الرئيسية » مقالات » الثقافة السياسية ..ضرورة ملحة .. للبناء الديمقراطي في الدولة العراقية

الثقافة السياسية ..ضرورة ملحة .. للبناء الديمقراطي في الدولة العراقية

بعد أن كان ( الاستلاب السياسي) مظهرا ميز طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم في بلدنا على مدى أكثر من ثلاثة عقود في ظل ظروف قاهرة لمجمل الحياة في الدولة العراقية ، ولدت هذه الحالة نزعة من العداء تجاه السلطة التي تفرض ثقافة محددة على المجتمع ، فثقافة الحزب الواحد في ظل الدكتاتورية كانت تمارس بوسائل الإجبار والقسر معتبرة تلك الثقافة هي ثقافة الأمة وما عداها تعتبر( ثقافات فرعية ) ، لذا فالتثقيف وفقا لتلك الرؤية تشبعت به جميع مرافق الدولة ومؤسساتها وأمتدت من رياض الأطفال إلى الجامعات، ولعل في هذا الاتجاه أرادت تلك الفلسفة (المتنخرة )أن تلغي القيم والاتجاهات الفكرية والثقافية التي توسم طبيعة المجتمع العراقي ، وبالتالي تكريس قيم تتلاءم وطبيعة السلطة الدكتاتورية (الفاشية) آنذاك ، وكونت جماعات وزمر توالت المناصب الإدارية والسياسية لتسويق هذه المفاهيم بطرائق مختلفة .. وبالرغم من تمزق هذه الثقافة بعد عام 2003 بسبب هشاشتها من جانب وكونها نابعة من فلسفة واجهت أزمة كبيرة في مشروعيتها وشرعيتها حينما ابتعدت عن تاريخ مجتمعنا وتجارب حياته النضالية المختلفة والمتمثلة بقواه السياسية والحزبية والدينية التي تجسدت بكليتها في المجتمع من جانب آخر ، ظلت النخب السياسية في المرحلة الجديدة تدور في هذا الإطار وهي غير قادرة لتتجاوز تلك الثقافة وظلت تتخذ من الازدواجية ركنا أساسيا في خطابها ، وبغض النظر عن الدوافع والمبررات فان ذلك يشكل عائقا وخطرا حقيقيا ينخر الجسد العراقي من جديد ، فبدلا من إزالة الرواسب العالقة من خلال إحلال ثقافة سياسية جديدة محل الثقافة البالية التي كان يتمسك بها نظام الحزب الواحد ، ظلت تعمل هذه الثقافة بنفس المستوى ولكن بصيغة جديدة يطغي عليها عامل التكليف الشرعي والفتوى وتأسيس قاعدة وفق هذه الرؤية على قاعـــــــدة ( استغل الفرصة قبل فوات الأوان ) ، من هنا ولهذا المنطق تراجع المثقف السياسي وانشل دوره لان ( الأوان ليس أوانه والفرصة ليست مهيأة له ) !! وعليه فان البناء الديمقراطي للدولة العراقية وفقا لهذه القاعدة لا يمكن أن يصح مطلقا ما لم تطهر الثقافة من الرواسب القديمة والرواسب العالقة الجديدة التي تشكل عائقا لسير عمل النظام السياسي الجديد ، إذن كيف يمكن أن نحقق ذلك ؟ بالتأكيد الجواب لا يخرج عن دائرة الثقافة السياسية وضرورتها الملحة في عملية البناء الديمقراطي … كيف ؟
ينبغي من الهيئات الاجتماعية بكل طوائفها وتنوعها أن يتعاظم دورها بما يتلاءم ومكانتها في المجتمع العراقي المعاصر ، ففي الوقت الذي كان الإكراه والعنف ركنا أساسيا تبنته السلطة الحاكمة السابقة في العمل السياسي المنطوي على الشراسة والوحشية لتكرس سلطتها لمصلحة طبقة اجتماعية على حساب الطبقات الأخرى ، صار الآن وفي ظل المرحلة الجديدة التعدد والتنوع والحرية مظهرا رئيسا للمجتمع بل يشكل دعامة أساسية مهمة للتوجه الديمقراطي ، وهنا الأمر يتطلب ثقافة سياسية دائمة التطور مبرمجة لإشباع الحاجات الثقافية المتجددة التي تعني بالتوافق بين التطور الحقيقي للمجتمع وتطوره الثقافي ،لأنها تعكس القيم والمعتقدات والعواطف السياسية وكل ما يعتقده الشخص إزاء البنى والمؤسسات ، والإمعان في كيفية النظر إلى هذه المؤسسات وقواعد النظام السياسي وبالتالي التفاعل معها سلبا أو إيجابا فضلا عن تنظيم التبادل السياسي ، لذا فالمثقف السياسي يكون حلقة وصل بين مستوى الأفراد والجماعات من جهة والنظام السياسي من جهة أخرى، و ينعكس هذا بطبيعة الحال على السلوك العام للمجتمع ومدى استجابته إلى هذه السلطة أو تلك .
إن التحول الديمقراطي الذي يمر فيه بلدنا ألان لابد أن يرافقه إطلاق للحريات السياسية التي تساهم بشكل كبير في بناء شخصية الفرد والجماعة على حد سواء بعد ان فقدت تلك الحريات والى ألان بناء وعيها بحرية ، لذا يتطلب قبل كل شيء فهم الظواهر الاجتماعية والسياسية وتحديد المواقف إزاء التطورات الحالية والمستقبلية ، وهنا يأخذ المثقف دوره الفاعل على اعتبار آن المثقفين فئات موزعة على مجموع السلم الاجتماعي ولا يكونون فئة اجتماعية متجانسة ولا يتميزون بمواقف سياسية متماثلة ، وهذا يرفد التعددية ، ومهمة المثقف هي تحقيق نموذج ثقافي وطني واحد يتسم بالعقلانية والعلمانية ويعكس مستوى عاليا من إجماع الأفراد كما يعكس ازدهار القيم الديمقراطية في المجتمع ، فالثقافة السياسية وسيلة من وسائل الاندماج والتلاحم بين الأفراد ضمن النظام ، قائمة على أساس التوجهات الثقافية المتنوعة والمتماثلة والمتناسقة والملائمة للمؤسسات ، وعلى هذا الأساس فإنها تعبر عن توجهات النظام السياسي بكليته من خلال الأدوار الموجودة في المجتمع التي تنعكس بالضرورة في مؤسساته وبالتالي تؤثر هذه الأخيرة في على المواقف السياسية التي يتخذها الفرد أو المجموعة ، وهنا تكمن أهمية الثقافة السياسية في تلاحم وتفاعل ألوان الطيف السياسي العراقي ووحدته الوطنية .
هناك ثمة ترابط بين النضج السياسي والتعددية السياسية ، فالاعتقاد بأن الاختلاف في الرأي حق من الحقوق الأساسية في مجتمع ما يؤدي بالضرورة إلى بناء اللبنة الأولى للتعددية وهذا يقود أيضا إلى الإيمان بتبادل المواقع للسلطة الحاكمة ، وعليه فان النضج السياسي يرفد إلغاء الفردية ويؤكد على فكرة المؤسسة لأنها تعني بوجود نظام له استمرار غير مرتبط بأشخاص يعبرون عنه ، فالدولة مؤسسة مستمرة حتى وان تغير الجالسون على قمة الهرم فيها أيا كان شكل ذلك التغير .
إن التحول نحو الديمقراطية والحرية السياسية يعني بوجوب تحقيق منهج للحياة كلها وان تضع جميع قوى الاقتصاد والسياسية والاجتماع في خدمة الإنسان ويعمل وفق خصائصه هذه دون تعويق أو نقص ، فالديمقراطية لا تقف عند حدود وظيفتها السياسية إنما تتخطاها إلى وظيفتها الاجتماعية فتجعل الثروة ملكا للشعب كما تجعل السلطة السياسية بيد الشعب ويتوقف نجاح ذلك إلى حد كبير على المدى الذي يأخذ بعين الاعتبار التفاعل والتأثير المتبادل بين الاقتصاد والسياسة والثقافة وهذا يتطلب تكريس الاهتمام في تقدم المجتمع وسلوكه وأسلوب حياته وتحول هذا الاهتمام إلى عمل من اجل البناء الديمقراطي الحقيقي لا الشكلي ، لان انضج السياسي يلبي تماما متطلبات أسس الديمقراطية التي تمثل المجال الحيوي لكل الحريات ، وبالتالي فان مستوى الوعي السياسي يحدد مساهمة الجماهير في عملية صنع القرار بأسلوب ديمقراطي ولا يمكن الوصول إلى هذا الهدف دون أن يكون هناك وعي اجتماعي ودراية سياسية تتولد حتما نتيجة التطور العام للمجتمع وامتداده التاريخي وتجربته النضالية .