الرئيسية » مقالات » ماركس … وبعض القضايا القومية !

ماركس … وبعض القضايا القومية !

يدور الجدل أحيانا حول موقف ماركس من المسألة القومية ، لاسيما حول شعار حق الأمم في تقرير مصيرها، وحول مواقفه من حقوق الأمم الصغيرة …وحول المسألة الأيرلندية، ومن الاحتلالات الرأسمالية للأمم المتخلفة، ومن ضد تطلعات الشعوب السلافية للتحرر.. والحقيقة أن هذه القضايا شملت عديدا من المواقف والأفكار لماركس، وأثارت كثيرا من التساؤلات، ربما سنفاجأ ببعضها لو عزلناها عن سياقها التاريخي، ونظرنا إليه بمنظار اليوم، فكيف يمكن القبول بالاحتلال كمبدأ في بعض الحالات ؟ وقد أشاد بجدواه ماركس وإنجلز.. بداية نقول، ينبغي أن يوضع النقد والتقويم لأي حدث في إطاره التاريخي ، لكي يفهم ويستوعب، ويأتي الحكم بالتالي آخذا ذلك في الحسبان . وعلى العموم نحن مطمئنون أن ماركس لم يكن في أي يوم ضد حقوق الشعوب، بل تعد مناصرة هذا الحق مأثرة لماركس وإنجلز ولينين على نطاق العالم قاطبة، وربما لأجل هذا الحق اكتسب هؤلاء العباقرة أحقاد المستعمرين والاستغلاليين، أما أنهما ــ ماركس وإنجلز أخطأا أو توهما في توقعاتهما فهذا شيء آخر، وإنجلز نفسه يقول كثيرا ما أخطأنا أنا وماركس في تحليلاتنا، كما أن ماركس لم ينظر في هذه المسألة بهذه البساطة، فمثلا هناك من اعتبر(باكونين كمثال ) حق الشعوب في تقرير مصيرها حقا مطلقا دون أي اعتبار للمسائل الأخرى، في حين أن ماركس وإنجلز أخضعا هذا الحق ، وربطاه بالتطور والتقدم الاجتماعي العام…..كان أهم خط نضالي عند ماركس ، واتخذه كمعيار للحكم على الأمم المتطلعة للاستقلال والتحرر، هو مع من تقف هذه الأمم في الصراع الوشيك الذي يدور بين الغرب الثوري ، والشرق المضاد للثورة، وعلى هذا الأساس كان يتم فرز الأمم ، هذا من جانب، ومن جانب آخر، عندما كان الأمر يتعلق بتنفيذ حكم التاريخ ، كان ماركس وإنجلز يتجاوزان النظرة الأخلاقية في التعاطف مع الشعوب المضطهدة ، هذه المشاعر والتأملات العاطفية تفقد قيمتها في الصيرورة التاريخية الصاعدة، فقد وجدنا إنجلز يقول لولا عبودية العصر القديم لما كانت هناك اشتراكية، أي إن الانتقال من المشاعة البدائية إلى المجتمع العبودي الطبقي حيث تضطهد طبقة طبقة أخرى، أو بتعبير آخر استعباد إنسان لأخيه الإنسان، بغض النظر عن تعاطفنا مع المستعبد ــ بفتح الباء ـ هو الذي دشن الطريق ومهدها لتعاقب التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية … وهنا لا بد أن نستوضح بعض المسائل المثارة التي هي مثار جدل ونقاش من قبل بعض المتابعين، سواء أراد المتابع النيل من ماركس وموقفه في القضايا القومية، أم أراد استجلاء موقف ماركس وتبرئة ذمته ممن أرادوا تشويه موقفه في المسائل القومية .. تلكم هي غايتي من هذه القراءة والمتابعة…

ولنبدأ بالمسألة البولونية أولا…
احتلت الثورة الاجتماعية عند ماركس المحل الأول، وقد عرض في عام 1847 موقفه من الكفاح القومي البولوني حيث يقول:( إن وحدة وإخاء الأمم ليسا سوى جملة فارغة تتشدق بها اليوم سائر الأحزاب وبالأخص منها دعاة حرية التجارة البرجوازيون…… لكي تستطيع الشعوب أن تتحد بالفعل ينبغي أن تكون مصلحتها مشتركة، وكي تكون مصلحتها مشتركة يجب إزالة علاقات الملكية القائمة حاليا، لأن علاقات الملكية الحالية تشترط استغلال الشعوب بعضها لبعض.. إن إلغاء الملكية الراهنة هو في مصلحة الطبقات العاملة المشتركة وانتصار البروليتاريا على البرجوازية، هو لهذا السبب علامة تحرر سائر الأمم المضطهدة ) وموقف ماركس هذا يعني أن تحرر بولونيا سيتم عبر انتصار البروليتاريا على الرأسمالية، لا عن طريق الكفاح القومي البولوني. ورأى أن إنجلترا في مقدمة الدول التي بلغ التناقض أوجه بين البروليتاريا والبرجوازية وبانتصار البروليتاريا الإنجليزية على برجوازيتها سيتحقق انتصار سائر المضطهدين على مضطهديهم.. لهذا يشير ماركس إلى ” الشاراتيون” ــ الشارتية أول حركة جماهيرية في التاريخ للطبقة العاملة في بريطانيا خلال العقدين الرابع والخامس من القرن التاسع عشر ــ أشار إليهم بضرب أعدائهم الداخليين، أي ضرب المجتمع القديم… لكن المفاجأة تأتي من موقف إنجلز المتناقض مع موقف ماركس في المسألة البولونية ففي كلمته في نفس المكان والزمان اللذين شهدا خطاب ماركس ، وقد اقتبسنا الفقرة السابقة من خطابه المنوه عنه ، يقول إنجلز: ( فنحن الديمقراطيين الألمان لدينا مصلحة خاصة في تحرير بولونيا …….فإن تحرير ألمانيا سيبقى غير ممكن إن لم تتحرر بولونيا من الاضطهاد الذي يمارسه عليها الألمان ) وكان إنجلز منسجما مع التوجهات الديمقراطية السائدة في أوربا، ومثل هذا الموقف سوف يتشبث به ماركس لاحقا في المسألة الأيرلندية كما سنرى بعد قليل…
بعد فشل ثورة 1848 أجرى ماركس تطويرا في مفاهيمه وفي نظريته الثورية وتعديلات في مواقفه، فما عادت لغة التفاؤل باختفاء البرجوازية سريعا هي اللغة السائدة، بل رأى في البرجوازية إمكانية إرجاء اختفائها عن مسرح التاريخ لمدة أطول، وراح ماركس يؤيد باندفاع طموحات ( الألمان والبولونيين والإيطاليين والمجريين نحو الاستقلال والوحدة القومية ) لكن ماركس وإنجلز في الوقت ذاته كافحا بحزم ضد الحركات القومية ( الشعوب غير التاريخية ) بتعبير إنجلز ومنها (التشيك والأوكرانيون والسلوفاك والرومانيون ) وكان العامل المقرر في تقييمهما لتلك الحركات القومية مع من تقف هذه الحركات في الصراع الوشيك والمحتم بين الغرب الثوري والشرق الرجعي المضاد للثورة، وقد اتجهت طموحات شعوب المجموعة الأولى ومن ضمنها بولونيا ضد الدول ذات الملكيات المطلقة، أي ضد روسيا القيصرية وحلفائها، وهذا الموقف استأثر باهتمام ماركس فمحض تلك الحركات تأييده. ..إذن راح ماركس يؤيد استقلال بولونيا ووقف ضد القيصرية الروسية ونفوذها الرجعي، وذلك انسجاما مع الوجهة الديمقراطية السائدة في أوربا ، فالقيصرية الإقطاعية كانت تعد قلعة الرجعية في أوربا، وهي كانت تقمع أية حركة تحررية ، فقد قضت على انتفاضة ـ مجر ـ الثورية في سبيل التحرر الوطني، فضلا عن وقوفها في تحالف مع فرنسا الإمبريالية في تهديداتها ضد ألمانيا غير الإمبريالية حسب التوصيف آنذاك.. لهذا فالخط النضالي الأول عند ماركس وإنجلز هو النضال ضد القيصرية الروسية ، ولهذا السبب أيضا وقف ماركس وإنجلز ضد تطلعات شعوب في التحرر اتهماها بأسرها بالرجعية ، كونها بمثابة ( مراكز أمامية روسية ) فقد وقف ماركس ضد حركة التشيك والكروات التحررية ـ كما نوهنا ـ خشية أن تستغل تلك الحركة من قبل روسيا الرجعية ضد هنغاريا، في حين كان يرى نضال المجريين في سبيل الاستقلال أمرا هاما بالنسبة لمستقبل الحركة البروليتارية، وقد صنف ماركس وإنجلز الشعوب الألمانية والبولونية والمجرية بالشعوب الثورية . وانسجاما مع قناعتهما كان ماركس وإنجلز يريان من أن تحرر الشعوب الكبيرة فوق مصالح حركة تحرر الأمم الصغيرة، وكانا أيضا على يقين تام من صراع وشيك سيقوم بين الغرب الثوري المتمثل في ألمانيا على وجه الخصوص من جانب، وفرنسا الإمبريالية وروسيا القيصرية الإقطاعية من جانب آخر، وكان يتم فرز الأمم بالدرجة الأولى مع أية جهة ستقف، كما نوهنا قبل قليل، كما أيدا في الوقت نفسه جرمنة وهنجرة الشعوب والأمم الصغيرة، أي مع تمثل الأمم الصغيرة وانحلالها ضمن الأمم الكبيرة، ولا ننسى أن ماركس وإنجلز كانا يتوقعان، أو فلنقل يتوهمان عن قيام ثورة اشتراكية وشيكة في القسم الأوربي المتطور على أقل تقدير ، حتى حدا بعض الماركسيين من القول، باستطاعتنا أن نضع أيدينا في جيوبنا وليعمل الآخرون ما يعملون فالثورة وشيكة وهي آتية دون ريب في غضون عقد أو عقدين على أبعد تقدير… أما عن نقطة انحلال الشعوب الصغيرة وتمثلها من قبل الأمم الكبيرة ، هذا الموقف من قبل ماركس وإنجلز أخذ في ظروف خاصة استثنائية، فقد أقلعا عنه ، واعتبر هذا الموقف خطأ من قبلهما، كتب كار ل كاوتسكي 1854 ـ 1938: ( هكذا رأى ماركس وإنجلز عام 1848 في بعض الشعوب السلافية، وفي الغاليين والبروتون شعوبا مصيرها الاندثار لغضبهما بسبب المساعدة التي وجدتها الثورة المضادة لدى السلاف …. هذا الموقف كان خطأ وقد أقلع معلمانا بالفعل عن الإدلاء بتصريحات مماثلة فيما بعد. ) لقد كانت حقوق الشعوب في تقرير مصيرها بالنسبة لماركس وإنجلز، كما ينقلها كاوتسكي خاضعة ( لمتطلبات التطور الاجتماعي العام، الذي يشكل نضال الطبقات البروليتارية قوته المحركة الرئيسة ) لهذا وقف ماركس ضد تحرير أيرلندا عن إنجلترا لأن هذا التحرر صعب تحقيقه من جانب، فضلا من أنه يضعف القوى البروليتارية في المترو بول من تحقيق الثورة الاجتماعية ، لهذا كان ماركس يقول ، إن استقلال أيرلندا سوف يظفر به في لندن وليس في دبلن، فإن ( جهد بعض الأمم في التحرر ما أن يتعارض مع مصالح البروليتاريا ….. عشية ثورة معبئة مرتقبة حربا بين فرنسا وألمانيا ) فبتحرر البروليتاريا سوف تظفر تلك الأمم على حريتها، إذن فما عليها إلا أن تصبر وتنتظر وألا تشوش على ( مشروعات البروليتاريا المنخرطة في النضال ) حسب تعبير إنجلز . ولماركس موقف مماثل من مشكلة الجزائر كموقفه من استقلال أيرلندا، فكان السائد، من أن انتصار الاشتراكية في فرنسا، فإن مشكلة الجزائر سوف تحل تلقائيا، وكانت تتردد ذات العبارة وهي إن استقلال الجزائر سيحدث في فرنسا وليس في الجزائر، لهذا السبب كانت الجماهير المشبعة بالأفكار القومية تنفض عن الشيوعيين ليبحثوا عن زعماء قوميين ومنظمات ذات نزعات قومية…هكذا كان موقف ماركس في المسألة الأيرلندية منذ عام 1848 لكنه عاد فدقق موقفه وطوره ليقول في رسالة منه إلى إنجلز في عام 1867 لقد ( اعتبرت في السابق انفصال أيرلندا عن إنجلترا أمرا مستحيلا، أما اليوم فأرى في هذا الانفصال أمرا لا يمكن تفاديه، مع أنه قد يعقب الانفصال اتحادهما ) وبعد عامين عاد ليقول : ( اعتقدت لفترة طويلة أن من الممكن إسقاط النظام الأيرلندي من خلال صعود الطبقة العامة الإنجليزية، لكن الدراسة المعمقة أقنعتني بالعكس، فالطبقة العاملة الإنجليزية لن تستطيع فعل أي شيء على الإطلاق قبل أن تتخلص من أيرلندا، إن علينا وضع الرافعة في أيرلندا، فذلك سيجعل المسألة الأيرلندية شديدة الأهمية بالنسبة للحركة الاجتماعية عموما ) وهذا الموقف الأخير لماركس من المسألة الأيرلندية مشابه إلى حد بعيد لموقف إنجلز في المسألة البولونية ، ويتجلى هذا الموقف بشكل أكثر وضوحا في العبارة التالية لماركس، ففي عام 1870 يرى ماركس قائلا : من أجل ( تسريع الثورة الاجتماعية في انجلترا، من أجل هذا الهدف، يجب علينا القيام بالضربة الحاسمة في أيرلندا.) هكذا نظر ماركس إلى المسألة الأيرلندية، وهكذا تطور موقفه، فقد وجد أخيرا ضرورة التحرر القومي في أيرلندا، ورأى في هذا التحرر الشرط لقيام الثورة الاجتماعية في إنجلترا، وأقلع بالتالي عن الفكرة السابقة داعيا إلى انفصال الأمم الصغيرة عن الكبيرة، كما أدرك ماركس الترابط بين تطور إنجلترا وتخلف أيرلندا، وحمل إنجلترا الأسباب التي حالت دون تطور المستعمرة الأيرلندية…
بالرغم أن ماركس وإنجلز لم يخفيا مشاعر التضامن مع الأمم المضطهدة، إلا أنهما رأيا في الاحتلال القاسي والوحشي من قبل الدول الرأسمالية المتطورة صناعيا أمرا مبررا ومحمودا رغم قسا وته بغرض التقدم، فالأمم المتخلفة ترى في الدول الرأسمالية المتطورة صورة مستقبلها. كان ماركس وإنجلز يريان أن ( البرجوازي الحديث بالحضارة والصناعة والنظام والتنوير النسبي الذي تتبعه أفضل من السيد الإقطاعي، قاطع الطرق، وحالة المجتمع البربرية التي ينتميان إليها ) لهذا نظرا إلى احتلال فرنسا للجزائر بهذا المنظار، ولهذا السبب أيضا عبرا عن سرورهما من استيلاء أمريكا على المكسيك ورأيا في وصاية الولايات المتحدة على المكسيك من مصلحة تطور المكسيك العام، ولنفس الأسباب رأيا في احتلال إنجلترا للهند بأن هذا الاحتلال ( يحمل رسالة مزدوجة تدميرية وتجديدية ـ تدمير النظام الاجتماعي الآسيوي القديم، وخلق الأسس المادية لنظام اجتماعي غربي في آسيا ) كان ماركس مع تعزيز السوق الرأسمالية وبالتالي تعزيز التضامن العمالي، لهذا فقد تعاطف ماركس وإنجلز مع حركة توحيد إيطاليا رغم ما تميز هذا التوحيد من قسر وقسوة بغية خلق سوق رأسمالية، وعلى قاعدة التقدم والتنوير الحضاري الأوربي..

وأخيرا… فقد أثرنا نقطة في سياق هذا البحث نود التنويه بها ثانية، حيث سادت لفترة طويلة فكرة تفيد عن استحالة حل المسألة القومية في نطاق النظام الرأسمالي، إذن لابد طبقا لهذا المنطق من انتظار الثورة الاشتراكية لحل المسألة القومية بالتالي، ويبدو أن هذه المسألة واجهت لينين على الأقل نظريا لكنه كان حاسما في رده لدحض مثل هذه المزاعم حيث يقول : ( فالزعم أن حق الأمم في تقرير مصيرها غير قابل للتحقيق في نطاق الرأسمالية ….. نرى أن هذا الزعم خاطئ من أساسه ) ويستشهد لينين بانفصال النروج عن أسوج في عام 1905 …
لقد تمكنا من رصد هذا الغيض من المواقف لماركس في المسألة القومية، وحاولنا جهدنا أن ننقل المشهد كما هو مع تعقيبات صغيرة من جانبنا، وندع الفيض لمن أراد المزيد من البحث والتقصي للتعمق في المسألة القومية أكثر عند ماركس أو عند سواه، والمسألة بحق تستدعي مزيدا من البحث والمتابعة….