الرئيسية » التاريخ » قبل حوالي 32 عاما…اذاعيون وجهاز بث وبنادق في سفرة غير عادية الى اقاصي كة رميان

قبل حوالي 32 عاما…اذاعيون وجهاز بث وبنادق في سفرة غير عادية الى اقاصي كة رميان

كانت الاوضاع في جنوب كوردستان في بدايات عام 1974 تتميز باستقطاب شعبي كوردي كبير لا مثيل له حول قيادة الراحل الكبير مصطفى البارزاني ، اذ بعد انهيار المفاوضات مع السلطة الحاكمة انذاك اثر رفضه مشروع السلطة باقتسام الادارة في كركوك ، شهدت المنطقة موجات التحاقات كبيرة من مختلف الشرائح الاجتماعية بالحركة الكوردية ، جنود وشرطة واطباء ومهندسون وعمال وطلاب ومثقفون وفنانون توجهوا الى الجبال واضعين انفسهم رهن اشارة الثورة للدفاع عن حقوق شعبهم ، وقد خلقت هذه الحالة مشكلة كبيرة ، كما صرح في حينه مسؤولون كورد حيث كان واضحا انه لم يكن بمقدور القيادة استيعاب كل هذه الحشود مع اشتداد الحصار الاقتصادي على كوردستان من قبل السلطة الحاكمة ، ولكن وبمرور الايام بدأت حالة الالتحاقات تشهد بعض الانفراج اذ ذهب بعض الملتحقين الى ايران كلاجئين و ليخدموا كمدرسين في مدارس مجمعات اللاجئين ، ورجع قسم اخر منهم الى وظائفهم في مدن كوردستان ، والتحقت اعداد منهم بقوات البيشمركة ، وعينت اعداد اخرى منهم في ادارات المنطقة المحررة كموظفين وعمال وفي الخدمات الطبية ، وعين قسم اخر من المثقفين الملتحقين في ادارة الاعلام.

وفي وادي كلالة – جومان- حاجي اومران هذا الجزء من الطريق المعروف بطريق هاملتون الذي كان مركز القيادة الكوردية ومركز تجمع اعداد كبيرة من البيشمركة ، كانت الاجراءات تسير حثيثة لتأسيس القيادات الادارية وافتتاح اذاعة صوت كوردستان من جديد ، وقد سبق افتتاح الاذاعة ، هجوم جوي غادر شنه الطيران العراقي في ( 24.4.1974) على مدينة قلعة دزة ( شمال غرب السليمانية) التي كانت تشهد استعدادات افتتاح جامعة فيها لآستيعاب الطلاب الكوردستانيين من جامعة السليمانية والجامعات العراقية الاخرى الملتحقين بالثورة حيث استشهد حوالي 130 مواطنا وجرح المئات ، وصاحبت عملية قصف قصبة (قلعة دزه) ، عمليات قصف اخرى طالت مناطق (هلبجة) في اليوم الثاني لقصف قلعة دزة مباشرة، وعمليات قصف شبه يومية لمناطق جسر (كلالة) و(جومان) و(قصري) و(ناوبردان )و(راوندوز) و ( ازادي) حيث استشهد اكثر من 200 مواطن اثر تلك الهجمات الجوية ، كما كانت الطائرات تقصف باستمرار مواقع البيشمركة في انحاء كوردستان ، وقد ادت تلك الهجمات الى خلق حالة حزن عميقة ولكن مشوبة بروح التحدي ، وكان لآفتتاح الاذاعة في 29.4.1974 دورا مهما في ادامة معنويات الشعب والبيشمركة ومضيفا اليها قدرا لا بأس به من العنفوان والحرارة.

كان البث التجريبي في اذاعة صوت كوردستان قد بدأ بأيام قبل الافتتاح الرسمي بأغنية كردية معروفة (خان باجي) ومن ثم بالأشارة الموسيقية التي لا يمكن لذلك الجيل الكردي ان ينساها وهي القطعة الموسيقية المسماة (جه مي ريزان) من انتاج فرقة مه ولوي في السليمانية .

كان يشرف على شؤون الاعلام المرحوم الشهيد دارا توفيق و يعمل معه في ادارة الاذاعة محررون متمرسون في اعداد التعليقات السياسية اليومية من بينهم فلك الدين كاكائي ، كامه ران قه ره داغي ، الدكتور كمال مظهر ومصطفى صالح كريم ، وكانت للاذاعة اقسام للغات الكوردية والعربية والتركمانية والاثورية والانكليزية ، كانت نشرات الاخبار والتعليقات باللغة الكوردية تقدم من قبل كل من محمد رشيد هرس و خلف زيباري (مذيع في اذاعة صوت اميركا) و بارزان خالد و مذيع اخر اسمه الاول (اغا) واخر من اهالي شقلاوة كان لقبه خوشناو( لا اتذكر اسماءهم الاولى مع الاعتذار) كان للقسم الكوردي كذلك مندوبون الى المناطق الملتهبة منهم نزاد عزيز سورمي وعبدالله عباس ، كما كان هناك عدد كبير من المثقفين الكورد اعتذر عن ذكر اسمائهم ( خصوصا العاملين في مقر امانة الاعلام و الانصات واذاعتي ماوه ت وبادينان) لانني اعتقد ان بعض الاسماء قد غاب عن بالي بحكم النسيان وعدم ذكر كل الاسماء قد يولد اسئلة او تفسيرات غير طيبة ، ومن الجدير بالذكر ان الاعلام الكوردستاني كان يدار قبل وصول تلك النخبة اساسا من قبل المهندس الشهيد عبدالخالق معروف مدير اذاعات الثورة ومؤسسها و الشاعر الكبير المرحوم هه زار والكاتب المرحوم سعيد ناكام وعثمان سعيد وبارزان ملا خالد والمرحوم دلشاد مصرف واخرون.
وفي القسم العربي كان كل من ( محمد البدري ، عبدالوهاب طالباني و دارا صديق وياور نامق ) يقدمون نشرات الاخبار والتعليقات ، وكان هناك ايضا كل من احمد ده شتي و فاضل القصاب مخرجين ومنفذين ، اما النشرة الاثورية فكان يقدمها كل من ( دنسا حريري و رابي سركيس) ، وفي القسم الكوردي كانت هناك ايضا الفنانة كزيزة ووالدها الفنان عمر امين ، اما نشرة الاخبار باللغة الأنكليزية فكان يعدها و يقدمها عبدالرحمن ابراهيم استاذ اللغة الأنكليزية من اهالي كركوك ، كما كان هناك قسم للغة التركمانية يديرها احد الاخوة البيشمركة التركمان من اهالي كركوك ، وكانت للاذاعة مراسلوها من جبهات القتال ، وكان الفنان كريم كابان يعمل على جهاز اللأسلكي الخاص بالأذاعة في ملجأ مجاور لملاجئنا ، وكان يشيع جوا مريحا من الحبور بروحه الطيبة وخفة دمه وما كان يدير من مقالب وتشويش على اتصالات الجيش العراقي .واقدم اعتذاري اذا اكون قد نسيت بعض الاسماء وخصوصا الاسم الكامل للمهندس معتصم الذي كان يعاون الشهيد عبدالخالق معروف (المشرف الفني العام على الاذاعة).

كان ملجأ الاذاعة يقع على مرتفعات شمال شرقي( جومان) ، وافتتحت الاذاعة رسميا مساء يوم 29.04.1974 حيث كان الجو ينبئ بسقوط الثلوج على الرغم من ان فصل سقوط الثلوج كان قد فات وبات متأخرا جدا ، وقد علق الزميل محمد البدري على هذا الثلج المتأخر قائلا ( انه ربما نوع من الترحيب الكوردستاني الابيض بأفتتاح الاذاعة مجددا) ، وبعد انتهاء فترة البث ونزولنا من الجبل في ظلمة تلك الليلة ، رأينا الأرض مفروشة بذلك البساط الابيض الجميل الذي اخفى عنا طريق العودة اذ لم نكن نرى في العتمة الا اشباح شجيرات البلوط الجبلية ، فأشار علينا احد البيشمركة من حماية الأذاعة بالسير باتجاه بعض الانوار الخافتة التي كنا نراها من جهة قصبة (جومان) الى ان نصادف سياج الأسلاك الشائكة التي كانت تحيط بموقع الآذاعة ومن ثم السير بمحاذاته الى ان نصل الى فتحة الخروج وهكذا فعلنا ، وكان موقع الاذاعة يتكون من شق في الجبل له ابواب حديدية و مسقف بكتل ضخمة من الحديد المسلح والتراب والحجارة ، وداخل الشق ثمة ستوديو متواضع مكون من غرفة الكونترول وغرفة البث الصغيرة ، وكان يوجد في داخل الملجأ ايضا مخزن لأدوات كهربائية من مستلزمات الاذاعة وارشيف للأشرطة ، و فوق مكان الأستوديو كان يرتفع انتين الارسال ، وفي خارج الشق كان هناك العديد من مواقع المدفعية المضادة للطائرات ، وما زلت اتذكر ان من بين قوة حماية الاذاعة كان هناك عنصر من البيشمركة من كورد سوريا(غرب كوردستان) ومن منطقة عفرين او حلب ، (احتفظ بأسمه) وقد التقيت به صدفة عام 1993 في مدينة حلب ، فكانت لحظة وجدانية مؤثرة حقا ، كما كان هناك احد البيشمركة القدماء اسمه ( مام على) او ( مام الي) الذي كان انظم الى الثورة منذ انطلاقتها في ايلول عام 1961 او قبلها لا ادري في الواقع ، وهو كان من اذربايجان ويحكي اللغة الكوردية بلكنة اذرية محببة ، وكان من عادته عندما تبدأ الغارات الجوية ان يذهب الى ملجئه ويلبس كامل الزي الكردي القتالي ( البندقية واحزمة الرصاص والخنجر الكوردي والمنظار المقرب وكيس دخانه ..الخ ) ويصعد على سطح الملجأ ويراقب الطائرات المغيرة بمنظاره ويسب ويلعن الذي ارسلها ، هذا في حين يكون كل العاملين في الاذاعة مختبئين في الملجأ الخاص بتفادي القصف الجوي ، ولم يكن احد يستطيع اقناعه بالعدول عن عادته تلك وكان العاملون يحبونه ويحترمونه كثيرا ، ولا اعرف ماذا حصل له بعد جريمة عراب الغدر هواري بومدين في الجزائرفي 6.3.1975 ، وفي موقع الاذاعة كانت هناك ايضا ملاجئ للحماية من غارات الطائرات العراقية التي ما كانت تترك سماء الأذاعة حتى في الليل احيانا كثيرة ، وكان الموقع معرضا للقصف والأستطلاع الجوي اليومي ، حتى انه مرة كنت مع الصديق المذيع محمد البدري نقرأ الأخبار بالعربية في ستوديو البث فأذا بصوت مرعب يتفجر كالصاعقة فوق ملجأ الاذاعة ، اوقعنا ارضا وصم اذاننا وملآ المكان غبارا وترابا ، عرفنا بعد خروجنا سالمين ان طائرة عراقية قصفت سطح الأذاعة ، واوقعت الأنتين الخاص بالأرسال ارضا ، وتوقفت الأذاعة ولكن بجهود المهندس الشهيد عبدالخالق معروف وفنيين والبيشمركة تم اصلاح كل شئ في مدة قياسية لا تصدق وذلك بأقل من نصف ساعة ليعود البث الى حاله الطبيعية كما اتذكر. ومن الملفت ان الشاعر الكبير المرحوم عبدالرحمن هزارموكرياني كان يسكن قرب مكان الأستوديو في بيت صغير وغير مهتم بالمرة بأطفاء مصباحه اثناء الليل، اذ كان يتوجب اطفاء كل الأنوار ليلا في محيط الأذاعة ، وقد كتب وترجم الشاعر الكبير المرحوم هزار على ضوء ذلك المصباح اهم روائعه في تلك الفترة. ونظرا لتركيز القصف الجوي على ملجأ الاذاعة وملاجئنا الخاصة بالراحة فقد اضطررنا الى ان نغير مواقع مخيماتنا عدة مرات في الوديان القريبة من موقع الاذاعة . وكان اداء العاملين في الاذاعة وخصوصا المذيعين جيدا ، فمن الناحية اللغوية كانت هناك نخبة جيدة من المثقفين الكورد تعد نشرات الاخبار بلغة كوردية سليمة وسلسة ، والمذيعون باللغة الكوردية كانوا يجيدون قراءتها بشكل واضح في ضبط مخارج وبدايات الكلمات ونطقها كأي مذيع محترف مع فهم مهني لعملهم اعتقد انه كان نابعا من التجربة الذاتية ، كانت تحدث بعض الاخطاء ولكنها كانت قليلة . اما البرنامج العربي فكان هو الاخر جيدا وكانت نشرة الاخبار والتعليقات تكتب من قبل كتاب ومثقفين وصحفيين لهم خبرة واسعة في الكتابة وخصوصا في المجال الاعلامي عدا معرفتهم الممتازة باللغة العربية ، وهكذا المذيعون باللغة العربية ، اذ كانوا ايضا من المؤدين الجيدين ، حتى ان الفنان الكبير كريم كابان قال لي مرة ان احد الجنود العراقيين كان قد دخل على خطه اللاسلكي واخذ يشتم مذيعي اذاعتنا معتقدا ان مذيعي صوت كوردستان العراق الذين كانوا يقدمون النشرات العربية ليسوا كوردا بل عربا، ويقول له : نعرف انهم فلسطينيون يتعاونون معكم ، انهم خونة مثلكم!! ، ولكن المسألة التي كانت تشغل بال بعض العاملين الى حد ما هي بعض المبالغات التي كانت تتضمنها نشرات الاخبار ، وبالطبع كانت تلك النشرات تعتمد في مادتها الخاصة بنشاطات البيشمركة في الجبهات على ما كانت تصل من برقيات من قيادات وحدات البيشمركة الموزعين في طول كوردستان وعرضها ، ولم يكن هناك وقت للتأكد من صحة العديد من تلك البرقيات . ولكن مع هذا ، لم تكن لهذه المسألة وخصوصا في تلك الايام اية نتائج سلبية تذكر ، وكان لابد من بعض المبالغات البسيطة لامتصاص الاثار السيئة للحصار الاعلامي المفروض على الثورة ونشاطاتها واذكاء روح الامل بين افراد الشعب .

كانت برامج الاذاعة تتكون من نشرات الاخبار والتعليقات واحاديث معدة من قبل العاملين واتذكر منها احاديث (مام غريب) التي كان يعدها ويقدمها الشاعر محمد بدري باللغة العربية واحاديث ( خوشكه كه زيزه ) التي كانت تبث باللغة الكوردية والتي كان لها صدى جيدا بين الاوساط الشعبية وبين البيشمركة ، وبرامج اخرى منها برنامج لمحمد رشيد هرس باللغة الكوردية على ما اتذكر . كما كانت هناك رسائل من الجبهة تنقل احاديث البيشمركة المرابطين على الجبهات وصور صوتية عن بعض المعارك التي كانوا يخوضونها.

بنادق محشوة بالرصاص

كانت اذاعة صوت كوردستان تعاني من ضغظ تشويشي هائل من قبل محطات تشويش عديدة انشأتها السلطة في كركوك والسليمانية ودهوك وبغداد وعلى رؤوس بعض الجبال التي كانت القوات الحكومية قد احتلتها في اوقات سابقة ، نظرا لكل ذلك فقد انشأت قيادة الثورة محطات اذاعية مساعدة اخرى في بادينان وماوه ت( شاربازير) شمال السليمانية، ومن اجل ايصال صوت الثورة الى بغداد مباشرة لماكانت لها من اهمية اعلامية كبرى ، كونها عاصمة العراق و مركزا للسفارات الاجنبية ووكالات الانباء و يعيش فيها حوالي مليون كوردي ، لهذه الاسباب حسب رأيي تم اقرار فتح اذاعة اخرى في اقرب نقطة من كوردستان الى العاصمة العراقية وذلك في اقصى مناطق (كه رميان) ، فأختير فريق عمل الاذاعة الجديدة مني ومن المهندس ناصح عبدالقادر والمذيع ياور نامق وخليل حميد للسفر الى منطقة خانقين واختيار مكان الاذاعة والمباشرة بالبث فورا ، وتم تهيئة جهاز البث من قبل المهندس الشهيد عبدالخالق معروف وزودنا باوراق عدم التعرض ، اذ كان لابد من المرور عبر اراضي شرق كوردستان (ايران) بدءا من بيرانشهر فمهاباد ، سقز ، سنندج كرمانشاه ، كرند ، سربيل زهاب ، فقصر شيرين ثم الدخول الى اراضي كوردستان العراق عبر نهر (قورتو) للوصول الى مقر الفرع الخامس للحزب الديمقراطي الكوردستاني في قرية (محمود قجر) ، ومن المفارقات التي صادفتنا في سفرتنا تلك عبر اراضي كوردستان ايران ان قررنا عندما وصلنا مدينة (مهاباد) ان نبيت ليلتنا هناك و ونعاود السفر في صباح اليوم التالي بأتجاه كرمانشاه فنبيت هناك ليلة اخرى ثم نتوجه الى قصر شيرين لنعبر منها الى داخل اراضي جنوب كوردستان ، فعند وصولنا الى (مهاباد) وحسب التعليمات التي كنا ابلغنا بها كان علينا ان نذهب الى دائرة المخابرات الايرانية(الساواك) للتعريف بأنفسنا وايداع جهاز البث و اسلحة الكلاشينكوف التي كانت بحوزتنا لديهم وتحت حمايتهم على ان نتسلمها في صباح اليوم التالي ، فذهبنا اليهم وعرضنا عليهم اوراق عدم التعرض ، وقالوا لا بأس ابقوا السيارة التي تحمل جهاز البث في كراج الدائرة و اخرجوا اسلحتكم واعطونا اياها لحفظها لدينا ، وسنعيدها لكم غدا ، فأخرجنا الاسلحة وكانت على ما اتذكر اربع كلاشينكوفات ، افرغناها من مخازنها ، وتسلموها ، وخرجنا نبحث عن فندق نبيت فيه ، وكانت فرصة طيبة لنغتسل في حمام حار ونكحل عيوننا بمرأى ميدان (جوار جرا) الذي شهد ميلاد جمهورية كوردستان الديمقراطية بقيادة الشهيد القائد الخالد قاضي محمد عام 1946 وشهد كذلك جريمة النظام الايراني بأعدام القاضي الشهيد ورفاقه من قادة الجمهورية ، وفي الحقيقة تلك كانت المرة الثانية التي ازور فيها مدينة مهاباد ، اذ كنت زرتها في فترة سابقة مع المخرج فاضل القصاب حيث تعرفنا على الفنان المطرب الكبير ( محمدي ماملى) الذي استضافنا في بيته ، كنت اود كثيرا ان ازوره تلك الليلة ولكن ظروفنا لم تكن مناسبة ، وكذلك تحسبا لما قد تنطوي عليه الزيارة له من مشاكل مع الامن الايراني ، لذلك تركت الفكرة جانبا .

وعلمت من بعض الذين تعرفنا عليهم من سكان المدينة ان مواطنين من سكان مدينة مهاباد يحضرون صباح كل يوم الى جوار
المدرسة التي كانت مخصصة لتلاميذ كوردستان العراق اللاجئين ليستمعوا اليهم وهم ينشدون النشيد القومي الكوردي (ئه ي ره قيب) هذا النشيد الذي نظمه الشاعر( دلدار) في اربعينات القرن الماضي ، وتحول الى مارسيليز قومي لاول جمهورية معاصرة كوردستانية ( جمهورية كوردستان الديمقراطية1946) وبالتالي نشيدا قوميا للامة الكوردية في كل مكان والى الان ، وقد رأيت بأم عيني كيف ان رجالا معمرين في المدينة كانوا كل صباح يتكأون على حائط تلك المدرسة ويجهشون ببكاء صامت وهم يسمعون نشيد جمهوريتهم المذبوحة على ايدي النظام الشاهانشاهي يردده اطفال جنوب كوردستان بأصواتهم الملائكية ويتردد صداه عبر احياء المدينة التي احتضنت ولادة الحلم الكوردي الاول في زمننا المعاصر.

هذه الصورة كونت معادلة سياسية شغلت بال الكثيرين ، فقد كان صعبا ان تجمع بين ثورة كوردستانية غايتها تحرر الكورد والمناداة بالديمقراطية والتقدم ، مع تاكتيكات سياسية تجعل جزار جمهورية كوردستان يغامر بأجازة فتح مدرسة ينشد الطلاب الكورد فيها النشيد القومي الكوردي الذي يرعب الى الان حكام ايران وتركيا وسوريا الفاشيين والشوفينيين العرب في العراق . ولكن حكمة قائد الثورة وفهمه لاولويات الوضع السياسي الكوردي ، جعله ان يتجه الى التجاوب مع تلك االتاكتيكات ولكن بالعمل على استثمارها لصالح الثورة الكوردية.

وفي صباح اليوم التالي في (مهاباد) رجعنا الى مقر (الساواك) لكي نأخذ اغراضنا و نعاود السفر ، فتحوا لنا باب الكراج ، ولاحظت ان كل عناصرهم تركونا وخرجوا الى الشارع ، لحظتها لا ادري كيف فكرت بفحص حالة البنادق التي كنا افرغناها تماما من مخازنها ، فتعجبت ان المخازن المملوءة بالرصاص كانت اعيدت الى البنادق وانها غير مأمونة وموضوعة على الصلية وعندما سحبت المقسم رأيت ان البندقية محشوة بالرصاص وبمجرد وضع الاصبع على الزناد كانت الرصاصات ستنطلق صلايا وكانت ستحدث كارثة رهيبة ، وتبين ان كل البنادق كانت محشوة بالرصاص ومهيئة للاطلاق ، كان ذلك دلالة واضحة على ان ثمة مؤامرة مخابراتية قذرة كانت قد دبرت ضدنا ، فقررنا ان نكون حذرين ونستعجل بالسفر ، وعندما خرجنا ونحن في السيارة من باب الكراج شاهدنا عناصر الساواك واقفين على الجانب الاخر من الشارع وايديهم على مسدساتهم التي كانوا يحملونها وكأنهم كانوا ينتظرون حدثا معينا ، انطلقنا دون توقف الى كرمنشاه ، وهناك ايضا كان لابد ان نذهب الى (الساواك) ، فذهبنا ولكن هذه المرة قلنا لهم اننا لن نغادر سيارتنا وسننام فيها الى الصباح ، حاولوا اقناعنا للذهاب الى الفندق لكننا رفضنا واصررنا على البقاء في السيارة ، فرضخوا اخيرا لعنادنا ولكننا لم ننم ليلتها ، ونحن محشورون داخل السيارة الصغيرة بجوار باب رمادي اللون ، حديدي صارم مسدود على الدوام يخفي وراءه الكثير من قصص الظلم المسلط على كورد كوردستان ايران ، في تلك اللحظات كانت ذاكرتي تعيدني الى مدينتي كركوك ، التي اصبحت هدفا للسياسات العنصرية العروبية ، وقد كرست الحكومات العراقية المتعاقبة منذ تأسيس دولة العراق في عشرينات القرن الماضي اكثر جهدها لتعريبها ومسخها والغاء هويتها الكوردستانية ، وارى كرمانشاه عاصمةالعشق و الاحلام الكوردية لعقود غابرة من السنين وقد اصبحت هي الاخرى هدفا لنوع اخر من سياسات الالغاء العنصري من قبل الحكم الايراني والهادفة الى (تفريسها) ، كركوك وكرمانشاه الكوردستانيتان عانتا من سياسة عنصرية واحدة ، ونتيجة لسبب واحد ، وهو وجود ثروة النفط في ضواحي المدينتين ، وبين الاغفاءة واليقظة، كنت كأنني اسمع وقع ضربات العاشق الكبير (فرهاد) وهو ينحت جبل( بيستون) من اجل الوصول الى نبع الماء الذي يوصله الى الحبيبة (شيرين) ، وفي هذه المدينة الجميلة وفي زيارة اخرى لي لشراء اشرطة اغان كوردية تعرفت على المطرب الكوردي الذي اشتهر بأغنيته الرائعة (شيرين كشت كه سم) الفنان (شه هابي جه زايه ري).

وما ان بزغ الضياء الاول للفجر حتى انطلقنا نحو( قصري شيرين) دون ان نتوقف في المدن الكوردية الاخرى التي تقع على الطريق وكنا في الحقيقة نحب ان نتوقف في بعض منها ولكن تجربتنا في (مهاباد) جعلتنا ان نستعجل المسير للوصول الى الامان المطلوب ، فوصلنا قصري شيرين ، وحين دخلنا المدينة شعرت كأنني ادخل محراب عشق كبير لقصة الحب الاسطورية التي تقاذفتها ثقافات شعوب اخرى ايضا ، ولكنها في الحقيقة كانت قصة حب كوردية اردلانية اعطت اعظم المعاني للحب الانساني الجميل والتضحية في سبيله ، وهناك في فندقها الصغير النظيف كان ينتظرنا المهندس محمد امين مسؤول الفرع الخامس الذي سهل لنا عبورنا الى قرية (محمود قجر) في الجانب الاخر اي داخل اراضينا في جنوب كوردستان.

افتتاح اذاعة (محمود قجر)

من اجل اختيار موقع مناسب لنصب جهاز الارسال والانتين وملاجيء العاملين خرجنا مع بعض الاخوة في الفرع الخامس للبارتي في جولة قرب قرية (محمود قجر) والهضاب المحيطة بها كما استطلعنا حواف وادي نهر (قوره تو) ، وبعد الاستطلاع الكافي استقر رأينا على اختيار موقع قرب تلك القرية ، وتم افتتاح الاذاعة في اواخر تشرين اول 1974، وكنت مسؤولها للشؤون الاعلامية اما المسؤول الفني فقد كان المهندس المبدع ناصح عبدالقادر ، وكنت مع الصديقين( ياور نامق ) و(خليل حميد) نتناوب قراءة الاخبار والتعليقات باللغتين الكوردية والعربية، كما عمل معنا شاب اخر من كركوك كان اسمه على ما اتذكر( صلاح حميد) وكان يشرف على تسجيل البرامج واخراجها ، وكان لموقع الأذاعة حماية من الآخوة البيشمركة تم ارسالهم من قبل قوة ( به مو) . وكان البث مسائيا ونستلم التعليقات والأخبار من الاذاعة الرئيسية في( جومان) ونعيد كتابتها واذاعتها اضافة الى برامج كنا نقوم بأعدادها ، وكان مقر الأذاعة يقع على منحدر تلة جرداء تشرف على نهر (قوره تو) تمثل رأسا جبليا مثلثا حادا بحيث كانت الحدود الايرانية تحيط بنا من ثلاثة جوانب ، وهذا النهر يفصل بين جزئي جنوب كوردستان وشرقها ، وكنا قريبين جدا من (قصر شيرين) و(سربيلي زهاو) على الجانب الايراني من الحدود الدولية ، ومن جانبنا كانت ربايا القوات العراقية في (بنه باريكه) لا تبعد عنا الا حوالي 25 كيلومترا . وكنا فريق عمل متكاتف ومنسجم الى ابعد الحدود .

ومن الجدير بالذكر ان كثيرين من سكان القرى الكوردية القريبة من خانقين كانوا في تلك الفترة قد تركوا قراهم نتيجة للغارات المستمرة التي كانت تقوم بها القوات الحكومية ضدهم ارضا وجوا ، وقيام السلطة بجلب عشائر عربية الى المنطقة بعد تسليحها ، حيث استولى هؤلاء المستوطنون على اراضي الفلاحين الكورد مما ادى الى حدوث ماس كبيرة لهم ، وتعرضهم الى المهانة و(فرهدة- سرقة ) اراضيهم و محاصيلهم الزراعية وماشيتهم من قبل المستوطنين دون وازع من ضمير او وجدان ، كل هذا ادى الى هجرتهم بأعداد كبيرة من المنطقة ملتجئين الى ما وراء الحدود الدولية ، حيث تركزت اعداد كبيرة منهم كانت تعد بالالاف في احد المجمعات الخاصة باللاجئين الكورد في منطقة قريبة من مدينة (سربيلي زهاو) التي ما كانت تبعد الا حوالي عشرين كيلومترا من الموقع الذي اسسنا الاذاعة فيه ( داخل اراضي جنوب كوردستان) . وكانت مساكن اللاجئين متكونة من خيم او مبنية من اغصان الاشجار والخشب ومغطاة بالنايلون السميك ليقيهم برد الشتاء وامطاره ، وكانت منظمة( شيرو خورشيد) الايرانية تقوم بتوزيع المواد الغذائية وبعض الضروريات الاخرى عليهم ، وكان معظم العوائل التي سكنت ذلك المجمع لها ابناء ضمن قوات البيشمركة، وبالنسبة لي فعندما نقلت الى العمل في اذاعة (محمود قجر) نقلت عائلتي المتكونة من ثلاثة افراد فيما بعد الى المنطقة نفسها حيث اسكنتهم في ذلك المجمع ، وقد ساعدني معارف واقارب لي كانوا هناك في ترتيب غرفة واحدة لنا من الاشجار واوراقها مغطاة بشكل جيد بنايلون سميك ولن انسى فضلهم ما حييت.

كانت منطقة خانقين التي اقمنا فيها الاذاعة ، تابعة لتنظيمات الفرع الخامس للحزب الديمقراطي الكوردستاني ، وكان مسؤول التنظيم هو المرحوم المهندس محمد امين عونا كبيرا لنا في بعض امورنا. اضافة الى الحماية التي قدمتها لنا قوة بيشمركة( به مو) التي كان يقودها بارزان شيخ نجم طالباني ، حيث نقل حوالي عشرة من عناصر البيشمركة مسلحين ببنادق خفيفة ورشاش (بي كي سي) الى موقعنا وفي الحقيقة كنت ارتاب كثيرا من فاعلية رشاش البكي سي القديم المرسل الينا لكن منظرفوهته المصوبة الى جهة الجنوب فوق موقع الاذاعة كان يومي بشيء من القوة والجدية في حماية موقع الاذاعة ، وكانت قوة البيشمركة تؤدي واجبها بحس عال من المسؤولية والاخلاص.

فيضان نهر (قوره تو)

في احدى الليالي وكان ذلك على ما اتذكر في شهر شباط او كانون الثاني 1975 وكنا قد اوينا الى ملاجئنا ، وفي عز النوم سمعت احد الاخوة البيشمركة يصيح بنا للخروج من الملاجئ ، و في الظلام الدامس وتحت هطول مطر غزير ، سمعت صوت هدير صاخب ات من عمق الوادي ، و احسست ان الملجأ الذي كنت اشغله مع المذيع خليل حميد تسرب اليه مياه الفيضان حتى ان عمود الخيمة قد مال كثيرا وكان على وشك السقوط ، فنهضنا مسرعين لنرى ان امواج الفيضان تملآ وادي النهر ، ولولا يقظة البيشمركة المبكر ربما لكانت قوة السيول الجارفة ترتفع الى مستويات ملاجئنا ونحن نيام و تلفنا مع موجاته المتلاطمة الى البعيد ونغرق في اتونها ، وللعلم ان ملاجئنا كانت محفورة على منحدر وادي النهر وكل ملجأ كان مغطى بخيمة عسكرية وببعض اغصان الشجر للتمويه ، ولم نكن نعتقد ان فيضان سيول فصل الشتاء او الربيع سيصل الى المستويات التي كنا قد حفرنا فيها الملاجئ ، وحال سماعنا اصوات البيشمركة أخذنا بطانياتنا وصعدنا الى قمة المرتفع والمطر ينزل مدرارا وهواء بارد قارس يلسعنا ، ولم يكن لنا اي سقف نلجأ اليه ، وعندما ذهبنا الى الملجأ الخاص بجهاز البث رأينا ان السيول النازلة من الهضبة والاوحال التي جرفتها معها قد اغرقت الملجأ بالوحل والمياه والأنتين الخشبي ممدد على الارض ، واضطررنا ان نبيت ليلتنا تلك في العراء تحت المطر وقد غطينا انفسنا ببعض البطانيات و النايلون الذي كان يغطي ملاجئنا التي خربت ، وكان جهاز البث مغمورة بالمياه والاوحال ، فأعتقدت ساعتها ان عملنا قد تعرض الى ضرر كبير ربما لا نستطيع معه اعادة البث لأسابيع ، ولكن المهندس القدير والعنيد ناصح عبدالقادر طمأننا الى انه سيتكفل بأصلاح كل شئ عندما يأتي الصباح شرط ان يساعدنا الطقس وينقطع المطر ، ولحسن حظنا كان اليوم التالي يوما مشمسا وصافيا ، فطلب المهندس ناصح ان نفرش احدى الخيم على الارض وبدأ هو بتفكيك الجهاز ورص كل ادواته ومعداته على وجه الخيمة المفروشة ، وجلس يجفف كل تلك المعدات والبراغي الصغيرة ويدهنها ويمسحها واحدة واحدة بكل رفق ومثابرة ودقة ، وحوالي الساعة الرابعة عصرا اتم المهندس تركيب جهاز البث من جديد ، ووقفنا نترقب ونتساءل: ترى هل يمكن للجهاز ان ينطق ثانية؟ فكانت فعلا فرحة لا توصف عندما انطلق من الراديو صوت المطرب الكبير المرحوم حسين علي وهو يؤدي الاغنية المشهورة ( كورديكم ئه وي جابووك و بته و سه فه ريك هه يه بوم بكا به شه و…) من كلمات الشاعر هه زار موكرياني ، ساعتها احسست ان اذاعة تلك الاغنية قد تجلب لنا مشكلة اخرى ليست اقل خطرا من مشكلة الفيضان اذ ان الكلمات تتضمن اشارات قوية الى الماسي التي تعرض لها الكورد على ايدي النظام الايراني ، كما كانت هناك مشكلة اخرى اذ اينما كنت تحرك ابرة الراديو على الموجة القصيرة كنت تسمع فقط اذاعة صوت كردستان ، فقد اختفت كل الاذاعات الاخرى ومن ضمنها اذاعة (قصري شيرين) الايرانية التي كانت تبث بالكوردية ، ولكن يبدو ان السلطات الايرانية لم تنتبه لا الى مغزى الاغنية ولا الى الاشكال الاخر في حينه اذ سرعان ما عالجه المهندس ، فلم يحدث اي رد فعل منهم.

وكانت برامج الاذاعة كلها تسجل في الفترة الصباحية على جهازتسجيل من نوع (اكاي) لتذاع اعتبارا من الساعة الثامنة او السابعة مساء .

مؤامرة الغدر..و(صوت كوردستان ) لا يتوقف

هناك تفاصيل وقصص ومفارقات كثيرة صاحبت عملنا في اذاعة (محمود قجر) كما كان سكان المنطقة يسمونها ، ومن تلك القصص انه عندما علمنا بأتفاقية الجزائر المشؤومة ، حيث توقفت اذاعة صوت كوردستان الرئيسية في جومان فانقطعت عنا مصادرنا الخبرية ، وأصبحنا في حالة لا نحسد عليها ، حزن وغم واحباط وشعور كئيب ، فقد اصبح شعبنا اصبح مرة اخرى ضحية للمنافع القذرة للدول وللا اخلاقية الانظمة التي تنام وتستيقظ على نغمات حقوق الانسان والديمقراطية والعدالة الاجتماعية بينما هي مستعدة لذبح اي شعب وفي اي لحظة من اجل احقاق مصالحها القذرة ، ووقعنا تحت طائلة شعور رهيب بالأنكسار ، واحيانا كنا نحاول عدم تصديق التفاصيل التي كنا نسمعها من اذاعات العالم وخصوصا الهرج والمرج المشوب بالشماتة المقيتة من اذاعات الاعراب كلهم والترك والاعلام البارد الميت للدول الغربية والشرقية على السواء الذين كانوا كلهم شهود (احتفالية) حقيرة ودموية حية اقيمت على ارض كوردستان ، كانت تلك الاحداث والاشاعات الكثيرة التي رافقتها كابوسا مرعبا يخنق انفاسنا ، ولكن على الرغم من كل ذلك عندما اكتشفنا توقف الاذاعة المركزية في جومان ، قررنا عدم ايقاف اذاعتنا و الأستمرار في الارسال ببث تعليقات معدة من قبلنا ، واذاعة اناشيد واغان ثورية كوردية وكان عذرنا اننا لم نستلم اية اشارة من الامانة العامة للاعلام في (جومان) بأيقاف الاذاعة ، وكذلك كنوع من امتصاص الحالة النفسية المرعبة التي بدأ سكان المنطقة القريبة ومجمع سربيل زهاو يعانون منها ، ورأيت بأم عيني صبايا كورديات عند خزان الماء الوحيد في مجمع (سربيل زهاب) يبكين وهن يملآن اوعية الماء وكثير منهن لا يكدن يعرفن بالضبط ابعاد الكارثة ، فقط كن يعرفن ان الثورة الكوردية ..(الامل الاكبر) بالنسبة اليهن قد اغتيلت ، وكنا نرى رجالا ملفعين بجراوياتهم الكوردية تغرق عيونهم بالدموع يسيرون في طرقات المجمع كالتائهين وكأن العالم كله سقط على رؤوسهم.

قلعة دمدم اخرى تحترق …

ان ما حدث كانت (قلعة دمدم) معاصرة اخرى احرقها الطغاة و الاعداء التقليديون للامة الكوردية ، كانت قصة عشق كوردستانية كبيرة اخرى اعتقد حاكم بغداد وحاكم الجزائر وجامعة النظام العربي والمؤتمر الاسلامي و بدءا من شاه ايران و الى كل من كانوا يسمون ب( ديمقراطيي)و( تقدميي) عواصم العالم شرقا وغربا كلهم شاركوا في عملية الانقضاض عليها ، كانوا يدبكون فرحا ويتفلسفون في الكلام عن ابعاد القضاء(على الفتنة الكوردية..هكذا) و( البؤرة الامبريالية) لآن ( الحكمة الجزائرية استطاعت اقتلاع بؤرة خطيرة للتوتر في العالم العربي والاسلامي!!) ، كانت كارثة قومية كوردية كبيرة ، ومأساة انسانية لا تنسى ، وبأستثناء بعض الاراء الشخصية لبعض الخيرين من العرب ومن الاوروبيين الذين كان ما زال في ضمائرهم شيء من الانسانية يتحرك ، فقد كان الكل تقريبا مشاركين في (مهرجان) ذبح الامل الكوردي وقد وضعوا شرعة حقوق الانسان تحت اقدامهم .وعلى ما اتذكر على النطاق الاعلامي كان التعليق الوحيد الذي شارك الكورد مصابهم وعرض للتراجيديا بصورة انسانية كان من اذاعة ( مونت كارلو) لمذيع عربي لا اتذكر اسمه مع الاسف حيث قدم لخبر التوقيع على اتفاقية الغدر في الجزائر بمقدمة مؤثرة عن المظالم التي لحقت بالكورد طيلة حياتهم.

وبعد سماع الاخبار وتداعياتها في العراق وفي ايران من الاذاعات العالمية ، لم نتوقف واستمرينا في البث على تلك الحالة لثلاثة ايام لوحدنا متجاهلين توقف اذاعتنا المركزية في جومان و ضاربين عرض الحائط كل الكم الهائل من الاخبار المرعبة التي كانت اذاعات العالم تذيعها عن ابعاد الجريمة النكراء ونحن بعيدون عن مركز الحدث في ذلك الصقع البعيد من اطراف ( كه رميان) ، الا انه وفي غروب اليوم الثالث من بثنا غير الرسمي ، رأينا احد ضباط المخابرات الايرانية وكان اسمه (كمالي) يتجه صوبنا وهو يعبر النهر من الجانب الايراني بسيارته الجيب حيث كان الماء ضحلا يومها ، وبعد السلام طلب منا وهو يتصنع الادب في كلامه ان نوقف الاذاعة ، قلنا له بأننا لم نستلم اي امر رسمي من قيادتنا بوقف الآذاعة ، حينها اخرج ورقة من جيبه وهو يطلق ابتسامة صفراء ميتة وقال : هذا هو الأمر وكان فيها جملة واحدة باللغة الكوردية تطلب ايقاف الأذاعة وان لا نعرض انفسنا الى مشاكل ، وكانت البرقية من مصدركوردستاني كان علينا احترامه ، ولكن لا ادري ان كانت البرقية من صنع المخابرات الايرانية ، ام انها كانت حقيقة صادرة من ذلك المصدر الكوردستاني حسب اسم المصدر ولم نعلم ان كان الامر صحيحا او ملفقا ، ولكن لم نجد غير التصديق بالمصدر الذي كان قد وقع على الامر. وقال لنا الضابط الايراني: السلاح الذي تملكونه اصبح لنا ، اي لأيران ، والأذاعة سنفككها وسنأخذها ، وانتم اما تقبلوا ضيافتنا في ايران او سأرافقكم الى ربايا الجيش العراقي مشيرا بيده صوب ربايا ( بنه باريكة) واضاف : ان عفوا عاما صدر عنكم فلا خوف عليكم .

ولا يفوتني هنا الا ان اذكر الشاب الخانقيني (رمضان) الطيب الذي عمل كطباخ لكادر الاذاعة و اشيد بشخصيته المرحة جدا وتفانيه في خدمة شؤون الاذاعة في كل المجالات وليس الطبخ فقط . ولا استطيع ان انسى دموعه الغزيرة التي انهمرت من عينيه عندما فهم ابعاد المؤامرة الغادرة ، وما زلت اذكر مغادرته للمقر وهو يقبلنا ويقول وهو يجهش في البكاء: انني الان وحيد حقا ويتيم ، الموت اهون.

ان الغرض من ذكر هذا الفصل الموجز من عمل اذاعات صوت كوردستان العراق في تلك الظروف الخطرة والقاسية وقبلها ايضا و الدخول الى شروحات مفصلة احيانا لخلفيات الاوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في كوردستان ، هو من اجل اعطاء صورة لبعض معالم وتراث الثورة الكوردية من وجهة نظر شخصية ، وكذلك للتذكير بأن العمل الأعلامي اثناء الثورة كان فعلا ثوريا مهما للحفاظ على معنويات شعب جنوب كوردستان بل والشعب الكوردي في كل اجزاء بلاده ، وتثبيت اقدام البيشمركة في خنادقهم وفي الجبال والوديان حيث كانوا يصولون على مواقع القوات الحكومية ، و كان استمرار سماع صوت الثورة من خلال الأذاعة يعني عند الناس شيئا ثابتا واحدا وهو ان كوردستان ما زالت بخير وان النصر قاب قوسين او ادنى ، حيث كان ثمة رهان على عدم امكانية نظام البعث في الاستمرار في مواصلة القتال ، فكانت التوقعات تنحصر اما في سقوطه او اضطراره للدخول في مفاوضات جديدة ، علما ان النظام انذاك كان مدعوما من الشرق والغرب واغلب الانظمة العربية ، ولآجل معرفة مديات تأثير الاعلام الكوردستاني في ذلك الوقت نرى انه فقط عندما توقفت الاذاعة الرئيسية في جومان بدأت بوادر الانكسار الحقيقية الاولى بين المواطنين الكورد سواء في الداخل او بين اللاجئين الكورد في ايران ، ولم يحدث هذا الانكسار حين كانت اذاعات بغداد والقاهرة ولندن وصوت اميركا وكل الاذاعات الناطقة بالعربية الاخرى تغطي اخبار اجتماعات عراب الجريمة هواري بومدين وصحبه الاشرار في الجزائر.

كلمة اخيرة

صحيح جدا ان الانترنيت والموبايل و الفضائيات بدأت تغزو العالم ، ولها مئات الملايين من المستخدمين على امتداد الكرة الارضية ، وهي تدخل كل بيت مؤثرا على السلوكيات العامة والتربية والثقافة والمسائل الاجتماعية كلها ، ولكن في اعتقادي ان ما زال للراديو دوره خصوصا في المجتمع الكوردستاني الراهن على الاقل ، فراديو ترانسزتور صغير يمكن ان يشتريه اي فلاح او عامل او طالب كوردي ويضعه في جيبه ويراقب من خلاله كل التطورات السياسية والاجتماعية و الثقافية في كل العالم ، ولكن كيف به ان يحمل جهاز تلفزيون ويتنقل به هنا وهناك .

فما زال الراديو عاملا مهما لترويج ما تريد ان تقوله وتوصله الى الناس ، لذلك اقول ان الكورد ما زالوا يحتاجون الى محطة اذاعة عالمية وبعدة لغات وظيفتها ترويج الموقف الكوردستاني اليومي الى اكبر عدد ممكن من البشر على البسيطة..اذن فالحاجة ماسة الى تاسيس محطة اذاعة كوردستانية دولية تذيع باللغات العالمية الحية وبالكوردية والفارسية والتركية ايضا هذا عدا الفضائيات التي تزداد اهميتها يوما بعد يوم فعلا تقدم خدمات باهرة ومهمة جداوان اهميتها تزداد يوما بعد يوم .

كان هذا مجتزءا من بانوراما طويلة …ستجد طريقها الى الطبع .

مايو 2006
موقع حكومة اقليم كوردستان