الرئيسية » مقالات » في الذكرى السادسة لـ(غزوة مانهاتن!!)

في الذكرى السادسة لـ(غزوة مانهاتن!!)

تمر اليوم الذكرى السادسة لكارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001 التي أودت بحياة نحو ثلاثة آلاف إنسان بريء، والتي اعترفت قيادة منظمة (القاعدة) الإرهابية بمسئوليتها عنها. كما أكد ذلك بن لادن نفسه، زعيم المنظمة مراراً وتكراراً هذه المسؤولية، وقد أسماها بـ”بغزوة مانهاتن.” وكان أخرها خطابه الأخير بذكرى هذه الكارثة حيث حيا الـ “19 كوكباً” من الذين قاموا بتنفيذ الجريمة النكراء وبشرهم بالجنة وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون!! ولكن رغم كل هذا التأكيد من زعيم القاعدة، فمازال هناك من المدمنين على نظرية المؤامرة من العرب يصرون أن كارثة 11 سبتمبر كانت من صنع وتدبير المخابرات الأمريكية والإسرائيلية، من أجل إيجاد المبررات لشن الحرب على الإسلام!! ولا أدري لماذا تريد أمريكا مثل هذه المبررات الكارثية لأجل شن الحرب على النظامين الدمويين، حكم طالبان في أفغانستان، وحكم البعث في العراق. والأدهى من كل ذلك، أن بعض الجهات العربية والإسلامية لم تخف شماتتها وفرحها الساذج بهذه الكارثة في وقتها، معتبرة إياها “نصر من الله وفتح قريب” للأمة الإسلامية على “ملة الكفر” وأنها البداية لزوال إمبراطورية الكفار!!
حكمة التاريخ
وهذه مناسبة للمراجعة والتأمل واستخلاص الدروس والعبر ومناقشة أولئك الذين مازالوا يصرون على دعم الإرهاب بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء بالفتاوى الدينية أو الترويج والتبرير له إعلامياً. نعتقد أن كارثة 11 سبتمبر هي واحدة من الزلازل التاريخية التي تركت بصماتها على البشرية وإلى مستقبل غير منظور، وهي من التقاطعات التي غيَّرت مسار حركة التاريخ والتي يمكن أن تسمى بمكر التاريخ أو حكمة التاريخ أو (الفكرة أو الروح المطلقة) حسب تعبير هيغل. المهم أنه رغم عشوائية الأحداث التاريخية الكبرى ولاغائيتها، إلا إن المحصلة النهائية هي في صالح البشرية وخيرها، وإن الخط البياني لمسار التاريخ يتجه إلى الأعلى وإلى الأمام upward and forward وهو ما نسميه بالتطور ونحو الأفضل. وهذا لا يعني عدم حصول تعرجات وكوارث وتراجعات مؤقتة محلية وعلى المدى القصير إثناء المسيرة التاريخية، كما يحصل الآن في العراق مثلاً، ولكن على المدى البعيد، فالبشرية تسير إلى الأمام ونحو التقارب والتلاقي بين الشعوب وانتصار الخير على الشر والتقدم على التخلف والحضارة على الهمجية والعلم على الجهل والإنسانية على الوحشية.
وحسب قراءتي لعدد من المصادر المهمة عن فلسفة وقوانين حركة التاريخ، توصلت إلى قناعة بما قاله العلامة علي الوردي، أن الخير والشر هما ساقا البشرية تسير بهما نحو التقدم، ولولا الشر لما عُرِفَ الخير، فالخير يولد من رحم الشر. وتأسيساً على ذلك، فإن كارثة 11 سبتمبر 2001 التي قامت بها منظمة (القاعدة) الإرهابية بضرب أمريكا في عقر دارها، كان لها دور إيجابي كبير في حماية البشرية وبالأخص الدول العربية، من الإرهاب الإسلامي وشروره، وفق مقولة (رب ضارة نافعة) ودفع العملية الديمقراطية إلى الأمام في دول منطقة الشرق الأوسط.

هل العالم أكثر أمناً اليوم؟
هذا السؤال يطرحه بتكرار ممل معظم الكتاب الذين يضمرون العداء والكراهية لأمريكا بصورة عامة، ولرئيسها جورج دبليو بوش بصورة خاصة، وحتى المعارضة الأمريكية والأوربية للحرب على الإرهاب، يعتقدون أن العالم اليوم وبالأخص الغرب، أكثر تعرضاً لخطر الإرهاب مما كان عليه قبل تحرير أفغانستان والعراق، ودليلهم على ذلك هو ما حصل من تفجيرات في مدريد ولندن والمغرب والجزائر وغيرها، وما يجري من تصاعد موجة الإرهاب في العراق وأفغانستان وأماكن أخرى من المعمورة. يحاول هؤلاء إقناعنا والعالم أنه لولا حرب جورج بوش وتوني بلير وحلفائهما على الإرهاب وإسقاط نظام البعث في العراق، لكان العالم الآن أكثر أمنا وسلاماً، وأن هذه الحرب جعلت أمريكا مكروهة أكثر في العالم مما كانت عليه قبل الحرب بقيادة بوش!!
لنفرض جدلاً بصحة ادعاءات هؤلاء ولو مؤقتاً. لنرى ماذا كان سيحصل لو لم تتدخل أمريكا في إسقاط النظامين الفاشيين، الإسلامي الطالباني في أفغانستان، والبعثفاشي في العراق، وملاحقة الإرهابيين في كل مكان من العالم؟ وهل كان هناك دول أخرى بإمكانها القيام بهذه المهمة غير الدولة العظمى؟
فمن نافلة القول أن للإسلاميين الأصوليين في منظمة القاعدة أهدافاً إستراتيجية بعيدة المدى لا تقف عند حد، حيث قد قسموا العالم إلى فسطاطين لا ثالث لهما وهما: فسطاط كفر وفسطاط إيمان، وإنهما في حالة حرب إلى أن تقوم دولة الخلافة الإسلامية ترفرف رايتها على مقر الحكومة البريطانية وقصر بكنغهام في لندن، وبالتالي في كل بقعة من العالم. وقد أكد ذلك مجدداً أسامة بن لادن في خطابه على شريط الفيديو الذي بثه قبل يومين، مطالباً الشعب الأمريكي بـ”التخلي عن الديمقراطية واعتناق الإسلام”. وبذلك فقد أكد بن لادن أن الغرض الرئيسي وراء الإرهاب هو أيديولوجي حسب العقيدة الوهابية السعودية وليس لأي سبب آخر. وعليه، ووفق هذه الآيديولوجية، فجميع الناس من غير المسلمين، وحتى المسلمين من غير الوهابيين، هم مشاريع قتل ومصادرة ممتلكاتهم وسبي نسائهم وأطفالهم وبيعهم في أسواق النخاسة كإماء وجواري وعبيد، ما لم يعلنوا إسلامهم ووفق المذهب الذي يؤمن به أعضاء تنظيم القاعدة.
ولم تقف طموحات منظمة (القاعدة) وفروعها عند ضرب المجتمع الغربي فحسب، بل غايتهم إسقاط جميع الحكومات العربية والإسلامية وإقامة أنظمة شبيهة بإمارة طالبان في أفغانستان أو ملحقة بها. وما جرى في الجزائر من مجازر منذ عام 1992 كان من أجل هذه الغاية أي لإقامة النظام الإسلامي وحكم الشريعة، وكذلك المجازر التي تعرضت لها مصر، كلها حصلت قبل 11 سبتمبر 2001، تؤكد أهداف منظمة القاعدة. ولهذا السبب نعتقد أنه لولا التدخل الأمريكي، لحققت (القاعدة) الكثير من أهدافها وربما امتلكت أسلحة الدمار الشامل وعندها لم تستطع أي دولة عربية أو إسلامية الوقوف بوجهها ولتساقطت هذه الدول الواحدة تلو الأخرى، وصارت جزءً من دولة الخلافة الإسلامية البنلادنية المنتظرة التي تملأ الأرض خراباً. وكلما استقوت هذه الدولة الإرهابية توسعت نشاطاتها وضعفت الدول الأخرى. وبذلك لكان الإرهاب شاملاً بشكل مروِّع لم تستطع أية دولة أخرى الوقوف بوجهه غير الدولة العظمى. لذلك اعتقد جازماً أن ما يحصل الآن من إرهاب هو في حده الأدنى مقارنة بما لو لم تتدخل أمريكا ضده.

تمويل الإرهاب
من الجدير بالذكر، أن هناك عدد كبير من الأثرياء العرب في الخليج ومناطق أخرى من العالم، وحتى بعض الحكومات العربية النفطية، يمولون هذه المنظمات الإرهابية لأسباب مختلفة، منها أيديولوجية ومنها لتفادي شرهم مقابل عدم قيام هذه المنظمات بأعمال إرهابية في بلدانهم. ومنها سخرت وسائل إعلامها وفضائياتها لخدمة الإرهاب فصارت بوقاً للإرهابيين ونشر أخبار “غزواتهم” وبياناتهم والترويج لهم وتمجيد الأعمال الانتحارية بأنها أعمال بطولية جهادية إستشهادية في سبيل الله والإسلام ضد الكفار. كذلك ساعدت هذه الجهات بفتح مصارف وحسابات مالية لصالح الإرهاب منتشرة في مختلف أنحاء العالم تمتلك استثمارات هائلة في الشركات الغربية وأسواق البورصة تدر على منظمة القاعدة بالأرباح الخيالية لتمويل جرائمها وإدامة ماكنة إرهابها. ومن نافلة القول أن هذه السياسة ناتجة عن جهل وقصر نظر وانتهازية، لأن في نهاية المطاف، لا يمكن استرضاء الإرهابيين، ولو قدر لهم أن ينتصروا، فإنهم سينقلبون حتى على الذين مدوا لهم يد المساعدة، ما لم يخضعوا لهم بالكامل. وما تعانيه المملكة السعودية من إرهاب القاعدة بين حين وآخر، لدليل واضح على صحة ما نقول. إذن، ما هي الجهة التي لها القوة العسكرية والقدرة المالية والخبرة الاستخبارتية والتكنولوجية المتطورة لملاحقة ومطاردة منظمة القاعدة وفروعها الأخطبوطية ومصارفها المالية المنتشرة في العالم غير أمريكا؟

هل فشلت أمريكا في حربها ضد الإرهاب؟
يروج عدد كبير من الكتاب العرب والغرب وغيرهم من خصوم أمريكا الذين تعج بهم الفضائيات والصحف العربية والعالمية، أن أمريكا فشلت في حربها ضد الإرهاب كما فشلت في مهمتها في العراق، وكأن أمريكا أعلنت استسلامها للإرهابيين وانسحبت من العراق قبل إنجاز المهمة الأساسية ألا وهي بناء دولة عراقية ديمقراطية مستقرة. إن أقل ما يقال عن هؤلاء أنهم يمنون أنفسهم بترديد أفكار رغبوية wishful thinking وما يتمنونه يعلنون عنه كما لو حصل فعلاً، وكما يقول المثل: (التمني رأسمال المفلس). أنهم لا يدرون أو يتعامون عن قصد، أن لا أمريكا انسحبت من العراق ولا الحرب على الإرهاب قد انتهت. فأمريكا تخطط في علاقتها مع العراق على أساس إستراتيجية سياسية وعسكرية بعيدة المدى، وكذلك يتفق معظم قادة الدول الغربية أن الحرب على الإرهاب هي مسؤولية الجميع وأن الإرهاب هو دولي وليس هناك دولة بمنجى وحصانة منه. فالحرب على الإرهاب مستمرة سواء في عهد جورج دبليو بوش أو الذي يليه ومن أي حزب كان. فالسياسة الخارجية للدول الديمقراطية وبالأخص أمريكا وبريطانيا لن تتغير بتغير قادتها. وهذا ما أكد عليه معظم السياسيين الغربيين في تعليقاتهم على إدلاء شهادة القائد العسكري الأمريكي في العراق، الجنرال ديفيد بترايوس، والسفير الأمريكي في بغداد رايان كروكر، أمام اللجان المختصة لمجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين يوم 10 سبتمبر الجاري.

11 سبتمبر وبيرل هاربر
نؤكد مرة أخرى، أن للتاريخ حكمته البليغة، وفي المحصلة النهائية لا يصح إلا الصحيح ولصالح البشرية. وما يجري اليوم من إنجرار أمريكا في الحرب على الإرهاب، هو تكرار لما حصل في الحرب العالمية الثانية، حيث كانت أمريكا بعيدة عنها ولم تكن طرفاً فيها، ولكن غباء القيادة العسكرية اليابانية دفعها إلى ارتكاب حماقة القصف الجوي لبيرل هاربر الأمريكية، الأمر الذي أخرج أمريكا من صمتها وعزلتها، فانطلقت غاضبة بكل جبروتها وشاركت في الحرب بكل ثقلها وألحقت الهزيمة بدول المحور. إن حماقة العسكرية اليابانية كلفت اليابان هزيمة مذلة وشنيعة وقصف مدنها، هيروشيما ونكازاكي، بالقنابل النووية. ولولا التدخل الأمريكي في تلك الحرب الكونية لكان العالم اليوم محكوم بالنازية الألمانية والفاشية الإيطالية والعسكرية اليابانية. ولكن أمريكا هي التي حسمت الأمر في صالح البشرية وجعلت أوربا واليابان تنعمان اليوم بالديمقراطية والحرية والازدهار الاقتصادي، وألقت الفاشية والنازية في مزبلة التاريخ كما حصل للقيطها البعث الفاشي في العراق وطالبان في أفغانستان.
إن ما حصل قبل ستين عاماً في بيرل هاربر وأدى إلى تغيير مجرى التاريخ نحو الأفضل، تكرر يوم 11 سبتمبر 2001 عندما قامت منظمة القاعدة بحماقة ضرب البرجين التجاريين في نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن، وكانت هناك طائرة رابعة متجهة لضرب البيت الأبيض لولا أن ضحى المسافرون بأنفسهم فأجهضوا العملية وأسقطوا الطائرة في مكان آخر. هذه الكارثة هي التي أخرجت أمريكا من سياسة العزلة التي خطط لها الجمهوريون بعد فوز الرئيس جورج بوش في الانتخابات الرئاسية عام 2000، للتفرغ لحل المشاكل الداخلية. لذا فهذه الكارثة غيرت سياسة الجمهوريين وأخرجت أمريكا من عزلتها بقوتها العظمى كالنمر الجريح لسحق الإرهاب والحكومات المارقة التي ترعى الإرهاب مثل حكومة طالبان وحكومة البعث في العراق.

وبمثل ما كان قصف بيرل هاربر أخرج أمريكا لتلعب دوراً تاريخياً في دمقرطة اليابان وألمانيا وإيطاليا وحماية أوربا والعالم من شرور النازية والفاشية، كذلك لعب الإرهاب الإسلامي في 11 سبتمبر 2001 دوراً أساسياً في جر أمريكا لسحق الإرهاب الإسلامي الفاشي ودمقرطة منطقة الشرق الأوسط الكبير. ليفهم المثقفون العرب المدمنون على العداء لأمريكا والغرب وأصيبوا بعمى التعصب، أنه لولا أمريكا لكانت الكويت وجميع دول الخليج بما فيها السعودية خاضعة الآن لحكم صدام حسين الفاشي. ولولا أمريكا لكان هناك المزيد من المقابر الجماعية في العراقية.

خلاصة القول، إن كارثة 11 سبتمبر 2001، كانت حماقة من نتاج التخلف العربي-الإسلامي، وكان رد الفعل الأمريكي في صالح البشرية عامة والعرب بخاصة وخلاص الشعبين، الأفغاني والعراقي من أسوأ الأنظمة الفاشية، وإخراج شعوب منطقة الشرق الأوسط الكبير من ظلام القرون الوسطى واستبداد الحكومات القبلية المتخلفة إلى نور الحداثة والحضارة والديمقراطية. وهذه هي حكمة التاريخ.