الرئيسية » مدن كوردية » اربيـل بين الامـس واليــوم

اربيـل بين الامـس واليــوم

سالت الكاتب الكبير جمال بدوي: ماذا اكتب عن زيارتي المقبلة لكوردستان وكانت اجابته: المفروض ان تكتب غير ما يكتبه الاخرون عن هذه المنطقة فانت عشت فيها لتسع سنوات متصلة وها انت تعود اليها في زيارة والاحوال غير تلك الاحوال التي كانت.. اكتب عن المنطقة بين الماضي الذي عشته والحاضر الذي ستزوره
هذا الحوار كان في عام 1999 عندما كنت استعد لزيارة المنطقة بدعوة من الرئيس مسعود البارزاني وحسب نصيحة الكاتب الكبير صدر كتابي (اربيل 88- هه ولير 99) عن دار موكرياني واعيد طبع الكتاب في القاهرة بعد اجراء بعض التعديلات عليه وصدر تحت عنوان (اكراد نعم.. وعراقيون ايضا).. وتعددت زيارتي للمنطقة بعد ذلك.. عام 2000 للمشاركة في احتفالية مئوية الجواهري وعام 2005 بدعوة من رئيس حكومة كوردستان الاخ العزيز نيجيرفان البارزاني والتي قمت خلالها باعداد دراسة ميدانية على طلاب جامعتي صلاح الدين ودهوك صدرت فيما بعد في كتاب يحمل عنوان (كردستان العراق.. اشكالية الهوية بين الوطن العراقي والقومي الكردي) عن معهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية ثم تم اجراء ندوة مهمة عنه نقلتها قناة الجزيرة.. ثم كانت زيارتي الاخيرة في شباط من هذا العام وكانت المناسبة المشاركة في منتدى الفكر الاسلامي الكوردستاني وبعد انتهاء المؤتمر بقيت في اربيل بدعوة من السيد رئيس الحكومة لاعداد دراسة ميدانية جديدة تحمل عنوان (تحولات الشخصية الكردية نحو الحداثة).
هذه المقدمة رغم انها طالت كثيرا الا انني اقصد منها مدخلا ضروريا للفكرة التي تشغلني واود طرحها وهي الفارق الهائل بين ما كان وما هو كائن.. واهمية هذه الفكرة تنشيط ذاكرة من عاش الماضي وتوعية من لم يعشه بهذا الماضي فمن لا تاريخ له لا حاضر له ولا مستقبل..
وعندما اجعل مدينة اربيل او هه ولير عنوانا لهذا المقال فانني اقصد المنطقة باسرها لان اربيل هي العاصمة حتى الان وبالتالي هي الرمز المنطقة تسلمها اهلها في خريف 1991 اي ان الطفل الذي كان عمره حينئذ 5 سنوات تجاوز عمره الان العقدين من الزمان.. اي ان جيلا كاملا من الشباب لم يعش احزان تلك الفترة لم ير فواجع الانفال وحلبجة والهجرة المليونية.. لم يعش التهجير القسري والارض المحروقة.. لم يعش مطاردات الشوارع والازقة والبيوت لدفع الشباب الى محرقة الحرب العراقية الايرانية او قادسية صدام المجيدة. هذا الجيل هو المرشح الان لتولي زمام امور المنطقة في السنوات القادمة فتلك سنة الحياة جيل يذهب وجيل يأتي.. فهل بالامكان ان يتولى هذا الجيل تلك المهمات وهو لايتوحد مع عذابات الماضي.. ونحن لانريده ان يتوحد مع تلك العذابات ليغرق فيها ولكن لكي يبحث عن اجابة لهذا السؤال المهم: كيف يمكن ان نتجنب ما يشبه احداث الماضي وكيف يمكن ان نواجهها..؟ ان استطاع ان يصل الى اجابة منطقية على هذا السؤال ويكون قادرا على تحويلها الى اجراءات عملية حينئذ يكون قد تحقق الكثير..
شباب اربيل رأيتهم في زيارتي الاخيرة يسهرون الى ساعات متأخرة من الليل في المقاهي والكازينوهات والاسواق والحدائق العامة وغيرها.. بكل اسف هم يظنون ان الدنيا كانت هكذا دائما وستستمر هكذا على نفس الحال وهذا خطأ كبير، بما يرقى الى مستوى الجريمة في حق من عاش عذابات الماضي وشرب مرارة كؤوسها بل وكان ضحية لمحرقتها.. هل يعلم شباب اليوم الذين رايتهم يرقصون ويغنون في بارك الشهيد سامي عبدالرحمن ان المتنفس الوحيد لشباب الثمانينيات هو الذهاب الى الاورزدي باك في وسط المدينة لايفعلون اي شيء سوى انهم يتقابلون ويتبادلون الاحاديث او يتفرجون على بعضهم وعندما ينطلق صوت اذان المغرب فان وسط المدينة بل والمدينة باسرها تفرغ من سكانها على الفور وكان الارض قد انشقت وابتلعتهم جميعا في لحظات وفي دقائق يخيم على المدينة ظلام كئيب وبعدها نرى نقاطا حمر تنطلق في السماء.. طلقات رصاص لاتعرف من الذي يطلقها وضد من..؟
هل يعلم شباب اليوم انه في تلك الايام كانت مفارز الجيش الشعبي المدعمة برجال الامن تعترض طريق الجميع وتدقق في هوياتهم وربما يقول قائل وما الامر في ذلك ها هي المفارز موجودة وتفتش الجميع ولهذا القائل اقول: الامر مختلف تماما مفارز الامس كانت تتعامل مع الجميع بمنطق يختلف عن مفارز اليوم.. في الامس كان الكل مطلوبا الى ان يثبت العكس مطلوباً لمحرقة القادسية مجندا او متطوعا.. المفارز كانت تتعامل مع الجميع بمنطق الخصم او العدو.. اما مفارز اليوم فهي لحماية المدينة وما تم فيها من منجزات يشهد بها الجميع.
هل يوجد في وعي شباب اليوم مشاهد الاعدام الجماعية التي كانت تجري في المدينة وغيرها من المدن.. اشك كثيرا في ذلك واعتقد ان ما في وعيهم عن هذه المسألة مجرد حكايات سمعوها وربما لايحبون سماعها لانها قد تبعدهم عن حلاوة الاستمتاع بما هو قائم حاليا.. لقد عشت بنفسي احدى هذه المشاهد والتي لايمكن نسيانها على الاطلاق حتى اخر لحظة من عمري بل يعاودني هذا المشهد في منامي كحلم مزعج بين حين واخر..
وقتها كنت اعمل بديوان المنشأة العامة للدواجن الشمالية (تحول المبنى حاليا الى مقر لوزارة شؤون البيشمه ركه وسبحان مغير الاحوال من الدواجن الى البيشمه ركه..!! وربما يعتبر ذلك فارقا بين عهد وعهد…!!) طلبوا من كل دائرة عددا من منتسبيها وذهبت مع الذاهبين الى معسكر المدينة.. اغلقوا علينا باب المعسكر وبدأت الهمسات تتردد عن الحدث… اعدام مجموعة من الشباب وسط اهلهم ليكونوا عبرة للاخرين.. وقف امين سر الحزب بالمحافظة يخطب بحماس عن قادسية صدام المجيدة والدفاع عن البوابة الشرقية للوطن العربي (لم يجرؤ احد ان يهمس بالجملة التي كنت اسمعها (مالي انا ومال البوابة الشرقية للوطن العربي)).. وصلت الى المكان شاحنة مغطاة امتدت يد تجذب ما بها من شباب بائس واحداً واحداً.. كانوا حفاة… ملابس مهلهلة ربطوا كل واحد الى عمود خشبي ثم عصبوا عينيه… كانوا خمسة.. تقدم منهم خمسة عشر جنديا على ثلاثة صفوف وافرغ كل منهم بندقيته في جسد الشاب المقابل.. وهتف امين سر الحزب يحيا العدل.. وصفق من كان حولي وهتفوا يحيا العدل.. والعجيب ان بعض من كان يهتف يحيا العدل كان صديقا او قريبا لمن نفذ فيه هذا العدل الزائف فالعدل اسم من اسماء الله الحسنى لايجوز العبث به بهذه الطريقة.. لم يكمل المشهد.. رجع الخمسة الاشاوس الى الخلف وتقدم مكانهم الصف الثاني واطلقوا رصاصاتهم واعقبها هتاف امين الحزب يحيا العدل وتصفيق وهتاف من كان حولي يحيا العدل.. وجاء الدور على باقي الاشاوس ليطلقوا رصاصاتهم.. ثم يتقدم احد الاشاوس الابطال بمسدسه ويطلق رصاصة على رأس كل منهم.. تلك كانت الوجبة الاولى من الضحايا.. ومازالت الشاحنة بها اخرون سياخذون دورهم.. هنا جاء رجل وهمس في اذن امين الحزب فنهض قائما وهو يقول لقد طلبني السيد الرئيس القائد حفظه الله ورعاه.. وغاب قليلا ثم عاد والقى كلمة مديح مطولة في اخلاقيات القائد الضرورة والرمز والمعز والتاج.. الخ. لقد اصدر امره الكريم بالعفو عن الباقين.. هكذا بكل بساطة.. اصبح يمنح الحياة ويسلب الحياة.. سبحانك ربي سبحانك..!! استغفرك واتوب اليك..
هل يعرف شباب اليوم مثل هذا المشهد.. ليسأل شباب اليوم من عاش جيدا تلك الايام عن احد ابناء اربيل الذي كان ضابطا في الجيش العراقي وتم اعدامه على اساس انه خائن.. ثم فيما بعد اعلن انه كان بطلا واعتبروه شهيدا.. احد الاصدقاء سالني وقتها: اليس الخائن مصيره جهنم وبئس المصير.. اجبت بنعم.. سألني والشهيد اليس مصيره الجنة قلت نعم.. فعاد يسأل وهل بامكان قائد القادسية ان ينقل فرداً من النار الى الجنة..؟
ولم استطع ان اجيبه..
بكل اسف شباب اليوم يظنون انها وصلت اليهم هكذا بكل سهولة ويسر.. لايعلمون الثمن الباهظ الذي دفع في سبيل تحقيق ما تحقق.. وانا هنا لا اريد ان احرمهم من الاستمتاع بما تحقق ولكنني اريدهم ان يكونوا على وعي تام بالثمن الذي دفع في سبيل ذلك.. انهار من دم الشهداء.. آلاف القرى المحترقة.. العديد من المقابر الجماعية وغيرها كثير…
كنت اود الا تكون بدايتي مع التآخي كلاما بهذه الكآبة ولكنني احب كوردستان واهل كوردستان وسعيد بما تحقق وسأكون اسعد الناس عندما اجد حرص الشباب على ما تحقق ولن يكون هذا الحرص الا اذا ادرك الشباب جيدا الثمن الذي دفع من اجل تحقيقه..
واذكر في لقائي مع السيد رئيس حكومة كوردستان الاستاذ نيجيرفان البارزاني ان سألني عن انطباعي عما تحقق في كوردستان فكانت اجابتي ما تحقق هو معجزة بكل المقاييس.. فما يحدث بهذه الوتيرة ازعم انه لايحدث مثله في اي مكان في العالم..
ولانني اؤمن بالحكمة التي تقول صديقك من صدقك لا من صّدقك ولانني اعلم تماما مدى ثقة القيادة الكوردية فيما اقول وانهم يعلمون ان اي نقد يخرج مني ينطلق من الحب والحرص على هذه التجربة العظيمة لذلك فقد قلت لسيادته لابد من التنمية البشرية.. لان التنمية المادية ان لم يواكبها تنمية بشرية فان الاولى معرضة للضياع واشهد انه اخذ ملاحظتي باهتمام شديد.. وتوعية الشباب بثمن ما تحقق هو جزء مهم من هذه التنمية البشرية..
والى لقاء آخر.

االتآخي