الرئيسية » مقالات » الإنســـــــان غايــــة الخــــلق

الإنســـــــان غايــــة الخــــلق

يبدو إننا لا نعيش في عصر تقبل الأخر ,بل نعيش في عصر الفوضى والعنف غير المبرر ,حتى أصبحت الخصومات البشرية أكثر اتساعا وأصبحت الحروب أكثر تدميرا حتى باتت تهدد البشرية .من هنا يجب إن نبحث عن حل لهذه المشكلات ,وان هذا الحل إذا ما وجد فسوف يسمح للأهداف ألمقدسة عند أصحابها إن تبرهن على جدارتها عن طريق ألمنافسة السلمية.إن تحقيق هذا الهدف يستدعي تفحصا جيدا لمقاييس القيم عند الجميع , ولا يكفي بان نقول ان الإنسان حر ومستقل إذا لم يتعلم كيف يمارس حريته واستقلاله ضمن حدود يفرضها السلم والتعاون واحترام حرية الآخرين ,وان أمال الناس لن تنتعش إلا عندما يظهر هذا الحق في مجال الأفق .
إن أول أنجاز تحقق في عصر النهضة هو تحرير العقل من عبودية وسلطة الكنيسة لكي يتمكن هذا العقل من إن يضع قواعده الخاصة في الإدراك والتفكير الذي يثيرهما حب الحقيقة.

يقول الإمام علي (ع) : (إن الله بعث الأنبياء إلى الناس ليثيروا فيهم مكامن العقول ).وان الأديان كلها تعلم إن الإنسان هو غاية الخلق وان تفوقه على المخلوقات يكمن في حريته ,وان الحرية هي قوام كرامة الإنسان ,لان البشر يمتلكونها على درجات متفاوتة بالرغم من أنها ليست امتيازا لفرد دون أخر,لان الحرية صفة شاملة ومن الأجدر إن تكون الدعوة لممارستها شاملة كذالك,والسبب في ذلك يرجع إلى إن الحرية ايقظت في البشر أحساسا برسالتهم المقدسة التي تتاح لهم لا عن طريق .الخلاص الديني فقط ولكن عن طريق طاقاتهم ألخلاقة كذلك .من هنا استطيع القول بان العلمانية لم تستخف بسلطة الدين ولكنها حاولت ان تفسح المجال لحقوق الشخصية الإنسانية ضمن إطار ديني وسياسي ,وان كانت قد اصطدمت مع الكنيسة فان ذلك حدث فقط عندما حاولت هذه الكنيسة أن تقمع العلمانية بقوة.
إن الخطر الفكري يعود إلى أمرين رئيسيين هما غلق العقل والتقاليد الموروثة,فالمعتقدات الدينية والاجتماعية التي اعتادها الناس لا تناقش غالبا لقدسيتها من جهة وما تشكله من سلطة على العقل من جهة أخرى,فالمعتقدات هنا تكون في اغلب الأحيان ضد روح البحث والاستقصاء .
إن أكثر فصول التاريخ الإنساني ظلاما هي تلك التي تحكمت فيها عقول مريضة استطاعت إن تخترع المعتقدات
على حساب القوى الفكرية ألنيرة وهذه ألحالة تعرف بالتعصب ,ويعتبر التعصب من أفظع القوى الإنسانية المدمرة للذات وأقواها شرا .أنها شريرة لأنها تهدم الرأفة وتزيل ضوابط الفكر النير وتجرد الإنسان من نزعته الإنسانية .لقد أكدت الدراسات ألاجتماعية والنفسية ,إن التعصب ليس له علاج وانه يستطيع أن يثور عندما يضعف الضغط عليه ولهذا يجب أن يكبح باستمرار.
فالإرهابيون أصحاب فكر مغلق وهذا ما يجعله خطرا وقاتلا ,والتاريخ مليء بالأمثلة على المغالاة في التعصب ,
لقد نبع من دوافع سياسية معروفة ودينية معروفة كذلك .فالدوافع السياسية ما أحدثته حركتا الفاشية والنازية والدوافع الدينية ما أحدثته الاضطهادات التي ألحقها الكاثوليك بالبروتستانت وكذلك الفضائح التي ارتكبتها محاكم التفتيش الأسبانية.
لقد كان وراء كل هذه النكسات الإنسانية سبب واحد لا غير هو عدم الاحتكام إلى العقل لان أصحاب العقول المغلقة لا ينشدون إلا مصلحتهم وكسب تأييد الجماهير حتى لو كان عن طريق القوة, وهذا حسب اعتقادي من أهم أسباب الاغتيالات السياسية التي يشهدها العراق في الوقت الحاضر.
ان العداء الذي نراه اليوم ضد أصحاب الفكر والثقافة ينبع بشكل كبير من التخلف وان الدراسات ألنفسية تأكد ان هنالك نزوعا عند بعض الناس وخاصة المصابين بأمراض نفسية يحطون من قيمة الشيء الذي لا يستطيعوا إن يدركوه ,فيعوضون عن قصورهم وتخلفهم بإثارة الرأي العام من اجل الاستخفاف بنجاح الأخر .
وهذا الحافز النفسي هو الذي يدعو الفقير إلى احتقار الغني ,والجاهل الى احتقار العلم ,وغير المثقف إلى احتقار الثقافة ,غير إن هذا الاحتقار يظهر بشكل واضح عندما يتحالف هذا المتخلف مع الذين يشاركونه الموقف ,وبهذا يكون قد خدع نفسه والآخرين على حد السواء .