الرئيسية » مقالات » ثورة أيلول حطمت تراث التخلف والضياع!

ثورة أيلول حطمت تراث التخلف والضياع!

لقد حظيت ثورة ايلول العظيمة خلال فترة الـ (46) عاماً التي مرت على بداية اندلاعها (1961) بالعديد من الكتب والمؤلفات سواء كانت من الاصدقاء أم من الأعداء وكانت موضع اهتمام ومتابعة الكثير من الطلبة والباحثين الأكاديميين ونالوا فيها عشرات شهادات الماجستير والدكتوراه، وفي مختلف أوجهها السياسية والثقافية والأجتماعية والأقتصادية وغيرها .
إلا أن تلك الثورة العظيمة وبتوجيهاتها الوطنية والقومية المعاصرة تتحمل التداول والبحث وانتعاش لعقود قادمة من الزمن .فهي تعتبر، في التأريخ المعاصر لشعبنا، أطول ثورات هذا الشعب امداً وديمومة والتي قادها الحزب الديمقراطي الكوردستاني بزعامة القائد مصطفى البارزاني، وحطمت، بانعكاس أوارها القومي على سائر اجزاء كوردستان، الحدود المصطنعة بينها وأندفع أبناؤها من كل حدب وصوب ودافعوا عن وجودها وأستمرارها بتضحياتهم ودأبهم بيشمه ركة متفانين في خنادق العز والكرامة والدفاع عن وجودنا القومي من جهة وغدت ملاذا مشرفاً للمناضلين والديمقراطيين العرب وأبناء التركمان والكلدان والآشور المضطهدين من جهة أخرى وواصلوا نضالهم فيها الى جانب أخـــوتهم البيشمه ركة آمنين في ظل قائدها البارزاني الأب ويتنسمون الحرية باباء وعز… أن ما يهمني أن أثيره في هذا المقام وأمنحه خصوصية من جهة وعرضه مدخلاً للبحث والمتابعة التأريخية لا سيما بالنسبة لـ (تراث حقبة ثورة ايلول)التي حطمت تراث وثقافة (مضايف الأقطاع وتكايا الشيوخ ومواطن التخلف) في كوردستاننا من جهة أخرى، تلك الثقافة التي عصفت، ولعقود من الزمن، برقي شعبنا وتطلعاته نحو الحياة، الى جانب الفقر والأمية، فقد اتخذت قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني هذا التراث المعاصر منهجاً لتوعية شعب كوردستان وإنقاذه من التخلف كما ان ثورة تموز 1958 كانت هي الأخرى سببا أو دافعا آخر لتحطيم نظام الاقطاع في البلاد ولأن يعيش الفرد الكوردي وثبة حقيقية للعمل والسعي بوجه تراث التخلف وثقافته، في أجواء من الحرية والديمقراطية تهيأت لعموم الشعب العراقي .وانطلاقاً من تلك الأيام غدت الحزبية والعمل التنظيمي جزءاً مهماً من حياة المواطن الكوردي، تلك الحياة الجديدة التي أنقذت المجتمع الكوردي من دياجير الأمية والجهالة والأقطاع والذل والهوان، ما سبب في أن يهب أبناء الشعب الكوردي ومنذ اليوم الأول لأندلاع ثورة ايلول التحررية، هبوا للدفاع عن الثورة سداً منيعاً بوجه الاعداء، عندها وقف البارزاني القائد وأنطلاقاً من ثقته بالنفس وبتأييد شعبه التواق للحرية والحزب الديمقراطي الكوردستاني ومنهجه التقدمي، وقف شامخاً في قيادة الثورة دون تردد أو تخوف وغدا موئلاً أجتمعت في ظله عموم المصالح السياسية والأجتماعية والثقافية والأقتصادية للمجتمع الكوردستاني ولولا ذلك الأيمان الراسخ بشعبه لما كان يجازف بقيادة تلك الثورة العظيمة.. لم يكن البارزاني يهدف من ثورته تلك الى مجرد أسقاط الحكم وأجباره على الرضوخ لمطاليب هذا الشعب، بل كان يحمل برنامجاً شاملاً لتغيير واقع المجتمع الكوردي، وفي جميع المناحي،أي أن تلك الثورة العملاقة قد هيأت الأرضية المناسبة لتلك التغييرات الى جانب الكفاح الثوري المسلح، فقد كانت قوات البيشمه ركة، والى جانب مواجهة الاعداء في جبهات القتال، تتولى حماية وتنفيذ القرارات العصرية التي كانت تصدر من قيادة الثورة وقد تجسدت تلك الأهداف في:
1- رسخت قيادة الثورة، وعن طريق مجالس المناطق والقرى جملة قرارات غدت عرفاً وطنياً لا يمكن التجاوز عليه ومنها حماية حقوق المراة ونبذ العنف ضدها، فقد ألغت الثورة كل تلك التقاليد البالية ورسخت محلها قرارات راديكالية فتحت الافاق واسعة أمام المراة لتناضل من اجل تامين عموم مستلزمات النصر لأخوتها البيشمه ركة مما أكسبها تقديراً ثوريا في غاية الأهمية. 2- كما أستطاعت الثورة أن تجمع حولها السير النضالي للقوميات الأخرى المناضلة في كوردستان وذلك بتهيئة ارضية صلدة لنضال تلك القوميات من أجل تأمين حقوقها المشروعة مما جعلهم يعتبرون ثورة ايلول بمثابة ثورتهم والبارزاني مصطفى بمثابة رمز وطني لهم، وسار هذا المنطق بالمجتمع الكوردستاني نحو تعزيز أسس التسامح القومي والتعددي والتعايش الأخوي.
3- تمكنت قيادة الثورة وبجهود مضنية بذلتها جمعية الطلبة الكورد في أوربا، ان توفر جهاز ارسال بث برامجه (كأذاعة للثورة، بشكل رسمي في 28/9/1963، وكان ذلك بمثابة ثورة اخرى، ثقافية، سياسية، اجتماعية وغيرها، وغدت (صوت كوردستان العراق) تبث بشكل يومي قرارات قيادة الثورة وتوجيهاتها، نشاطات البيشمه ركة، بحوث وتحاليل ودراسات وباللهجتين الكرمانجية الشمالية والجنوبية فضلاً عن بثها باللغة العربية وفيما بعد بالتركمانية والآثورية والانكليزية وأصبحت صوت الثورة وصوت شعب كوردستان المظلوم وأضافت للثورة حماساً قوميا منقطع النظير يرعب الاعداء ويمنح الشعب المزيد من التفاؤل والأمل. 4- وكان من فاعلية أذاعة صوت كوردستان العراق، أن نشرت الوعي الثوري القومي بين أبناء مختلف أجزاء كوردستان وبالتالي مساندتهم لثورة ايلول الى جانب توفيرها فهما وتفهماً متزايداً بين ابناء مختلف اللهجات الكوردية ومن ثم اثراء تراث الثورة وترسيخه علاوة على تشجيع ابناء الأجزاء الاخرى على تأسيس الأحزاب والمنظمات الوطنية والقومية وأحياء الجهود الوطنية. 5- لقد أولى البارزاني القائد، والى جانب أهتمامه بتاريخ شعبه الكوردي وثقافته، اولى ثقافات القوميات الأخرى في كوردستان أهتمامه وكانت لهم ساعات بث مناسبة في الأذاعة مما أكسب الثورة زخما متزايداً وبرهنت أنها ثورة كوردستانية وليست كوردية فحسب.
6- أوجدت ثورة أيلول تراثاً جديداً اجتمعت فيه جميع أوجه الشهامة والتفاني والأخلاص والنضال والثقافة والفداء وعزة النفس والمساواة والعدل الاجتماعي، ضامنة بذلك سمعة دولية للثورة وللبارزاني الذي كان العدل يحل أينما وصل صوته.
7- طبقت الثورة في المناطق المحررة أفضل التشريعات الزراعية وأكثرها عصرية وحضارية مما أوجد حياة هانئة لسكان تلك المناطق وأمن لها التفافا جماهيرياً أوسع. 8- عالجت الثورة وباء الامية بأجراءات عصرية لا تزال تعتبر نموذجاً للتقدم بأفتتاح مراكز للدارسين ومدارس في كل القرى المحررة وهيأت معلمين ومدرسين أكفاء لهذا الغرض ونقول بفخر: لقد كانت الأمية في طريقها الى الزوال أيام ثورة ايلول، علما ان عشرات القادة والمسؤولين السياسيين والأداريين الذين يواصلون خدمة شعبنا اليوم هم من نتاج تلك الحملة الثورية لقد كان انهاء التراث المتخلف السائد أنذاك، وتحطيمه على يدي البارزاني مصطفى، تغييرا نوعيا طرأ على حياة شعبنا وبمثابة ثورة أجتماعية كبرى علمت الانسان الكوردي المزيد من التضحية والصمود والثقة بالنفس، تلك الأسس الراسخة والتوجهات السديدة هي التي دفعت هذا الشعب لأشعال أوار الثورة مجدداً، بعد نكسة عام 1975، بوجه أعتى قوة عنصرية حاقدة شهدتها المنطقة، ومن ثم اندلاع انتفاضة 1991 التي حررت كوردستان وسحقت مؤسسات البعث والعمالة والعنصرية فيها… هكذا كان التسلسل الحضاري لسفر ايلول العظيم في تجاوز تراث التخلف الأجتماعي والسياسي والأداري والذي وحد شعبنا نحو النصر فيما نرى اليوم المكتسبات والمصالح الحزبية الضيقة والنعرات العشائرية والتودد الى جهات متخلفة هي السائدة على الأغلب من أجل كسب أصوات الناخبين في كل حين. فيما لم تحظ قطاعات مسحوقة من الشعب، لحد الآن، والتي كانت وقود الثورة وعمادها، باي كسب أومنصب وهي تصرفات تدفع المسيرة بمجملها نحو الخلف وأخيراً لابد لي ان أتساءل : هل ان اصحاب القرار اليوم،والذين يعلنون مراراً أنهم سائرون نحو بناء مجتمعنا المدني والتوافق مع عصر المعلومات وسباق غزو الفضاء الخارجي هل هم تقدميون وعصريون أكثر أم البارزاني الراحل الذي أوقد قبل (46) سنة شعلة ثورة المضطهدين؟