الرئيسية » التاريخ » اضاءات ثورة ايلول التحررية

اضاءات ثورة ايلول التحررية

صادف يوم 11 ايلول الذكرى ال(46) لانطلاق الثورة الكوردية عام 1961بقيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني وبزعامة القائد الخالد مصطفى بارزاني ، ففي هذا اليوم من ذلك العام تجمعت الكتائب الكوردية الثائرة في دربندي بازيان وفي اليوم التالي في دربنديخان ، لتواجه جيشا منظما ، مسلحا بأحدث الاسلحة حينها ، بينما لم تكن لدى تلك الكتائب الكوردستانية الا اسلحة قديمة مهترئة اكل عليها الدهر وشرب ، فيما كانت منطقة بارزان تعرضت الى قصف جوي كثيف من القوة الجوية العراقية .

ان اشتعال كوردستان بالثورة الايلولية كان كرد فعل لابد منه ضد السياسات القمعية والشوفينية التي بدأت الحكومة العراقية انذاك تمارسها ضد الشعب الكوردي ، والتي كانت تتلخص بقيامها نقل الموظفين والشرطة الكورد ونقل او طرد العمال الكورد من شركة النفط في مدينة كركوك ، وايغال الحكومة في سياسات شراء ذمم بعض رؤساء العشلئر الكوردية والعربية وتحريضهم ضد الحركة الوطنية الكوردية ، وقيام السلطة باعتقال وسجن واعدام اعداد من المواطنين الكورد وخصوصا من المنتمين الى الحزب الديمقراطي الكوردستاني ، وايقاف صحيفة الحزب ( خة بات) عن الصدور، واغلاق مقرات الحزب المذكور في كل مناطق كوردستان والعراق ، وارتفاع وتيرة العداء الشوفيني للقومية الكوردية في اوساط السلطة الحاكمة والصحف الموالية للحكومة ، وقد كتب احدهم وهو كاتب عربي من دولة مجاورة كان يشغل مركزا مهما في احدى دوائر الامم المتحدة مقالا طلب وبكل صراحة اذابة وصهر القومية الكوردية في البوتقة العربية ، وعندما رد عليه السياسي الكوردي والشاعر ابراهيم احمد في جريدة (خه بات) قامت قيامة السلطة فاحالوا الشاعر الكردي الى المحاكم ، وقد وصلت الامور الى قيام الاستخبارات العسكرية العراقية انذاك ( حسب مصادر عديدة) بتقديم اموال الى بعض الكتاب لاصدار كتب لتزييف اصول العشائر الكوردية ، وخصوصا العشائر الكوردية الاصيلة الساكنة في كركوك وحواليها ، وكان ( رشيد الفيل) احد هؤلاء الكتاب . ومن الغريب حقا ان يوجد الى الان كتاب عرب (يتحفون!) قراءهم ، ربما مجانا ، بترهات غريبة وعجيبة عن اصل الشعب الكوردي وعن كوردستان ، وبينهم كتاب محترمون ولكن ربما يعانون من عقدة (الانتي كورد) فتقرأ بين ووراء سطورهم الكثير من الدجل والتشويه فيما يخص التاريخ الكوردي.

من المفيد ان يذكر هنا ان محاولات كثيرة جرت قبل وبعد الهجوم العسكري العراقي على كوردستان في ايلول 1961 من قبل بعض الوسطاء بغية الوصول الى حل سلمي ، لكن الحكومة كانت واثقة من نفسها ومن قوتها وقد ركبها الوهم من انها تستطيع كبح جماح الثورة ، ولكنها فشلت فشلا ذريعا ، وفشل معها كل الانظمة التي حاربت الكورد منذ ذلك الحين ، كلهم ذهبوا الى مزبلة التاريخ ، وبقي شعب كوردستان صامدا مقدما مئات الالاف من الشهداء في حملات القتل العام في القرى الكوردية وفي المعارك التي خاضتها قوات البيشمركة في سهول وجبال كركوك واربيل والسليمانية وخانقين ودهوك والعمادية وعقرة وزاخو ، وعلى الرغم من كل الصعاب والمؤامرات التي اعترضت مسيرة الثورة الا انها استمرت واجتازتها كلها ، وربما كانت مؤامرة الجزائر1975 اخطرها ، ومن ثم حملات الانفال والقصف الكيمياوي1987 – 1988 كصورة بشعة من صور الجينوسايد الى ان وصلت الى مرحلة استطاعت الحاق الزيمة النهائية بالقوات الحكومية وخروجها من محافظات السليمانية واربيل ودهوك وتأسيس حكومة اقليم كوردستان في 1992 بعد ان توحدت الارادة الوطنية للحزبين الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني و الاحزاب الكوردستانية الاخرى وجماهير الشعب الكوردستاني بكل شرائحه وقومياته .

وقد استطاعت قيادة ثورة ايلول 1961 داخليا حشد قوى الشعب الكوردستاني كله الى جانيها ، كما انها كانت تحسب كثيرا لعلاقاتها مع الشعب العراقي والعربي منه على وجه الخصوص ، لذلك لم تنجر ابدا الى اعمال او ردود الفعل الانتقامية ، ووقفت بكل حزم ضد محاولات السلطة تصوير الصراع في كوردستان كأنه صراع بين الكورد والعرب ، وكان قائد الثورة يؤكد دائما تمسكه بالاخوة العربية الكوردية وان الصراع هو مع حكومات غاشمة لاتؤمن بالديمقراطية وحقوق شعب كوردستان وليس مع الشعب العربي ، اضافة الى كسبها عطف وتأييد قوى عراقية عربية ، واقليميا استطاعت القيادة بحكمة ومثابرة خلق حالة من التوازن مع الدول الاقليمية لتتقي شرها وتبعدها عن شؤونها وتجد لها بالتالي منفذا للحالات الانسانية ، وعربيا استطاعت الثورة من تكوين اتصال مع بعض الدول العربية وخصوصا مع مصر ، ودوليا حاولت ان تجد لها موطئ قدم فكان لها ممثلون لدى بعضها ، ويجب الاقرار بأن المجتمع الدولي كان يهمها مصالحها الخاصة مع الحكومة العراقية لذلك كان يتجنب تكوين علاقات واضحة وعلنية مع الحركة الكوردية. وهذا لم يمنع من وجود اصدقاء للثورة بين شخصيات دولية مهمة وقفوا الى جانبها.

كان شعار ثورة ايلول : الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان ، وهذا يؤكد مدى تأثروايمان الحركة التحررية الكوردية بالفكر الديمقراطي ، وعلى الرغم من كل الماسي التي شهدها شعب كوردستان من مذابح وقتل عام وترحيل وتعريب لم تترك القيادة السياسية شعارها المركزي في الديمقراطية للعراق معتبرة اياه الحل الوحيد لكل مشاكل العراق ، ولكن عندما ارتفع سقف التضحيات ، واصبحت كوردستان هدفا لاسلحة الدمار الشامل والجينوسايد، ارتفع معه سقف المطالب ، ليتحول مطلب( الحكم الذاتي) الى مطلب الفيدرالية .

ومع ارتفاع وتيرة القمع الحكومي كان لابد ان يرتفع سقف المطالب الى ضرورة تشكيل نظام حكم في العراق يعتمد الديمقراطية والفيدرالية اساسا للحكم ، وهناك اشارات كوردية الان وبعد 46 من قيام ثورة ايلول من ان الامر سيكون على المنوال نفسه أذا لم تستجب الحكومة العراقية الى نصوص الدستور العراقي الاتحادي فيما يخص الحقوق الكوردستانية ، فلا يستبعد الكثيرون ان يشهد الموقف الكوردستاني تصعيدا الى مستوى اعلى ، وقد يقول البعض ان الجيوبوليتيكا اللعينة قد تحدد سقف الطموحات الكوردية ، وهذا قد يكون صحيحا الى حد بعيد ، ومع الاقرار بأن لغة الحوار واعتماد التجاذبات السياسية للمرحلة القادمة تكون الاكثر فائدة وذلك على ضوء حقائق اخرى تعبر عن نفسها وهي في صالح حركة الشعب الكوردي التحررية ، فالزمن تغير والمعادلات السياسية في المنطقة والعالم ايضا تغيرت ، والكورد الان امة من حوالي اربعين مليون نسمة منهم حوالي ستة ملايين كوردي في جنوب كوردستان ، و هؤلاء يسكنون منطقة جغرافية واحدة ، توحدهم امنيات وطموحات واحدة ، واستطاعوا ان يكسبوا اصدقاء كثيرين في العالم وفي المنطقة نفسها من بين العرب والفرس والترك المتحررين من النفس العنصرية ، وفي جنوب كوردستان شيد الكوردستانيون صرح كيان فيدرالي امن ومتقدم الى حد بعيد ضمن الدولة العراقية ، لكل هذه الاسباب فكوردستان اليوم ليست كوردستان ما قبل اربعين عاما ، وهي تعيش ظروفا لا تشبه ظروف اربعين سنة خلت ، والارادة الكوردستانية متوحدة الى درجة عالية تبعث على الاطمئنان . وعلى الرغم من اللغط التركي الايراني المتخلف الموجه اساسا الى المكسب الكوردستاني الكبير ، وقصفهم الجنوني لمناطق الحدود ، وعلى الرغم كذلك من بعض الاخفاقات في بعض التفاصيل ، فأن هذا لن يغير شيئا ، وان المستقبل لن يكون الا للمدافعين عن الحق والعدالة في كوردستان .

وقد استطاعت ثورة ايلول ان تضيْ وتجسد ملامح الفكر القومي الديمقراطي للحركة التحررية الكوردية المعاصرة واهدافها الستراتيجية تلك التي حددها البارتي في منهاجه السياسي ، وحسب تغير الظروف الموضوعية وتطورات الاوضاع السياسية الداخلية والاقليمية والدولية ، كما حددت ان جنوب كوردستان هو الوطن الكوردي الذي الحق بالعراق بعد الحرب العالمية الاولى ، واكد قائد الثورة ان كركوك هي قلب كوردستان وعندما عرضوا عليه في مفاوضات اللحظة الاخيرة في اذار 1974 ان تكون هناك ادارة مشتركة لهذه المحافظة رفض القائد البارزاني ذلك وقال قولته المشهورة : اننا لا نحب الحرب ولا نريد خوضها ، ولكن حكومة بغداد تريد جرنا اليها عندما تريدنا ان نتنازل لهم عن كركوك ، لكنني لن اسجل هذا العارعلى نفسي ، ولتقطعن اليد التي توقع على التنازل عن كركوك. لذلك فأن انفاس القائد البارزاني الراحل ستبقى تحرس الهدف النبيل ، وكركوك في عهدة الضمير الايلولي فلا خوف عليها ، مهما تفنن الخصوم بكل انواعهم واشكالهم في الخداع والتضليل والتهديد والمناورة والتلكؤء في تنفيذ المادة 140 الدستورية.

ثورة ايلول بقيادة البارزاني الخالد اسست لاخلاقيات عالية في العمل الثورى ، لذلك فأن دروسها وعبرها العظيمة ستبقى خالدة في الذاكرة الكوردستانية ، وعلى هدى تلك العبر واصلت الحركة التحررية الكوردية في عام 1974، ولم تستطع مؤامرة الغدر التي رتبها هواري بومدين في اذار عام 1975 من كبت روح الثورة ، فكانت ثورة كولان التي انطلقت من عين النفس العبقة وبعطر الثورة نفسها لتتوجها الانتفاضة الكوردستانية في 1991 ، فكانت الثمرة التي رويت بدماء بدماء الشهداء الكورد والكوردستانيين عموما ، ويجب ان يذكر هنا الدور الكبير والبطولي لاخوتنا ابناء الشعب الكلداني الاشوري والصور الجميلة التي سجلوها عبر اشتراكهم بالروح والاستشهاد في سبيل قيم الحرية والديمقراطية في ثورة كوردستان ، من ينسى البشمركة القائد الشهيد هرمز ملك جكو وصولاته في منطقة دهوك ، وهو الذي كرمه قائد الثورة الخالد مصطفى بارزاني ونادى به بطلا من ابطال كوردستان واحتفط ببندقيته عنده كأثر رجل شجاع وباسل قدم روحه من اجل الوطن ، ومن ينسى القائد الشهيد فرانسوا حريري وتاريخه النضالي الطويل ؟ واضافة الى كل هؤلاء فقد شارك العديد من الاخوة التركمان الى جانب عدد كبير من الاخوة العرب في الثورة فكان وجودهم رمزا شاخصا لديمقراطية المسار التحرري في ثورة ايلول.