الرئيسية » مقالات » على طريق الحرية

على طريق الحرية

هناك شيء من الرمزية في أن الكهرباء قطعت في وقت واحد تقريبا عن دمشق و غزة و حتى بيروت..رغم أن السبب وراء العتمة التي فرضت علينا كان مختلفا..خلافا لحصار أولمرت و بوش و زعماء العرب على غزة كان هذا سوريا تعبيرا صارخا و مبسطا في نفس الوقت على حالة النظام السوري اليوم المنهمك حتى الاستغراق التام في نهب البلد و تراجع الدور المزعوم التقليدي للدولة حتى الاضمحلال هذا الدور الذي شكل مبرر وجودها في تأمين مستوى معين من الخدمات رغم أن هذه الخدمات كانت على الدوام توزع كما هو حال الثروة “الوطنية” وفق غياب عدالة التوزيع بين الريف و المدينة , بين الأغنياء و الفقراء..يمكننا هنا أن نعرج على حزام الفقر الذي نما حول دمشق مع اشتداد كثافة الهجرة من الريف إلى دمشق حيث تحشر أعداد هائلة من الفقراء في ظروف غير إنسانية..إن الفقر و حتى الجوع الفعلي الذي تسببه سياسات النظام لا تفرق هنا بين أبناء هذه الأحياء التي يشكل العلويون جزءا هاما منها في المزة 86 و عش الورور و غيرها , رغم أن انتماء عدد هام من هؤلاء لأجهزة الأمن و الجيش يسمح لهم ببعض الإسمنت و البنزين و المازوت المجاني الذي “يتدبرونه” من أماكن عملهم في “تعويض” نسبي عن الدور الذي يحاول النظام أن يستدرجهم لكي يلعبوه كقاعدة مضمونة للنظام إن لم يكن كحماة لسطوته..إن مقارنة بسيطة بين شوارع المزة فيلات أو القصور المنتشرة من الديماس إلى جديدة يابوس التي يذكر بعضها بقصص ألف ليلة و ليلة و ليالي هارون الرشيد و الشوارع المكتظة في الدويلعة و القدم و “مرتفعات” عش الورور يجعلك تتساءل فورا عن السبب الذي يمكن النظام من تحويل فقراء معدمين كعناصر الحرس الجمهوري الذين استحضرهم من قراهم إلى السومرية إلى قوة دفاع عن قصوره و عن نظام يحرمهم كسواهم من أبسط حقوقهم في الحياة..لماذا ما يزال بمقدور النظام أن يقنع هؤلاء بهذا التقسيم الغريب : أن يجلس أزلامه في القصور تاركا حراستها لهؤلاء المساكين ؟ ما الذي يجعل الحرية كلمة جوفاء بالنسبة لهؤلاء الفقراء و لماذا لا تستطيع المعارضة الديمقراطية أن تقنعهم بمشروع بديل يمنحهم الحق بحياة كريمة بعيدا عن قهر النظام و الخطر المحدق بهم ؟..في الحقيقة أنا لا أعرف أي مواطن خارج المعارضة ( بمن فيهم العلويون ) ما عدا قلة قليلة مستفيدة تعيش كالطفيليات في ظل كبار الحرامية و “صغار أو ميكرو صغار الكسبة” , يبقى السؤال الأكبر هو عن السبب الذي يجعل هؤلاء ( أغلبية الشعب السوري ) محايدين “سلبيين” بالنسبة لقضية مصيرهم..طبعا من المؤكد أن النظام عبر سلسلة طويلة من القمع و تكميم الأفواه تمكن من فرض الصمت على الأغلبية الساحقة من الشعب و أن الحديث عن إمكانية تحدي كل هذا الكم من الخوف و التسليم بمجرد رفع شعار الحرية أي تحرير الناس من القمع و الفقر الواقع عليهم بفضل النظام هو تفكير طوباوي أكثر منه جدي..لكن أيضا يجب الإقرار بأن التغلب على كل هذا القمع و القهر الذي انتقل إلى داخل أرواحنا و عشش في أعماقها ليجعل منا خدما مطيعين لمستبدينا يحتاج إلى درجة استثنائية من الوضوح و المباشرة و اقتسام شروط الحياة و متاعبها مع الناس و إلى درجة من الصدق نفتقدها في حياتنا اليومية ناهيك عن السياسية التي تتمتع عادة بدرجة “أرقى” من ممارسة الخداع و الكذب , من المؤكد أن الناس حساسة للكلام الصادق و على نفس درجة الحساسية تميز الكلام الفارغ..النظام يضطر للاحتفاظ بعشرات أجهزة الأمن و فروع المخابرات في نشاط و استنفار دائم ليجبر الناس على التصفيق أو حتى الصمت عندما يمارس تزويره العلني للحقيقة , السؤال هنا هل تستطيع المعارضة “الديمقراطية” إقناع الناس أو أساسا هل تحتاج لإقناعهم “بقضيتهم” ؟ سأقول ببساطة هنا و بدون تزويق للكلام أنه كي نكون مقنعين و نحن نتحدث عن الديمقراطية يجب أن نكون ديمقراطيين أو على الأقل أن نبدو كديمقراطيين , علينا أن نتحدث بجرأة و دون خطوط حمراء ( أي كما يفعل النظام ) عن كل ما يتناول موضوع الحرية حريتنا كسوريين..يفترض أن نمارس كمعارضة ديمقراطية حوارا مفتوحا إلى أبعد حد مع أنفسنا و مع الآخر و خاصة مع الناس لا يمنح أفضلية و لا عصمة لأي كان لا منا و لا من “الحلفاء” و أن يكون سلاحه الوحيد الحجة و أن يؤسس على القبول بالآخر..أنا أعتقد أنه علينا أن نركز على تنمية تربيتنا الديمقراطية لأنفسنا و للآخرين و للناس , أن نمارس أوسع حوار و نقد ضد كل ما يخلق و يكرس الاستبداد في حياتنا مهما بدا “محرما” “ممتنعا” على النقد , أن نبدأ بتلمس الحرية في داخلنا , يجب هنا أن نذكر كم الشجاعة الذي كان على الثوار الأوائل أن يملكوه و كم الخوف الذي كان عليهم تحديه , مهما بدا ذلك الأمر تافها اليوم فإن من قام بقطع رأس لويس السادس عشر كان عليه أن يتغلب على الكثير من الخوف و التخويف من الدماء الزرقاء “المختلفة” كالعادة التي تسري في عروق السادة و من الجحيم مصير الثائرين على قدرهم الذي حددته السماء..إن من قام بتحدي أول دجال مشعوذ في التاريخ كان يتمتع بشجاعة استثنائية بمقاييس أيامنا , كان عليه أن يجد في توقه للحرية الجرأة المطلوبة ليتمرد و ينتصر لحريته و لعقله أي لإنسانيته..إننا نتصرف اليوم كعبيد نموذجيين محاصرين بالخوف و التفاهة تستغرقنا الاتهامات تجاه كل شيء و تداعب عجزنا أوهام التغيير بيد الخارج و كأن هناك أي فرق بين الدبابات التي جاءت بالديكتاتور في الماضي أو الدبابات الأمريكية التي تعدنا بأسياد جدد..إن البديل الذي نراه للنظام لا يتعلق باستبدال سادة بآخرين نير بآخر , إن هذا البديل هو أن نخلق شعبا من الأحرار يمارس حريته دون خوف دون قيود و دون محرمات..أيها السادة , هذا العالم ملك لنا جميعا هو لكم حتى اليوم لكنه في الغد سيكون كما هو أو كما خلق لنا جميعا نحن بني البشر الأحرار المتساوون..