الرئيسية » مقالات » دور الإعلام والعلاقات العامة في تدعيم الاحتلال الأمريكي للعراق – الحلقة الاولى

دور الإعلام والعلاقات العامة في تدعيم الاحتلال الأمريكي للعراق – الحلقة الاولى

إذا كان الإعلام ظل السياسة ومرآتها العاكسة ووسيلة تفسيرها للجمهور ، أصبح من اللازم فهم أية سياسة خارجية لأي بلد يراد ادراك أساليب إعلامه ودعايته مادام فصل الإعلام عن السياسة بات غير ممكن ، على الأقل بالنسبة لبلد وجهت سياسته لخدمة مصالحه وبسط نفوذه على القرن السابق وألان تبغي ان يكون امريكياً.
والمعروف ان الولايات المتحدة ومنذ خروجها من الحرب العالمية الثانية تبنت سياسة وبناء مستقبلي إعلامي يستند على التوجهات الكبرى ( الجديدة ) التي أغوت المخطط الاستراتيجي كي تكون أمريكا سيدة العالم ، بحكم دورها الدفاعي عن أوربا في الحرب وتنامي مصالحها الاستراتيجية عبر القارات.
ومنذ ذلك الحين أدركت وبناءً على فهمها الموضوعي للخريطة التأثيرية للعالم ، ان الأعلام سيكون بفنونه وأشكاله أحدى المساند الكبرى بالإضافة إلى القوة الاقتصادية والعسكرية ودهاء الدبلوماسية .
ولو أمعنا النظر بأنشطة التاريخ الأمريكي المتعلق بالسياسة الخارجية لوجدنا انه تميز بتركيزه على ثالوث استراتيجي إعلامي لازال يعمل بتقنيات مختلفة وهو :
• سياسة علنية public policy
• سياسة سرية secret policy
• دعاية propaganda
ومن خلال هذا المسند وعلى الرغم من الاجتهاد العالي المستوى في الإدارة والتخطيط ، إلا انه يلاحظ في أحيان كثيرة ثمة تقاطعات وارباكات وتوزيع الو لاءات بين رجال الكونغرس والرئيس والأمريكي والبنتاغون ، فضلاً عن الاستمالات المتخفية والصفقات التي تعمل مع رجال الإعلام والمالكين من قبل وكالة المخابرات الأمريكية ، ووكالة الأمن القومي ، ورجال الكارتلات الصناعية الكبرى ، هذه الارباكات ربما لا تقترب من مجال الاختراق على العرف الوطني بقدر ما تبتعد عن جهة لصالح أخرى في تنشيط سطوتها وتنفيذ أجندتها في الساحة المحلية ام الدولية .
والعلاقة بين المنظر السياسي والإعلامي علاقة توحدية اكبر مما هي جدلية ، فالأول يحدد القضية او القرار ، والأخر يوصل بشكل بناء الى الرأي العام وبأساليب فن الإقناع المعروفة او المبتكرة ، وبذلك لا أهمية لتخطيط سياسي يبتعد عن التخطيط الإعلامي ( ألاتصالي ) .فلهذا الثنائي عرفاً أمريكيا سار في معظم ألازمات والصراعات التي خاضتها وستخوضها الولايات المتحدة شعاره ( اعمل بصمت ).
والحق ان العمل باتجاه ( اعمل بصمت ) نال استحسان المراقبين والأكاديميين في داخل وخارج الولايات المتحدة ، وربما أصبح حذواً يحتذى به بعض صناع القرار في بريطانيا واروربا الغربية وبعض بلدان العالم الثالث .
ارتكازاً على سياسة التكتيك داخل الإدارة ، هذه الإدارة التي هي جزء من الإدارة العليا التي ترسم السياسة الكبرى للبلد ، ومن هنا نرى في أحيان كثيرة تبدو لنا متناقضات عجيبة ترسم علاقة السياسة الخارجية الأمريكية مع سطوتها الإعلامية ، ويبدو لنا خداعاُ ان الواحد يطيح بالآخر ، لكن ذلك في حقيقة الأمر ذلك هو جزء لايتجزء من الماكنة الدعائية الكبرى .
فمثلاً (( حاولت كل الإدارات الأمريكية المتعاقبة ان تلغي الخطوط الفاصلة بين ما هو داخلي وخارجي في اهتمامات القوة المؤثرة أو الصانعة الاستراتيجية الإعلامية بغية الإفادة من الدعم الداخلي فلعبت (مقولة الأمن القومي)( والدفاع عن الديمقراطية)دورا بالغا في هذا المجال ثم جاءت مقولة الحرب على الإرهاب . وبغض النظر عن واقعية هذه الأفكار و أبعادها الموضوعية فإنها استخدمت بشكل جوهري في التحشيد الاتصالي والهيمنة على اتجاهات التفكير والمواقف والسلوك العام والتفصيلي أحيانا للقوى الفاعلة على الساحة الاتصالية )).ذلك أن مقوماته في المناخ الدولي مؤاتية ومتغيرات الخريطة السياسية متلاحقة ، فكانت الفرصة سانحة لإجراء تغير جذري في التوجه الفعلي للتواجد الأمريكي البعيد الأمد في الخليج العربي والعمل عن قرب من فوهات النفط ، والمجتمعات التي تعكر صفو الديمقراطية والعصف بتغير شامل –اقتصادي ، ثقافي ، تنويري – من شانه ان يكبح التيارات الأصولية المتنامية في الخليج وإيران ومجاوراتها.والذي كان حلماً امريكياً تباعاً منذ عهود روزفلت وايزنهاور مرورا بكندي وكارتر وصولاً بوش الابن.
الإعلام والسياسة الخارجية الأمريكية بعد 11 أيلول /سبتمبر
شهد الخطاب الأمريكي نقطة تحول هائلة بعد أحداث أيلول، من منظومة سياسية فكرية إلى خطاب قائم على القوة العسكرية ،وخطاب مرافق للعمل الدولي في صورته الشمولية القائمة على الغزو الشامل للإرادة الدولية، والتأثير فيها.لقد كانت الشكوى من هيمنة الخطاب الأمريكي في أنحاء العالم معروفة ومن العديد من الدول (فهذه كندا تعلن عن وزير تربيتها أنها (ضد غزو بعض البرامج والمسلسلات الـ TV والسينمائية الآتية عبر الحدود من الولايات المتحدة (مخدرات – جرائم) والمخالفة لثقافتها الوطنية وموقف فرنسا التي وقفت بصلابة أمام بعض ما ورد في (اتفاقية الغات) من بنود تتعلق بتسهيل إدخال بعض البرامج المتعلقة بالتقنيات السمعبصرية (اغان – أفلام) التي تروجها الولايات المتحدة في السوق الفرنسي).
وجاء ذلك فيما حدده الوزير الفرنسي في هجومه على الولايات المتحدة في نقاط عدة أهمها:
1) أن أمريكا تسطير على وسائل الأعلام الجماهيري في العالم وهي تبسط ظلها على العالم بأسره.
2) أن هذه السيطرة تشجع تدمير الثقافات وبخاصة ثقافات الشعوب الصغيرة.
3) أن قبضة أمريكا على الاقتصاد العلمي ستؤدي إلى السيطرة على أذهان الناس، فهي تغرق العالم بخاصيتها الثقافية.
أما وزيرة الثقافة اليونانية فتقول (أن بلادها تشعر بالانزعاج لسيطرة الولايات المتحدة في الميادين الإعلامية والثقافية في العالم، إذ إننا نتعرض للغزو عن طريق السراويل الضيقة الزرقاء والأفلام والموسيقى).
وبعد إحداث 11 أيلول البس ثوباً جديدأ والتزم بُعداً آخر هذا الخطاب الذي استخدم ويستخدم كل الوسائل الاتصالية المتاحة، بعد ان تكشفت ميادين جديدة للصراع مع أعداء كانوا محتملين، لذا فقد اتجهت مضامين صناعة التأثير الأمريكية على وفق الاتجاهات الآتية :
1- تشجيع ومباركة التيارات العلمانية ، دون المساس بالحضارات وخصوصية الأمم والشعوب وأديانها ، وراحت تروج لعدم معادات الإسلام والحضارات الأخرى ، لكنها من جانب آخر تدعم الإطاحة بمناخات التوسع، في دحض التيارات والقوى الإسلامية المتشددة ، لمنع وصولها الى قيادات السلطة او قيادات اجتماعية ( التقويض ).
2-إغراق ثقافي يملأ الفضاء والأوقات والمؤسسات والفئات المستهدفة جميعها ويستوفي الأشكال المختلفة من العمل من تلفزيون وسينما وإذاعة ومجلات وصحف ومؤتمرات وندوات ومحاضرات ومعارض ورحلات وزيارات وضيافة ولا يدع مجالا للتقويم والتساؤل والتقاط الأنفاس.
3- دعم الأفراد والجماعات التي تحمل طابعاً متفرداً في دعم حقوق الإنسان ، والديمقراطية ، والحرية ، والعلمانية دعماً مادياً واعلامياً ، والعمل على تقديمهم كأبطال ومناضلون في سبيل الإنسانية ، مع مراعاة كسب الآخرين .
4- خلق سوق ثقافي للثقافة الأمريكية وان بدأت ملامحه قبل انهيار الكتلة الشيوعية الا انه تصاعد مع إحداث سبتمبر لسحب البساط من التيارات المتشددة من النمو والتأثير الثقافي في أوساطها الاجتماعية وجماعاتها الأولية ، بعد ان أخطأت في أفغانستان وعملت على عزله ثقافياً (العمل بأسلوب الدمج الكوني ) .
5- تفعيل إعلامي وسياسي للطروحات التي تشكل تقاطعاً دينياً او عرفياً مع الوضع القائم ، كحرية المرأة ، تحديد النسل ، حرية العلاقة بين الجنسين ، الحريات الدينية ، الإرهاب الديني ، تفعيل قوانين الهجرة ، البوليس الدولي …….الخ .
6- الهيمنة الاتصالية التي يتربعها الإعلام الأمريكي ، فهو البلد الذي يمتلك اعتى وأقوى المؤسسات الإعلامية ودور النشر ، وصناعة السينما ، وهو البلد الذي يصدر الى العالم ما يقرب الـ( 73 ) مما ينتج اعلامياً وثقافياً في العالم ، وبذلك يتربع على عرش صناعات الاتصال والإعلام والتصدير الثقافي والتعليمي ، مما يجعله يطيل أية بقعة او وجهة اجتماعية واثنية في العالم ويحرك ما يريد من استشارات عاطفية ونفسية نحو القضايا التي تصنع من قبل وكالات الأمن القومي والإدارة العليا للبيت الأبيض .
وللحديث بقية….

الكاتب:

(*) باحث وأكاديمي في حقول الإعلام والدعاية الدولية / ومناهج البحث العلمي واستطلاعات الرأي العام/العراق / بابل