الرئيسية » مقالات » لا تسيّسوا الدين.. ولا

لا تسيّسوا الدين.. ولا

عندما ابتذلت السياسة، وانحطت قواعد السباق نحو السلطة والهيمنة والجاه والثروة، وسقطت الستارة الشفيفة بين حدود الدين والسياسة، وبين المقدس وغير المقدس، واختلط الحابل بالنابل، والصحيح بنقيضه، والغث بالسمين، فقد جرّت هذه الاحوال المسجد والدعاة والمناسبات الدينية الى الابتذال، فصار لكل زعيم جامع
مؤمم، ولكل طامح سياسي خطباء متفرغون، ولكل حزب دربونة مقفلة، وانتشرت صور الساسة ورؤساء الاحزاب على الجدران التي لا يصح ان تشوّه، وفي اروقة بيوت الله التي لا يجوز ان تدنس، وتسلقت اسماء
الساسة باسقات المنائر في تزاحم مع اسماء الله الحسنى، فاينما تمدّ ناظريك ترتطم بوجه سبق ان طالعته على الشاشات الملونة، واينما تركن ظهرك تكون قد اتكأت على سخام تصريحات بليت، ولم يعد احد يفرق بين الشعائر والشعارات، وبين الكسب والتكسب، وبين الدعوة للحلال والدعاية للحرام، وبين التحسّب والتحزب.
وكل هذا مما عرفه الجميع وطفح به الكيل، بعد ان تمادى “المبلغون” في العبور من فوق الخطوط المحرمة، وتحدي حقوق الناس بالتفضيل بين الخيارات والمشيئات، وبتحويل الاتباع من امة واحدة الى صفوف متناحرة، واختزال رسالة التوعية الى شحذ المكاره وغرائز الانتقام، وقد حذر من ذلك، بين وقت وآخر علماء ومصلحون ومراجع نأوا بانفسهم عن دائرة الشبهة، وارتقوا باسمائهم عن ظنة التواطؤ، ووقفوا على مسافة محسوبة من نفاق الساسة الذين وظفوا الدين والمذهب في ما لا يصح ان يوظف، حتى ضاعت معاني الشراكة في المصير، واندحرت ومضات الحكمة، وتشكك اصحاب العقل في جدوى النصح، فلا احد يسمع، لأن صوت التجييش والتلميع والتحزب اقوى، ولأن المصالح تماهت في ما بين السطور المتراصة.
وقد شاء المرجع الكبير آية الله اسحاق الفياض احد المراجع الأربعة الكبار في النجف ان يذكّر خطباء الجوامع، بمناسبة حلول شهر رمضان، بخطوط الفضيلة والتسامح، وبلوازم التهدئة والاخاء، وبمحاذير الاستطراد في الدعاية الى السياسة والسياسيين، داعيا، في مفردات ومواجيز شديدة الوضوح بالدعوة نصّا: “ الى عدم تسييس الدين لمصلحة الأحزاب والطوائف من اجل تحقيق أغراض شخصية”.
وجاء في بيان وزعه مكتب المرجع الكريم وموجّه “الى المبلغين والمبلغات” بمناسبة شهر رمضان المبارك قائلا وبالنص ايضا: “على المبلغين والمبلغات كافة ان يتخذوا طريق الحياد في تبليغ الأحكام الشرعية وتثقيف الناس ولا يسيسوا الدين بتجيير المنبر وتكريس الشعائر الدينية لحزب أو طائفة أو شخص معين أو لتحقيق أهداف خاصة وأغراض شخصية” مؤكدا ضرورة “توحد السلطات العراقية الثلاث من اجل انقاذ البلد” واهاب بالمسؤولين “ان يتخلوا عن الأغراض والمصالح الذاتية والحزبية الضيقة”.
ان المطالبة بوقف تسييس المسجد، وبتفكيك خطوط التشابك بين الدين والتحزب، لم تعد ترفا فكريا، او رغبة بالمشاكسة والمزاحمة يختص بها دعاة العلمانية، أو ينفرد بها اصحاب الاتجاهات السياسية المدنية، بل صارت ضرورة تتصل بالسلم الاهلي وبموجبات نزع الاحتقان بين الديانات المتعايشة وبين الطوائف، بل وفي صفوف كل طائفة، بعد ان صار لهذا التسييس ضحايا، وامسى له منتفعون، وتكونت على هوامشه مصالح خارج الدين والاحكام الشرعية، واستطيع ان اتملى بان دعوة آية الله الفياض تنطلق من شرارة الشكوى التي تخرج من افئدة الملايين من جميع الاديان والطوائف، وربما من شريحة شعبية مدنية متنامية، تأمل ان لا يصبح الدين سلعة للمتاجرة، وان يبقى الجامع ملهما للتقوى والاحسان والتعبئة نحو الفضائل، لا بازارا للسياسة، ولا مرآبا للسيارات المفخخة.
ـــــــــــــــــــــ
..وكلام مفيد
ـــــــــــــــــــــ
“إعرف الحق تعرف اهله”.
علي بن ابي طالب