الرئيسية » التراث » طاووس ملك ومحنة الاختبار الإلهي

طاووس ملك ومحنة الاختبار الإلهي

المقدمة:
تناولت العديد من الدراسات من قبل أوساط الكتاب والباحثين ممن توجهوا إلى دراسة الديانة اليزيدية عقيدة وتراثا وتاريخا البحث في أركان هذه الديانة وفرائضها ورموزها وتفسير معتقداتها وشعائرها وتحليل نصوصها الدينية (الأقوال وعلم الصدر) لمعرفة حقيقة هذه الديانة وفلسفتها , وبقدر تعلق الأمر باجتهادات هؤلاء الكتاب وجهودهم فان اغلب ما قيل وما كتب لايعدو عن كونه مجرد اجتهادات وافتراضات شخصية وفردية تحتمل الخطأ والصواب لأنها انتهت إلى مجموعة أحكام تميزت بالإطلاق والتعميم تارة وبالافتراء والتلفيق تارة أخرى حتى إن هناك آراء وصلت في أحكامها إلى حد التطرف والغلو وتجاوزت ابسط قواعد المنطق والعقل بحق هذه الديانة من ذلك وصف هذه الديانة التوحيدية المؤمنة بالله بأنها ديانة عبادة الشر ووصف أتباعها بالكفرة وذلك بسبب ربط أهم مقدساتها وهو طاووس ملك الملاك العابد الموحد بإبليس الجن خالق المعصية والخارج عن إرادة الله وهذا غير صحيح لان الديانة اليزيدية تعبد الله وتؤمن به أما طاووس ملك فله قدسية ومنزلة دينية عظيمة لكن بعد منزلة الله تعالى إلا إن هذه القدسية لطاووس ملك والاعتقاد به لاترقى إلى حد العبادة كما يتوهم الكثير .
إن ما كتب عن طاووس ملك كثير وكثير ولكن ما زالت الحاجة ماسة لمراجعة متأنية والى بعض الاجتهادات وصحيح إن الموضوع شائك وحساس ولا توجد لدينا المراجع الدينية لحل الإشكالات التي تعترض تلك الاجتهادات بسبب الغموض الشديد حول مفهوم طاووس ملك مما يخلق إرباكا لكل من يبحث في هذا الجانب , إلا إن مثل هكذا أحكام واستنتاجات خاطئة بحق الديانة اليزيدية أما إنها تكون صادرة عن حسن نية مع جهل بخفايا وأسرار هذه الديانة أو أنها تكون صادرة عن سوء نية وهدف خبيث القصد منه الإساءة إلى أتباع هذه الديانة وفي كلا الحالتين فان أي تفسير منهما إنما ينتهي حتما إلى استنتاجات غريبة وإساءات غير مقبولة وتحميل هذه الديانة ما لاطاقة لها وفوق ما تحتمل من اتهامات وأحكام ضالة . ومن هذا المنطلق ارتأيت إن اطرح ومن خلال استقراء لمجموعة الآراء التي تناولت موضوع طاووس ملك بعض الملاحظات ممزوجة بالقلق والحسرة التي تستحق وقفة تأمل وتفكير للرد ومن تلك الأسئلة المهمة التي ينبغي البحث عن إجابات عنها أو إثارة المزيد من الأسئلة حولها هي ما حقيقة وما هي طبيعة طاووس ملك في الأيديولوجية الدينية اليزيدية وما هي العلاقة التي تربطه بإبليس الملاك العاصي هذا إن كانت هناك علاقة أصلا بينهما وهل اجتاز طاووس ملك محنة الاختبار الإلهي بعدم سجوده لآدم وما هي نتائج عدم السجود تلك وهل أن الفكر الديني اليزيدي لايؤمن بقصة السجود . لاشك إن هذه الأسئلة الكثيرة تتجاوز مضامين هذه الدراسة الموجزة لذلك سنحاول أن نلخص تلك الأسئلة بمضامين هذا البحث عسى أن نوفق في إظهار جانب من حقيقة هذا الرمز الديني المقدس.

الميثولوجيا وعلاقته بالتفكير الديني :
لكل مجتمع من المجتمعات الإنسانية عبر تاريخ الحضارة قدرا من موروثها الميثولوجيلميثولوجي(يوتوبيا) تعبر فيه عن ماضيها و خصوصيتها وعن صراعها الإنساني ضد الطبيعة بدءا من قصة الخلق الأولى ادم وحواء والملائكة إلى الجنة والنار وصولا إلى الأديان الأولى , وهي في اغلبها أساطير ثرية فيها أجوبة الإنسان على مشكلات الحياة والموت والإسرار التي تكتنفهما(1) . فهناك ارتباط وثيق مابين الميثولوجيا والاعتقاد الديني حيث يرى علماء الانثربولوجي إن الميثولوجيا ما هي إلا قصة مقدسة أو تشكيل بصياغة دينية عن ماضي نعلم انه غير صحيح لكنها تعد صحيحة بالنسبة للذين يؤمنون بها وخرافية لغيرهم (2) , أما علماء النفس فإنهم يحللون الأسطورة على إنها حلم يقظة لأي سلالة بشرية على اعتبار ان الحياة نفسها ثروة لانبثاق الأسطورة لان الكون ملئ بالخفايا واالاسرار والأشياء غير المؤكدة وهنا تتدخل الأسطورة كي تبرز العنصر الإنساني , والأسطورة في أول نشوئها في أي مجتمع بدائي هي ليست مجرد قصة تروى بل هي حقيقة يعايشها الناس وان هي انبثقت من الخيال لكنها بالنسبة للذين يؤمنون بها واقع حي يعتقد أنها وقعت فعلا في عصور بدائية سحيقة واستمرت منذ ذلك الوقت تؤثر في العالم ومصائر البشرية كقصة الخليقة والتكوين(3) فهي أي الأساطير قصص مهما كانت محيرة وغير محتملة التصديق فهي تروى بالرغم من ذلك بأيمان عميق لأنها توضح من خلال ما تدركه الحواس مفاهيم غامضة يصعب إدراكها مثل الموت والظواهر الطبيعية ومصادر الطقوس والتقاليد لأنها تهدف إلى شرح سبب نشوء تلك الظواهر وتعليلها , فهناك علاقة ما بين الأسطورة والدين أدركها علماء النفس أمثال فنسنت وعلماء الاجتماع أمثال دوركهايم وعلماء انثروبولوجييين أمثال شتراوس الذي قال إن الأساطير تبدأ بالمأثور الشفوي المرتبط بشعيرة دينية تروى بلغة غامضة وبشيء من الإطالة وهذا القول يصدق تماما على كل الأساطير (4) .
كما إن كل مجتمع إنساني في طور نشوئه التاريخي مر بمرحلة ما قبل المنطق التي كانت الأسطورة فيها تمثل الطريقة الوحيدة والطبيعية في اسلوب التفكير إلا انه مع تطور العقل والتفكير الإنساني وظهور الأديان ومن ثم الفلسفة فقد حدثت قفزة نوعية في طريقة تفسير المعتقدات الدينية وأصبح الدين والفلسفة متلازمان لاغنى عنهما في سلسة التطور الحضاري وأصبحت المعرفة باعتبارها ثمرة الجهد الإنساني تلعب دورا مهما (5) في التفكير أما الأسطورة التي كانت قديما كافية لتفسير السبب فلم تعد تلبي حاجات العقل والتفكير لذلك تراجعت الأسطورة لصالح الدين والفلسفة ومن ثم للعلم باعتبار إن العصر الذي نعيشه الآن هو عصر علمي متطور ازدهرت فيه الكثير من العلوم الإنسانية والكونية من كل نوع وأصبح العقل الإنساني الحالي ذو ثقافة علمية بالدرجة الأولى .
لكن ما يحدث الآن أن اغلب الكتاب والباحثين ينتهون في تحليلهم للرموز الدينية من خلال أبحاثهم إلى استنتاجات يوتوبية تنافي العقل والمنطق وبترديد موصوف بالتبعية لآراء كتاب القرون الوسطى دون أدنى معيار للحقيقة أو التدقيق وذلك بإلصاق اتهامات وتفسيرات باطلة ووصف هذه الديانة على غير حقيقتها والطعن بأنها ديانة غير توحيدية من دون التبين من حقيقة هذا الطعن الأليم الذميم سوى إنها بعضا من الافتراءات والتلفيقات وهذا مما لايمكن قبوله و السكوت عنه ويستدعي من المهتمين بذل الجهود للتصدي لتلك المهاترات وجرحها وإظهار الحقيقة ومقارعة الحجة بالحجة والرد عليها بأسلوب هادئ ورصين .

تحليل قصة إبليس في الأديان الأخرى :
قلنا إن المفاهيم الميثولوجية تحتل مكانة هامة في جميع الأديان السماوية منها وغير السماوية إلا إن الميثولوجيا تعرضت للانكسار وتراجعت لصالح الأديان وأصبح الدين يعتمد على الإيمان الذي يدخل كجزء لايتجزء من بنية أي دين , و الإيمان هو شعور لايستند إلى أي شكل من أشكال البرهان المنطقي والعلمي الذي يطبع الناس في كل ما يتعلق بأمور دينهم لهذا تشكل المعجزة جزء من الإيمان بوصفها شيء خارق للطبيعة، فالتفكير الديني مستوحي من التفكير الميثولوجي والذي يستمد أصوله من الملاحم الشرقية القديمة كالبابلية والفرعونية والهندية وغيرها , يقول ابن حجر العسقلاني في كتابه لسان الميزان ” ثلاثة كتب ليس لها أصول وهي المغازي والتفسير والملاحم ” وذلك باعتبارها من الموروثات الدينية تنشأ وتتطور مع نشوء المجتمع , فهناك تأثير متبادل ما بين الأديان جميعا من حيث المعتقد وتفسير قضايا الخلق والكون لان منبعها واحد والكل متفق على أن التاريخ الإنساني ابتدأ على هذه الأرض بعد أن خلق الله الكون وطرد ادم وحواء من الجنة الى الأرض .
وتعتبر الكتب الدينية اليهودية وأهمها التوراة في سفر التكوين أهم المراجع الدينية في تفسير قضايا الخلق والتكوين و التي منها انتقلت إلى التفاسير الدينية الأخرى من حيث تقسيم خلق الكون على ستة أيام وقصة غواية حواء لآدم ودور الحية في الغواية ونوع الشجرة التي أكل منها ادم وحواء وغيرها ، وان تحديد كل هذه التفاصيل على نحو ما أورده الطبري (6) سواء في تفسيره أو في تاريخه ليس إلا ترديد لنصوص كاملة لما وردت في التوراة وتفاسيرها (المدراشيم ) والأساطير اليهودية (الاجادوت) .
أما شخصية إبليس فما هي إلا شخصية ميثولوجية أدى اختلاف الآراء فيها إلى احتدام المناظرات الجدلية بشأنها , وان تفحصا سريعا لتاريخ الأديان يبين لنا إن عبادة الإبليس أو (اهريمن ) كانت منتشرة في إيران القديمة عند مجوس الزرادشتية والمزدكية والمثرائية كديانة مستقلة بذاتها تقوم على أساس عبادة العفاريت (اهوراس) وممارسة السحر والاباحات وتقديس اله الشر الديو اوالديفا (7) , وعلى صعيد التفكير الديني الزرادشتي فأن اهورا مزدا واهريمن كان يمثلان الهي النور والظلمة الخير والشر حيث كانت لاهريمن أو اله الشر مكانة متميزة في الديانات التي سبقت الزرادشتية والمثرائية , حيث يقول الزرادشتيون ” أن الله يستطيع أن يخلق كائنات لايمكن أن ينزل بها الشقاء فكيف نتصور إذن انه لم يخلقها إذا لم يوجد هناك تدخل من خصم مستقل وإذا كان الله يريد ذلك ولم يستطعه فهذا لأنه ليس كلي القدرة وإذا كان يستطيعه ولم يفعله فذلك لأنه ليس الرحمن الرحيم ” (8) وهكذا كان النقاش يتصل بمسالة الشر في الشكل الذي يصفه به كل توحيدي , ومن معتقداتهم أيضا ” إذا كان الله يريد الخير فلابد عندئذ من كائن آخر يريد الشر ” لأنهم يؤمنون بمبدأ الثنائية في العبادة وأمور الحياة, فالفقر والألم والموت هي التي تعطي للغنى والصحة والحياة معناها , بينما يرى غيرهم إن من غير المعقول أن نفكر إن الله قد خلق الشر لكي يستطيع الناس بفضل التضاد تقدير الخير وان الله لايمكن أن يخلق كائنا معارضا له في نفسه وانه سوف ينقلب ضده كما لا يمكن أن نعزو أصل الشر الى الإنسان لان الإنسان من خلق الهي (9) , فالخير والشر هما من الأمور النسبية عند البشر لأنه إن كان الشر اسما جامعا للآثام والرذائل فإنها قد تكون لشرائع أخرى غير ذلك ومباحة وكذلك الأمر مع الخير فما هو مباح وأخلاقي عند مجتمعات قد يكون من الجرائم الدينية والأخلاقية عند غيرهم .
فليس ثمة اتفاق على طبيعة الإبليس فهو اله الشر عند الديانات الإيرانية القديمة (ديفاس أو الديو) الذي يقابله (أندرا ومارا ) عند الهند الفيدية وهي عندهم شخصية مقدسة تسيطر على شؤون السماء والمارا في اللغة الكردية هي الحية والحية يرد ذكرها في العهد القديم بأنها أغوت آدم وحواء حتى غضب الله عليهما أما عند اليزيدية فالحية تمثل رمزا للخير وهي ترتبط بطاووس ملك , السوداء منها خاصة , كما إن الحية في الموروث الديني اليزيدي هي التي أنقذت سفينة نوح من الغرق , و الإبليس هو تيئوس أو دياوس عند اليونانيين القدماء وهو الإله تموز عند البابليين والسومريين وهو أمير الظلام أو الملاك الساقط في الأديان السماوية وهو تارة من الجن وتارة أخرى من الملائكة.
وكما اختلفت في الأديان القديمة فإن شخصية الإبليس جاءت مختلفة أيضا في الأديان السماوية فهو في التوراة والعهد القديم غيره الذي ورد في الأناجيل وهو مختلف عن الذي ورد في القرآن , ففي العهد الجديد يرد اسم الشيطان بدل الحية التي أغوت آدم وحواء في العهد القديم , وفي القرآن فانه يرد بأسم الإبليس والشيطان (10) , حيث ظهر الإبليس في العهد القديم على هيئة الحية الذي ورد ذكره في الإصحاح الثاني من سفر التكوين والتي غضب عليها الله لأنها أغوت آدم بالأكل من شجرة الخير والمعرفة أما في العهد الجديد الإنجيل فان اسم الشيطان يرد بدلا من الحية الذي وسوس لآدم وحواء وفي القرآن فيرد اسم الإبليس والشيطان (11) , وقد جاء في التلمود إن الشيطان وشهوات النفوس السيئة وملك الموت ليست إلا مترادفات لمعنى واحد أما كلمة شيطان فهي كلمة عبرية الأصل ومعناها العدو ويدل في المسيحية واليهودية والإسلام على مبعث الشر (12) , وهو مثل أي كائن لايستطيع أن يفعل شيئا إلا بإذن الله لان قدرته لاتساوي شيئا أمام القدرة الإلهية.
إن هذا الاختلاف حول شخصيته واختلاف العقائد الدينية في تحديد طبيعته يعد من الوجهة العلمية في موضع شك من ناحية وجوده وفي مصداقية تلك المعتقدات حول شخصية الإبليس (13), وان لم يكن بالمستطاع مناقشة مسالة الرموز الدينية لكونها من المسائل المقدسة والحساسة جدا ومن الصعب إخضاعها للمناقشة العلمية (14) بل هي تخضع للتسليم والإيمان لكن لا إيمان العجائز أو التسليم البسيط الساذج الذي يطبع إيمان معظم الناس إنما الإيمان الواعي المدرك القابل للجدل والاجتهاد لان الثوابت الدينية ليست مطلقة بل هي نسبية وقابلة للتطور والدفاع عن الثوابت الدينية يكون عن طريق إيراد الحجج على صحتها وحمايتها من التزييف والمبالغة والمحافظة على حقائقها في بساطتها ووضوحها .


طاووس ملك في الديانة اليزيدية :
تقوم الديانة اليزيدية على فكرة إن الله تعالى خلق الملائكة السبعة وجعل من طاووس ملك رئيسا عليهم لأنه الملاك العابد الوحيد وسيد والموحدين على هذه الأرض الذي كافأه الله على عدم تفريطه في عبادته وفي وحدانيته لله بان أوكل الله تعالى إليه مهمة إدارة شؤون الكون وتنظيمه , ودور رئيس الملائكة في الفكر الديني اليزيدي يختلف عنه في الأديان الأخرى اختلافا كليا , فلا وجود لفكرة اله للشر ولا وجود للإبليس وان الله تعالى لم يغضب على رئيس ملائكته ولم يطرده من الجنة وان الديانة اليزيدية لا تعبد الإبليس كما يظن الكثير لأنه لا يعبد النقيضين في وقت واحد .
ويلاحظ إن النصوص الدينية لم تبحث مسالة طبيعة طاووس ملك ولا مسألة السجود من عدمه مما يزيد من حالة الغموض والإرباك لدى الباحثين وما دمنا نبحث في موضوع طاووس ملك فان من البديهي أن ينصب تركيزنا على طبيعته وتحديد صفاته ونتائج عدم سجوده بوصفها القاعدة الأساسية في رسم ملامح الديانة اليزيدية مع إن النتائج لاتقدم إجابات كافية وواضحة , وبكلمة أخرى فان فرضية طرد إبليس من الجنة لعصيانه أمر ربه غير واردة في الفكر الديني اليزيدي لأنها مسالة تحمل في محتواها الكثير من الشك ، أما السؤال الذي يتعلق بطبيعة طاووس ملك فهي مسالة ترتبط باللاهوت أو علم الكلام والفلسفة الدينية أكثر من ارتباطها بالمفهوم الديني لان الأسئلة المطروحة بشان طبيعة طاووس ملك أو الإبليس هي كثيرة و تتداخل مع بعضها بتشابك معقد و بمراحل تتوالد بعضها من البعض كمسألة أيهما أقدم في الوجود البيضة أم الدجاجة , هذه المراحل في الأسئلة والتطور في المفاهيم ستستمر إلى ما لانهاية لان هناك تيارات واتجاهات مختلفة ومتباينة تفصح عن مواقف يصعب التوفيق بينها ولن تؤدي إلا إلى التعصب والسفسطة والمهاترات والدخول في متاهات و دوائر مغلقة .
أما مصطلح طاووس ملك ذلك الرمز الديني المقدس الذي يعد أهم سمات العقيدة اليزيدية فقد اختلف الكتاب والباحثون قديما ولا زالوا للان بشأنه , فمنهم من اعتبره( اهريمن ) أو (إبليس ) اله الشر و المخلوق الجان الذي وسوس لآدم وحواء وعصى أمر ربه , ومنهم من عده من الملائكة المخلوق من نور الله وهناك من يؤمن بان الله تعالى قد تجسد بصورة طاووس ملك وبالتالي فانه يمثل صورة من الالوهية أو اسم من أسماء الله أو انه الإله يزدان (15) وآخرون يقولون بأنه ميثرا اله الشمس(16) أو انه الإله نابو(17). هذا الاختلاف والتناقض في الآراء حول طبيعة طاووس ملك وعدم الاتفاق على صيغة محددة بشأنه مرده الى انعدام أو ندرة المصادر الدينية التي يمكن الاحتكام إليها كمرجع موثوق في هذا الشأن , مما فتح باب الاجتهادات على مصراعيه لان تعاليم الديانة اليزيدية غير مدونة ولا تستند على أي كتاب ديني بل هي مجموعة أعراف وشعائر و تعاليم دينية شفاهية محفوظة في الصدور (علم الصدر) الذي يضم التراث الديني والتي يتناقلها القوالون أبا عن جد وهم المسؤولون عن حفظها وتلاوتها في المناسبات الدينية والاجتماعية مع إن هذه الأقوال والنصوص الدينية لاتقدم الإجابة الدقيقة عن طبيعة طاووس ملك ولاعن تلك التساؤلات عن شخصيته , مع احتمالات تعرض اغلب تلك النصوص والأقوال للكثير من التغييرات والإضافات والتحويرات وضياع الكثير منها خلال المراحل الزمنية المنصرمة بسبب التداول الشفهي وحفظها في الصدور وعدم التدوين , فلم يبق سوى الاجتهادات والأبحاث الشخصية للمهتمين بهذه المسالة والذي اغلبهم لعجزهم الذاتي اتجهوا الى الأفكار في المعتقدات الأخرى يستمدون منه ما يعينهم على فهم حقيقة هذه الشخصية وليس لنا نحن الخلف إلا أن نأخذ تلك الأفكار ونقلد السلف لنعترف بدورنا بقصورنا الذاتي ونتلقف الفكرة بعد الفكرة من الكتب الدينية الأخرى كيفما اتفق دون مراجعة أوتبصر او روية مما أدى الى ننتهي بالمناقشة حول هذه المسالة الى أن يصبح تحديد ابرز مقدساتنا الى ما يشبه الوعاء يتسع لكل نمط فكري ومجال اختبار وميدان تجارب لاجتهادات متباينة ومتضاربة بل ومتضادة وبالتالي تكوين صورة مشوهة عن ديننا وعن عقيدتنا يتسم بالتبعية اللامسؤولة لجملة أراء لاتمت بصلة إليه .
وبالرغم من أهمية الأبحاث النظرية في المسائل الدينية فان الاجتهادات أو المجادلات قد تزعزع الثوابت الدينية وتجعلها عرضة للأفكار الغازية والتحويرات والإضافات وذلك لان الاجتهاد يعتمد أساسا على العقل والتفكير بينما الدين (أي دين كان سماويا أو غير سماوي) فانه يعتمد على الإيمان والتسليم بما يأمر وينهي عنه , وينبغي بهذا الصدد التمييز بين فلسفة الدين وبين اللاهوت وعلم الفقه والكلام , فمجال اللاهوت والفقه هو البحث في فلسفة الدين الذي يدافع عن عقيدة هذا الدين أو ذاك بالحجة والمنطق أما فلسفة الدين فإنها تعنى بدراسة وتحليل المفاهيم العامة التي تستخدمها الأديان والبحث في الظواهر العامة للتدين (18) , وان البحث في فلسفة الدين له ثلاثة اتجاهات تاريخية وسايكولوجية وفلسفية , فالاتجاه التاريخي غايته دراسة أصل الأدبان وتطور الفكرة الدينية والاتجاه السايكولوجي المعرفي غايته وصف الحالات النفسية التي تبنى عليها الحياة الدينية أما الاتجاه الفلسفي فمهمته المطالبة بأدلة تبرز النظريات والعقائد الدينية (19) .
وبالعودة إلى مسالة طاووس ملك فان الملاحظ بهذا الصدد إن النصوص الدينية لم تبحث مسألة طبيعة طاووس ملك ولا مسألة السجود وما دمنا نبحث في هذا الموضوع فان من البديهي أن ينصب تركيزنا على طبيعته وتحديد صفاته وهل اجتاز محنة الاختبار الإلهي بمكافأة الله له ومن ثم تسليمه شؤون الكون والخلق باعتبارها القاعدة الأساسية في تحديد مفهوم الديانة اليزيدية مع أن النتيجة لاتقدم إجابات كافية وواضحة , وبسبب دفاع الصوفية عن إبليس كالحلاج والغزالي وابن العربي فقد تم الخلط بينه وبين طاووس ملك فقد قال عنه الحلاج في كتاب الطواسين “كان أعلمهم بالسجود وأقربهم من المعبود ” ثم يذكر عن لسانه مخاطبا الله “إن منعتني عن السجود فأنت المنيع وان أردت أن اسجد له فانا المطيع “(20) , هذا الإبليس الذي دافع عنه الصوفيين هو غير طاووس ملك الذي هو أول الملائكة الذين خلقهم الله من نوره والذي نجح في الاختبار الإلهي ولم يسجد لآدم متذكرا وصية ربه بعدم السجود لأحد غيره فجعله الله رئيسا للملائكة فكان أمر السجود بذلك أمر اختبار للملائكة لم ينجح في هذا الاختبار إلا رئيسهم الذي نفذ مشيئة الله بعدم السجود لآدم ولو شاء الله له السجود لسجد حالا لأنه لاراد لمشيئة الله في إرادته التي هي (كن فيكون ) ولا حرية لرئيس الملائكة في اختيار معصية ربه ولو شاء الله له السجود لهداه إلى الاختيار الصحيح لان (الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء ) (21) .
هذا وان فكرة عدم السجود هي بالأساس فكرة صوفية دافع عنها غلاة الصوفية عن عزازيل ومحنته في عدم سجوده بقولهم انه إذا كان إبليس هو خالق المعصية والشر مع ( إن الخلق لاتكون الالله وحده ) وانه امتنع عن تنفيذ أمر ربه فلماذا إذن خلقه الله وما الحكمة من خلقه إياه , ثم انه عندما خلق الله تعالى الملائكة أمرهم بعدم السجود لأحد غيره وعندما خلق ادم أمر ملائكته بالسجود لآدم فلماذا كان أمر السجود لآدم وبالتالي امتناع رئيس ملائكته عن السجود وهو خير من ادم لأنه مخلوق من نار وآدم من تراب وان عدم سجوده لآدم كان بحسب وصية ربه بعدم السجود لأحد غيره فلماذا إذن أخرجه الله من الجنة وإذا كان رئيس الملائكة هو خالق الشر فلماذا تركه الله ينشر الآثام والمعاصي ولم يقضي عليه ولماذا يبتلي الله ملائكته وهو العليم بما يظهرون وما يبطنون , لذلك فان المتصوفة يرون بأنه لم يخالف ولم يعصي ربه (22) .
فعدم السجود هو أعظم تجسيد للتوحيد وتقديس للذات الإلهية و إن أمر السجود كان أمر اختبار لا أمر بلاء ولو سجد رئيس الملائكة لآدم لخرج بذلك عن التوحيد ، أما ما يورده البعض من الكتاب والباحثين من إن أمر السجود لاوجود له في النصوص والأقوال الدينية اليزيدية، فاني اعترف أن اطلاعي على النصوص الدينية هي محدودة وربما لم يرد أمر السجود فيه لكن هناك بديهيات متفق عليها في جميع الأديان منها إن هناك أسلوبين في فهم الأديان احدهما متشدد الى درجة الجمود والثاني مشدود الى منطق التطور والتجديد وان ثمة آراء ووجهات نظر أخرى متعددة تقف بينهما , فالأول يأخذ بحرفية النصوص أما الثاني فيستمد المعاني من روحية تلك النصوص , و من جانب آخر هناك ثوابت دينية راسخة ومستقرة لأنها تتعلق بالإيمان والقناعة ومنها مسالة عدم السجود هذه التي استقر عليها موروثنا الأدبي الديني (23) كجزء من إيماننا و كمرتكز ثابت في عقيدتنا , أما الجانب الآخر فهو أن في الحياة هناك أمورا كثيرة تعتبر من المسلمات بها لا نفهمها ولكننا نتداولها و نؤمن بها وخاصة ما يتعلق منها بالمعتقدات الدينية التي لاتقبل الجدل لتبقى سرية وغامضة و لإضفاء هالة من القدسية عليها باعتبارها من المعجزات وما وراء الطبيعة بما يفوق الإدراك حتى يؤمن اكبر عدد من الناس بها لان الإيمان كما نعلم هو شعور لايستند الى أي شكل من أشكال البرهان المنطقي والعلمي لأنه يشكل جزء من الدين بوصفه شيء خارق للطبيعة وقناعاتنا الإيمانية مستقرة على وجود مبدأ السجود وهو ما يميزنا عن غيرنا(24) . ونحن لانملك متخصصين لافي علم اللاهوت الديني ولا في الفلسفة الدينية لا من رجال الدين ولا من غيرهم عدا بعض الاجتهادات الشخصية القليلة من بعض الباحثين الضالعين بالأمور و الثقافة الدينية والذين يتزعزع آرائهم ويتقلب بين الحين والأخر بحسب متطلبات الظروف كقضية السجود من عدمه ، فهناك من يؤمن بفكرة السجود وغيره يرفض هذه الفكرة من الأساس وهذا التضارب في الآراء والمواقف ليس في صالح ديننا في شيء , لذا ينبغي هنا تقريب وجهات النظر وأن يفتح حوارا بين الرافضين وبين المؤيدين وما يتوسطهما من أراء لأن رفض هذه الفكرة بالمطلق غير صحيح ولا قبولها بالمطلق هو الصحيح لان في الحالة الأولى عناد الأطفال وفي الثانية طاعة العبيد , فما من فكرة إلا وتحتمل أن يكون نقيضها هو الصواب ومن خلال الحوار والمرونة والأخذ والرد نقبل بالفكرة أو نرفضها لا أن نؤمن بدون مجادلة ,كما لابد أن يكون هناك توافق بين الإيمان والعقل أو التفكير المنطقي .
إذن فان الفلسفة الصوفية في مأساة إبليس أو عزازيل كان لها التأثير الكبير على الفلسفة الدينية اليزيدية مع فارق نتائج هذا السجود وإذا ما اتفقنا على إن الديانة اليزيدية في مرحلة من مراحل تطورها التاريخي التدريجي كانت طريقة صوفية هي الطريقة العدوية لأمكن فهم سبب تأثير الفلسفة الصوفية على الفكر الديني اليزيدي ودخول اغلب طقوس وشعائر الصوفية على الممارسات الدينية اليزيدية , والمعلوم أن الطرق الصوفية لاتتبع أي دين ولاتتصف بمذهب معين أو دين محدد لأنها طريقة لها فلسفتها ورؤيتها المستقلة الخاصة في أمور الحياة والعبادة أساسها الزهد والتنسك والتعبد وترك الحياة وملذاتها لتحقيق هدف الحلول والاتحاد في الذات الإلهية , كما أن من مرتكزات ومبادئ الطرق الصوفية هي التحلل من أي ارتباط ديني لان الطريقة الصوفية هي لوحدها كافية لتحقيق غاية معرفة الله بدون حاجة لإتباع أي مذهب ديني ولهذا فان الفرائض الدينية وتكاليفها تسقط عن المتصوفة , كما أن هناك تراث ديني واحد يجمع المتصوفة جميعهم وان انتموا إلى أديان مختلفة فهم متشابهون وان اختلفوا في مذاهبهم وأديانهم .
إذن فالمصادر التاريخية والدراسات الدينية وقناعاتنا الدينية تؤكد ومن خلال استقراء آراء الكتاب الذين بحثوا في هذه المسالة إن أمر السجود هي مسالة محسومة و مرتبطة بهذه الديانة مع فارق أن طاووس ملك هو ليس إبليس خالق الآثام والمعاصي في الأديان الأخرى لان الخلق والتكوين بما فيها الشرور (القضاء والقدر) لاتكون إلا لله تعالى وحده , فمن من الملائكة هو طاووس ملك ؟..

أي الملائكة يكون طاووس ملك:
إن الملائكة السبعة الذين خلقهم الله في الأديان السماوية والذي أورده ابن الأثير في الكامل في التاريخ في جزئه الأول من الكتاب هم :جبرائيل ,عزرائيل ,دردائيل ,شمخائيل ,ميكائيل ,عزافيل وعزازيل(25) .
أما الملائكة الذين وردت أسماؤهم في مصحف ره ش فهم :عزرائيل ,دردائيل ,اسرافيل ,ميكائيل ,جبرائيل , شمخائيل ونورائيل
وفي كتاب الجلوة هم كل من :جبرائيل ,عزرائيل ,دردائيل ,اسرافيل ,ميكائيل ,شمخائيل ونورائيل .
وفي دعاء المساء فهم :عزرائيل , جبرائيل ,ميكائيل ,دردائيل , شمخائيل ,عزازيل وعزافيل .
أما أيا من هؤلاء الملائكة هو طاووس ملك ورئيس الملائكة فلا يوجد اتفاق عليه فمنهم من يرى انه الملك عزازيل الذي هو طبعا غير إبليس المغضوب عليه وهو رأي غالبية الباحثين , ومنهم من يرى انه الملك جبرائيل وثمة من يرى بأنه الملك عزرائيل وآخرون يرون انه الملك نورائيل(26) , ولكل فريق له أسانيده وحججه في إثبات رأيه , ولو عرفنا وظيفة كل ملك من هؤلاء الملائكة لتمكنا من اعتماد الرأي الاصوب في تحديد من هو رئيس الملائكة , فالملك جبرائيل هو وحي الأنبياء والرسل والصالحين , والملك عزرائيل هو ملك الموت و قابض الأرواح عند موتها, أما الملك نورائيل الذي قد يكون الأقرب الى كونه رئيس الملائكة على اعتبار إن اسمه يدل عليه إلا انه لم يرد ذكره في دعاء المساء أو الغروب بالنص الآتي ” يا شيخ شمس نلتمسك بحق عزرائيل ,جبرائيل , شمخائيل , ميكائيل ,دردائيل ,اسرافيل وعزازيل هؤلاء هم الملائكة السبع الكبار في كل العصور في أيديهم المفاتيح واقفين بحضرة الملك الجليل ” ,كما لم يرد اسمه ضمن الملائكة السبع في الأديان السماوية الذين أوردهم ابن الأثير نقلا عن الطبري وبالتالي فان الملك نورائيل قد يستبعد أن يكون رئيسا للملائكة أما الملائكة كل من دردائيل واسرافيل وميكائيل وشمخائيل فلم نعرف عنهم أي تكليف سماوي خاص بهم فلم يبق سوى الملك عزازيل الذي تذكره الكتب السماوية بأنه الذي رفض السجود لآدم مع التحفظ على سبل ونتائج عدم السجود الذي ترده الأديان الى عصيانه الأمر الإلهي والذي تعتبره عقيدتنا خشوع وتوحيد وتنفيذ للمشيئة الإلهية فهو رئيس الملائكة وهو الذي يدعو الى فعل الخير والعمل الصالح والتعبد لله وحده والتزام طريق الحق وتجنب المعاصي والآثام وهي ما تدعو إليه جميع الأديان سماوية كانت أم غير سماوية فلا يوجد هناك أي دين حتى الوثنية منها من يدعو الى التزام الرذائل والمعاصي والآثام وترك عمل الخير وهذا مما يتهمنا به البعض من المسيئين والمغرضين من محدودي الإدراك وضعيفي الأفق والبصيرة من أن ديانتنا هي ديانة عبادة الإبليس والشر , وهي تهمة باطلة والتي جاءت إليهم كما يذكر احمد تيمور في (اليزيدية ومنشأ نحلتهم ) من قبل الملا يحيى المزوري أثناء حملة مير كوري الراوندوزي على اليزيدية كما أشاعها عنهم الراهب ارميا شامير حين يذكر الاخوين ويكرام في (مهد البشرية ) أثناء رحلتهما لمعبد لالش والتي اسماها معبد إبليس حيث يصفان الدين اليزيدي بأنه دين إيمان وخير وينفيان عنها عبادة الشر كما ينفيان الكثير من التهم التي لفقها عنهم ارميا شامير (27) , أما جورج حبيب في (اليزيدية بقايا دين قديم ) فيقول أن طاووس ملك لايمكن أن يكون ابليس لان طاووس ملك يدعو الى الخير بينما إبليس يدعو الى الشر (28). أما توفيق وهبي فيقول في (اليزيدية بقايا الديانة المثرائية ) “أما بالنسبة لعبادة الشيطان الذين اشتهروا به فقد اقتنع الباحثون دون الإتيان بأي برهان قاطع فيعتقد قسم منهم إن عبدة الشيطان هم بقايا عبدة اهريمن وهو المذهب الذي نشا من الزرادشتية بينما يعتقد آخرون بأنها ظهرت في العصر الإسلامي من مجموعة أحاديث كبار متصوفي بغداد وفلاسفتهم في ذلك العصر ونظرية ثالثة قائلة بان عقيدتهم نشأت من الحقيقة التي بشر بها الشيخ عدي وهي تحريم اللعن ” .
ولم يرد ذكر عبادة الشيطان عن اليزيدية في الشرفنامة للبدليسي كما أن أوليا جلبي في السياحتنامه لم يذكر إن اليزيدية كانوا عبدة الشيطان (29) .

الخلاصة:
نخلص مما تقدم بحثه إن الطاووس ملك هو رمز مقدس عند اليزيديين وهو يمثل شعارهم الديني وهو مخلوق من نور الله ولأنه لايجوز السجود لغير الله فانه كان أول الموحدين ولم يسجد لغير ربه لأنه مخلوق من نوره , وقد أثيرت أسئلة كثيرة حول طبيعة طاووس ملك ورأينا إن الادعاء بان وصفه بالإبليس هو غير صحيح وان وصف اليزيدية بأنها ديانة عبادة الإبليس هو محض افتراء وظلم .
أما من أين جاءت إليهم هذه التهمة الباطلة فقد ألصقت تلك التهمة بهم من جيرانهم في المنطقة والتي كان يسكنها أقوام من أديان وعقائد مختلفة من أصحاب الديانات القديمة من المجوس والزرادشتيين والمانويين والمثرائيين وأهل العقائد السومرية والبابلية والأشورية القديمة والتي أثرت تلك الأديان بشكل أو بآخر على الديانة اليزيدية ومن بعدها تأثير الديانة اليهودية والصابئة والمسيحية والإسلامية بحسب التأثير المتبادل للأديان على الديانة اليزيدية , و إن انعزال أبناء هذه الديانة وانغلاقهم على بعضهم وعدم تفتحهم على أصحاب الحضارات الأخرى وعدم إلمام أبناء هذه الديانة على إسرار ديانتهم وحصرها برجال الدين وبعض النخبة فقط , إضافة الى عدم وجود المراجع الدينية التي تجيب على الأسئلة الدينية , وما أظهره جيرانهم من أصحاب الديانات المختلفة من إساءات واضطهادات بحقهم والتي كانت بمثابة إعلان الحرب عليهم , وتأثير الطرق الصوفية التي كانت سائدة في مناطقهم كل تلك الأسباب جعلتهم يتزهدون في أمور الحياة ويسلكون طرقا منغلقة في عباداتهم وبسرية تامة لايسمحون لأحد بالاطلاع عليها احد خوف التجريح والتهجم عليهم والتي أدت بالتالي الى الطعن في عباداتهم طعنا ذميما وأليما وعدم ردهم من جانبهم على تلك الانتهاكات والاهانات جهلا منهم واتقاء الدخول في جدالات ونقاشات قد لاتكون في صالحهم وتسيء إليهم هذا الى جانب حملات الإبادة الجماعية التي شملت حتى النساء والأطفال والشيوخ لإجبارهم على ترك دينهم والدخول في أديان أخرى والتي كانت أقساها حملة الفريق عمر باشا وحملة مير كورى الراوندوزي والتي صادر خلالها الفريق عمر سناجقهم واستولى عليها بالقوة سنة 1892 حتى أعادها إليهم الوالي سليمان نظيف باشا سنة 1908 كل تلك الحملات التي أدت الى انعزالهم و تخوفهم من الاختلاط والانفتاح على الأقوام الآخرين وممارسة شعائرهم الدينية بسرية وعدم اطلاع الآخرين عليها وبالتالي الى اتهامهم بعبادة الإبليس الذي لاوجود لهذا المصطلح في أدبياتنا الدينية ولا وجود لعبادة الإبليس ولايمكن الاعتقاد بوجوده.
أما قصة تقديس الطاووس ملك عند اليزيدية فان الموروث الديني والأدبي فيرجعه الى عهد النبي إبراهيم الخليل (ع) حين أمر الله خليله بذبح ولده إسماعيل فخضع النبي إبراهيم لمشيئة ربه وحين وضع السكين على رقبة ولده لذبحه نزل عليه رئيس الملائكة والملك جبريل والملك عزرائيل واخبروه بأنه نجح في الاختبار الإلهي وطلبوا منه أن يفدي ولده بذبح كبش قربانا لله الى نهاية القصة المعروفة واليزيدية هم أتباع النبي إبراهيم (ع) وتقديسهم للطاووس ملك جاءت من حيث نزول رئيس الملائكة على النبي إبراهيم (ع) على هيئة طير الطاووس.
وخلصنا من هذا البحث أيضا الى إن طاووس ملك هو ليس صورة من صور تجسيد الله لان الله هو الذي خلقه من نوره ومن ذاته مع بقية الملائكة الستة الآخرين حسب النص الديني (تاووسي مه له ك ملياكه ته ) , كما انه ليس إبليس خالق الآثام والشرور في الأديان الأخرى الذي يأس من دخول الجنة ولاهو الشيطان أو الحية الذي وسوس لآدم , و لا هو الملك جبريل ولا هو اله الشمس ميثرا الذي دعت إليه الديانات المجوسية ولاهو الملك عزرائيل ملك الموت وقابض الأرواح عند موتها , إنما هو الملك عزازيل أو الحارث رئيس ملائكة الله , وهو الرأي الأرجح والأقرب للمنطق طالما لايوجد مرجع موثوق يقول بغير ذلك .
و علينا أن نعترف بهذا الصدد بان معرفتنا مهما اجتهدنا ما تزال ناقصة ومبتورة ولم تصل بعد الى مرحلة النضج والإحاطة التامة بجوانب هذه الشخصية فهناك الكثير من الحقائق ما زالت مجهولة ولايمكن إدراكها لان المسائل الدينية كما بينا تعد من الأمور التي لايجوز المساس بها خاصة ما يتعلق بالثوابت الدينية منها لأنها تبقى خارج حدود العقل والإدراك طالما لاتتوافر الأدلة والشواهد الكافية على إثباتها , لكن هذا لايمنع من تشجيع الاجتهاد والأبحاث النظرية لتكوين صورة واضحة عن مقدساتنا بعيدا عن التبعية الفكرية للغير لان الاجتهاد لايناقض الدين فهناك العديد من الفرق الإسلامية وهناك عدة فرق مسيحية لكل فرقة اجتهادها الخاص ففي الإسلام هناك الجبرية والاشعرية والقدرية والمعتزلة وغيرها العديد حتى إن عدد الفرق تصل الى أكثر من سبعين فرقة وفي المسيحية هناك فرق كالارثوذكس والكاثوليكية والبروتستانية تؤمن بان السيد المسيح هو ابن الله بينما فرق أخرى ترفض هذا المبدأ فهل أثرت وجود هذه الفرق والعقائد على الأركان الأساسية للدين .بالتأكيد كلا فيجب أن يستثمر جميع مضامين البحوث والمناقشات الحرة من جميع الاتجاهات لخير الطائفة وتطويرها بالاتجاه الأمثل , ونحن كأقلية دينية نعيش في المجتمع الكبير بأمس الحاجة الى العقول المتنورة المتفتحة لان الدين قوي بأتباعه والإنسان قوي بعقله وثقافته ولا يمكننا أن نحيا منعزلين عن العالم , كما إننا بأمس الحاجة الى التثقيف والوعي الديني لان هناك بعض الأمور لايمكن التسليم بها في العصر الحديث وعلينا أن نستلهم ما هو صالح منها ومفيد ليومنا هذا ولأوضاعنا القائمة وان نستوعب جوهرها ومغزاها ونعمل بما يسهم في بناء حاضرنا ومستقبلنا , وان يكون هناك تقريب في وجهات النظر المختلفة عن طريق النقاش الحر والمواجهة الصريحة للوصول الى آراء موحدة بما يؤهلنا للدخول في حوارات مع الأديان الأخرى وللوصول الى هذه المرحلة علينا أن نخلص بعض العقول من الآراء الساذجة وهذه مسؤولية المثقفين ورجال الدين المتنورين للتوعية لان هناك الكثير من كبار السن وقسم من الشباب المتزمتين في آرائهم الذين لايقبلون أي تغيير في مواجهة تحديات العصر الذي يمتاز بالتقدم العلمي , ويجب التفهم الدقيق للإحكام الدينية من اجل صياغة رأي موحد حول الآراء والشخصيات والرموز الدينية والاستجابة لكل رأي جديد يهدف الى إظهار الحقيقة بما يهدف الى إيجاد طابع خاص لنا فالحقائق ليست مطلقة ومهما حاولنا الاجتهاد فان عقولنا لاتزال محدودة ولايمكن أن نعرف كل شئ فالمفاهيم والأفكار في تطور مستمر وربما قد يتوصل العلم الى إيجاد نظرية موحدة تقدم الإجابة والشرح لكل ما خفي من الأمور .

الهوامش :
1. 1الاسطورة في علم الاجتماع البدائي /برونيسلاف ماينوفسكي /بحث منشور في مجلة ثقافة أجنبية العدد الثاني1991
2. نفس المصدر السابق .
3. يقول اسوالد اشبنكلر إن الأديان ابتدأت عام 700 ق. م من فارسية ويهودية وكلدانية وتجلت صورة خليقة من نوع واحد قدر لها أن تكون فاتحة لتوراة خاصة في ال 300 ق. م التي تولدت منها ميتافيزيقيا ارتكزت الى الرمز الأول للحضارة الآتية وأصبح موقف الإنسان من الآلوهية مختلفا عما كان عليه فيما مضى وهنا نشأت الأسطورة العظمى في دوائر المعتقدات الفارسية والمندائية واليهودية والمسيحية .
4. اسوالد اشبنكلر /تدهور الحضارة الغربية /ج 3 .

5. إذا حاولنا أن نفهم الدين ماذا كان يعني آنذاك فيجب أن نفهم العالم في ذلك الزمن البعيد ومقارنتها بفكرة اليوم حيث كان الدين عبارة عن طقوس ليس لها أساس لان الدين كان يعني الخوف أما محبة الله فكانت من التعابير غير المألوفة وكانت الأساطير تحل محل العقيدة .
6. الطبري / تاريخ الرسل والملوك / ج1 .
7. اليزيدية بقايا الديانة المثرائية / توفبق وهبي /منشور في مجلة لالش عدد 2و3 .
8. مرسيا الياد /تاريخ الأفكار والمعتقدات الدينية /ج1.
9. نفس المصدر السابق .
10. الشيطان الذي تعرفه العرب الذي عصى ربه وتمرد عليه يختلف عن اهريمن أو هرمز عند المجوس أما عند اليهود فان قصة أيوب تبين أولا أن أيوب كان مصدر غيض للشيطان حيث يباهي الله عدوه الشيطان بعبده أيوب فيقول الشيطان إن أيوب كسائر البشر لايسلك طريق الخير إلا إذا كان في نعمة مطمئن في باله وصحته وماله حتى إذا ما جرد الله أيوب من كل ما يملك تدفعه زوجته الى إعلان الكفر بهذا القدر الظالم فيرفض أيوب ويزداد إيمانا بقاء الله ويجعل الخير والشر من عند الله .
11. يتحدث القران عن الشيطان بأنه مخلوق من النار عمره طويل ممتد لأنه يملك قوة الشر في الكون ولأنه بلاء فانه يبقى الى حين البعث والحساب والشيطان يرى الناس وهم لايرونه وهو يحاول أن يستميل كل إنسان الى الشر ويضرب القران مثلا في قبح صورته أما صفاته فهي الخديعة والوعد بالفقر والأمر بالسوء والفحشاء وإيقاع العداوة والبغضاء وتزيين السوء والوسوسة في العقيدة والإيمان المر والإباء والاستكبار والكفر وعداوته العميقة للإنسان . مجلة الهلال المصرية عدد خاص عن الشيطان والإبليس .
12. ورد في مجلة الهلال المصرية في حوار مع الشيخ محمد أبو زهرة من علماء الفكر الإسلامي قال ” ليس للشيطان سلطان على القضاء والقدر الاعند بعض المجوس الذين يقولون باله الخير واله الشر أما في الإسلام فان القضاء والقدر هما لله وحده وإذا أراد أن يسلك الإنسان طريق الشر وسيطر عليه الشيطان فان الله يسهل له السبيل الى ما يريد ويكتبه في الأشرار (إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء ) .
13. صادق جلال العظم /نقد الفكر الديني .
14. يقول د. زكي نجيب محمود في تجديد الفكر الديني ان ابو العلاء المعري أدرك منذ أكثر من ألف سنة بثاقب بصيرته ما في بعض الأمور والممارسات الدينية لدى الشعوب من أوهام وأباطيل فعبر بكلمات موجزة ضمن أبيات قليلة من الشعر عن ارتيابه في بعض الأفكار والطقوس لكن الأفكار التراثية بقيت ضمن قوالبها التفسيرية والتي أغلق باب الاجتهاد فيها وفقد الفكر ضمنها كل استقلالية وحريته وبقيت حكايات الأساطير والخيالات حقائق أزلية لا مجال للعقل أو التفكير فيها وبقى ثقل الماضي على الحاضر ضمن عالم الأسطورة والغموض بعيدا عن البحث والاستقصاء مع أن الغرب لجأ الى بحث ودراسة الدين ومعتقداته وتاريخه كعلم إنساني .
15. حيث إن خلق الملائكة السبعة مستمدة من فكرة الإلهة السبعة المستمدة من الأفكار المثرائية الذين جعلوا من الإله ميثرا والذي اعتبروه شمسا رئيسا للآلهة .
16. توفيق وهبي /اليزيدية بقايا الديانة المثرائية / بحث منشور في مجلة لالش 2و3 .
17. جورج حبيب / اليزيدية بقايا دين قديم .
18. د. زكي نجيب محمود / تجديد الفكر الديني .
19. نفس المصدر السابق .
20. الحلاج / الطواسين .
21. صادق جلال العظم / نقد الفكر الديني .
22. الأبيوردي / البرق اليماني .
23. يوجد في كل دين إعلان الهي سري أو معاني خفية للكتب الدينية وان ذاك الإعلان وهذه المعاني لاتحفظ بواسطة تدوينها إنما تحفظ داخل ذاكرة ألها المتضلعين بأمور الدين وتنشر وتبلغ شفويا
24. الفنتازيا أو الميتافيزيقيا هي كتابة أحداث تاريخية أو معاصرة بشكل غير واقعي بالمعنى المتداول لكنها قد تخدم الواقع وهي غير محددة الزمان والمكان أو تتداخل فيها الأزمنة للوصول الى نتيجة يريدها الكاتب خدمة لقضية معينة .
25. ابن الأثير / الكامل في التاريخ / ج1 .
26. د. خليل الياس / محاورة نقدية لكتاب زهير كاظم عبود (طاووس ملك ) /مجلة زهرة نيسان العددان الثامن والعشرون والتاسع والعشرون2006 .
27. شمدين باراني /رأي المثقف اليزيدي في بعض ما كتب عن الايزيدية /سلسة مقالة منشورة في مجلة زهرة نيسان 2006 .
28. نفس المصدر السابق .
29. المصدر السابق .

· المصادر:
· الحلاج /كتاب الطواسين .
· الطبري / تاريخ الرسل والملوك /ج1 .
· صادق جلال العظم / نقد الفكر الديني / بيروت 1969.
· اسوالد اشبنغلر /تدهور الحضارة الغربية ج3 /ترجمة احمد الشيباني .
· احد أمين /ضحى الإسلام /الجزئين 1و2 .
· جرجي زيدان / تاريخ آداب اللغة العربية /المجلد الأول .
· ابن الأثير / الكامل في التاريخ / ج1 .
· سامي سعيد الأحمد / اليزيدية .
· برنيسلاف ما ينوفسكي / الأسطورة في علم الاجتماع البدائي /ترجمة سعيد احمد الحكيم /مجلة ثقافة أجنبية العدد الثاني 1991 .
· د. زكي نجيب محمود /تجديد الفكر العربي .
· مرسيا الياد / تاريخ الأفكار والمعتقدات الدينية /ترجمة عبد الهادي عباس المحامي /ثلاثة أجزاء .
· إسماعيل جول بك /اليزيدية /تحقيق قسطنطين زريق /بيروت .
· أعداد مختلفة من مجلة لالش .
· أعداد مجلة زهرة نيسان .
· مجلة الهلال المصرية بلا عدد 1992 .