الأكراد- إخوانهم في سائر العالم الإسلامي ، هذا ما نتناوله في هذه الأسطر ، وبشكل من الإيجاز راجين تحقيق الفائدة المنشودة .


رمضان في بلاد الأكراد :
ما أن يطل هلال رجب حتى يشمر محبوا الصوم في كردستان عن سواعد الجد ، ويبدؤون بصيام شهر رجب وشعبان ورمضان ، ثلاثة أشهر متتاليات ، أما عامة الناس ربما لا يمر اليوم واليومان إلا ويذكرون بعضهم البعض باقتراب هذا الضيف العزيز الذي غاب عنهم شهورا ، مع التوجه إلى الله تعالى أن يعينهم على صيامه وقيامه ، وكلما مضى أسبوع وجاء أسبوع زاد من شوق المسلمين في هذه البلاد إلى شهرهم المبارك ، هذا الشهر الذي يربط الحاضر بالماضي المجيد ، والقريب بالبعيد ، والغني بالفقير ، فيعيش المسلمون شهرا مع الماضي المجيد والحاضر المؤلم والغد المأمول .

تحري الهلال في بلاد الأكراد :
وترى علماء كردستان في كل قرية أو مدينة أو حي من مدينة يحثون المسلمين ويهيبون بهم لمراقبة الهلال ، وتحريه لمعرفة أول شعبان حتى إذا ما غم عليهم في أول رمضان يكملون عدة شعبان ثلاثين كما أمرهم المصطفى صلى الله عليه وسلم .

الاستعداد لشر رمضان :
وقبل حلول شهر رمضان المبارك بأيام ترى المسلمين في بلاد الأكراد يستعدون لهذا الشهر ، فترى الأسواق مكتظة بالمتسوقين ليشتروا ما يحتاجونه خلال شهر الخير من طعام لوجبتي السحور والإفطار ، حيث يشتري أغلب الناس مما هم محرمون منه من أنواع الطعام طيلة أشهر العام الباقية ، كما أنهم يكثرون من شراء التمور ؛ليقتدوا في إفطارهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما أنهم يشترون أنواع الشراب كبودرة البرتقال أو عشبة العرق سوس أو عجينة التمر الهندي .

كما أن الناس يحث بعضهم بعضا بالرجوع إلى الله والتوبة إليه فيما هم فيه من تقصير في دينهم ، وخاصة توجه النصائح لمن يتقاعس في أداء صلاته ، كما أن البعض النادر الذي ليس لديه قرآنا يسعى للحصول على نسخة من القرآن ليقوم بترتيله ، حيث ترى أفراد الأسرة الواحدة يتنافسون في تلاوة القرآن في هذا الشهر العظيم البركة ، والفخور فيهم من يزيد على إخوانه في عدد مرات ختم القرآن .

ومع نهاية شعبان وأول رمضان يتزاحم الناس وخاصة في القرى على تحري الهلال ما لم تكن غيوم تمنع رؤية الهلال ، فإذا ما تثبتوا من رؤية الهلال أخبروا بعضهم البعض عن طريق المواصلات الحديثة والاتصالات ، كما أنهم يخبرون السلطات المحلية ليخبروا بدورهم الجهات الرسمية ، وقديما كان الناس متفقين على أن القرية التي يثبت فيها رؤية الهلال توقد مشاعل من نار إعلانا على ثبوت رؤية الهلال ، حيث يرى الناس تلك المشاعل في القرى المجاورة فيلتزمون بالصيام

الليلة الأولى من رمضان :
وفي الليلة الأولى من شهر رمضان تعم الفرحة المجتمع الكردي ، فترى البسمة في كل ثغر والبشاشة على كل وجه ، وترى الأفراد والجماعات يتبادلون التهاني بقدوم هذا الضيف العزيز على قلب كل مسلم ، وترى الأطفال الأكراد يرددون أنشودتهم التي مطلعها :

تو بخير هاتي هه يفا ره مه زاني دي و بافي مه أم دانينه بر يس ئو قرآني
قدوما سعيدا يا شهر رمضان والدانا يعلمانا يس والقرآن

التراويح والوتر :
مع ثبوت هلال رمضان يزداد عدد المصلين في المساجد زيادة ملحوظة ، ويحرص الكثير منهم على صلاة التراويح ، ويصلي الأكراد التراويح عشرين ركعة ، عملا بمذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، ويؤخر الكثير منهم صلاة الوتر إلى وقت السحر قبيل صلاة الصبح ، وهم يصلون الوتر إحدى عشرة ركعة .

القرآن في رمضان :
لا يخلو بيت من بيوت الأكراد من نسخة أو أكثر من القرآن العظيم ، وتراه في كثير من البيوت مغلف بغلاف قماشي موشى ومطرز بفنون الوشي والتطريز ، ويعلق بالجدار القبلي في الدار ، ويتعهد الناس بتلاوته ، ولكن أكثر ما يتلونه يوم الجمعة وليلتها ، وما أن يظل شهر الخير والقرآن – شهر رمضان – أمة القرآن حتى تتضاعف الجهود لدى المسلمين في بلاد الأكراد فيزداد حرصهم على تلاوة القرآن ويعتكف الناس على تلاوته الساعات الطوال في ليالي رمضان أو في أيامه .

الإيقاظ للسحور:
وفي وقت السحور في رمضان يتطوع بعض المحسنين لإيقاظ الناس ، وذلك بالقرع على صفيحة من التنك فيدور المسحراتي شوارع القرية أو حي المدينة ، فيوقظ الناس للسحور ،وفي الأحياء الكبرى في المدن تطلق المدافع لإيقاظ الناس للسحور ، كما يتخذ المدفع وسيلة للإفطار أيضا .

السلوك اليومي في نهار رمضان :
أما سلوك عامة الناس في نهار رمضان فتراه يتسم بالوقار والبعد عن الفاحش من القول أو البذيء من الكلام ، كما أن الناس يجتنبون المقاهي والملاهي .
وإذا وقعت خصومة بين اثنين ترى من حولهما يسارعون إلى تذكيرهما أنهما في رمضان ، وأنهما صائمين ، وعليهما أن يستعيذا بالله من الشيطان الرجيم ، وترى الاستجابة لهذا التذكير سهلة وميسرة ، حيث القلوب أكثر رقة في رمضان من غيرها من الأيام عملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله ، فليقل : إني صائم ) ، كما أنك كثيرا ما تسمع عندما يغضب البعض لسوء تصرف أحد يقول الغاضب لمن أغضبه على كل نحن في رمضان .

الإفطار في رمضان :
وعندما يحين موعد آذان صلاة المغرب ترى الناس في البيوت أو المساجد أحضروا التمور ليفطروا عليها ، فإن لم يجدوا تمرا أفطروا على أي حلاوة متوفرة لديهم ، وبعد الإفطار وأداء صلاة المغرب تتحلق أفراد الأسرة حول مائدة الإفطار تغمرهم الفرحة ، وتملأ قلوبهم سعادة الأمل برحمة الله ورضوانه .

العشر الأواخر من رمضان :
وفي العشر الأواخر يضاعف المسلمون في كردستان جهودهم في تلاوة القرآن ، وملازمة المساجد ، والحريصون منهم وهم قليل يحيي ليالي العشر الأخيرة إحياء تاما لا ينامون إلا بعد صلاة الصبح ليصيبوا ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ، والبعض الأخر يحيي هذه الليالي إحياء جزئيا .


زكاة الفطر :
بعض الأكراد يؤدون زكاة فطرهم خلال شهر رمضان حيث يتعجلون بإخراجها ، والغالب منهم يخرجون زكاة فطرهم خلال الأيام الثلاثة الأخيرة من رمضان ليتمكن الفقراء من شراء ما يحتاجون إليه من ثياب أو طعام أو غير ذلك من اللوازم .


العيد :
وقبل أن يهل هلال العيد يسارع الناس في بلاد الأكراد إلى شراء الجديد من الملابس لجميع أفراد الأسرة وخاصة للصغار منهم ، وفي صباح العيد يتوجه الناس إلى المساجد لأداء صلاة العيد ، وبعد انتهاء الخطيب من الخطبة ترى المصلين يتوجهون إلى مصافحة الإمام ليقدموا إليه التهاني بالعيد السعيد ثم يصطفون إلى جانب الإمام الأول فالأول ويتصافح الجميع ويتسامح المتخاصمون ، وهم يكثرون من الصلاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

وبعد خروجهم من المسجد يتوجه الرجال إلى زيارة الجيران أولا ثم بعد ذلك يجلس كل منهم في بيته ليستقبل الأهل والأصحاب والأحباب ، فترى مجتمعا يسوده الوئام والمحبة والتفاؤل

الست من شوال :
بعد انقضاء نهار العيد يبادر بعض المسلمين في بلاد الأكراد إلى صيام الست من شوال التزاما بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وهم يدعون الله أن يقبل منهم صيامهم ، وأن يجعلهم من عتقاء شهر رمضان

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين