الرئيسية » التاريخ » الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول – الحلقة التاسعة

الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول – الحلقة التاسعة

وعموما يلاحظ بعض الخلل في توزيع عدد النواب، الذي لم يتوافق مع الثقل الديموغرافي للالوية لاعتبارات مختلفة، فعلى سبيل المثال بلغ عدد نواب لواء الموصل اربعة عشر نائبا، اي اكثر من عدد نواب اي لواء اخر، بما في ذلك بغداد التي بلغ عدد نوابها احد عشر نائبا فقط، وكان ذلك يرتبط بمشكلة الموصل التي كانت تمر بأدق مراحلها، فأراد المسؤولون بذلك تجسيد عراقية الموصل، لكن تخصيص مقعدين فقط للكورد في كل لواء الموصل كان لا يتفق مطلقا مع ثقلهم الديموغرافي هناك، اذ ان اكثر من نصف اقضية اللواء كانت كوردية، فضلا عن ان الكورد كانوا يتمتعون بثقل ديموغرافي ملموس داخل المدينة نفسها ايضا، ولم يؤخذ كذلك بنظر الاعتبار الثقل العشائري الكبير للكورد في لواء الموصل، على العكس من العديد من الالوية الجنوبية مثل لوائي الديوانية والمنتفك اللذين خصص لكل منهما تسعة مقاعد. في المجلس، ولواء العمارة الذي خصص له ثمانية مقاعد. وهذا الخلل يتجسد اكثر اذا علمنا ان لواء كربلاء، الذي كانت النجف احد اقضيته، قد خصص له مقعد واحد فقط اشغله الشيخ عمر الحاج علوان . وعلى الغرار نفسه لم يدخل من كورد لو اء ديالى في المجلس، وهم ايضا كانوا يؤلفون ثقلا عشائريا معتبرا، خصوصا في المناطق الحدودية . كان النواب الكورد الذين دخلوا المجلس التأسيسي من الناس المعروفين على نطاق واسع في مناطقهم، وخارجها ايضا في حالات غير قليلة. فان نائب اربيل ابراهيم عاصم الحيدري (1864-1931) ينتمي إلى واحدة من اشهر الاسر الدينية، درس الحقوق في استانبول، وتقلد في العهد العثماني مناصب مهمة، منها رئيس محكمة التجارة في جدة، ورئيس مجلس المعارف الكبير في استانبول، ورئيس لجنة دار الخير العالي لدى الباب العالي، واخيرا شيخا للاسلام، وهو كان ارفع مركز ديني، واسمى مناصب الدولة بعد الصدر الاعظم (رئيس الوزراء) طوال العهد العثماني. له عدد من المؤلفات في فلسفة التاريخ الاسلامي وفلسفة الاديان، ومن اثاره المنشورة كتاب في تاريخ التصوف لدى الطرق الاسلامية طبع في استانبول، عاد إلى العراق عام 1923، وكان شديد الارتباط به، فلقد نظم قصيدة طويلة في ضياع العراق في سنوات الحرب العالمية الاولى، في الثاني من آب 1924 عهدت اليه حقيبة وزارة االاوقاف في وزارة ياسين الهاشمي الاولى التي ظلت في الحكم حتى الحادي والعشرين من حزيران 1925. وعلى وفق رواية محمود صبحي الدفتري، وهو شاهد عيان معتبر، وبرلماني معروف، كان ابراهيم الحيدري يرى نفسه في مقام ارفع من منصبه. كان يتمتع باحترام الجميع، وعلى علاقة وطيدة بالعديد من الشخصيات المعروفة، بما في ذلك عدد من البرلمانيين من امثال جميل صدقي الزهاوي واحمد الفخري وآصف قاسم اغا وغيرهم الذين كان له “مناقشات طريفة لغوية وادبية معهم” داخل مجلس الاعيان. وكما يؤكد المؤرخ والبرلماني الكوردي المعروف محمد امين زكي كان ابراهيم الحيدري على علاقة وطيدة بالشاعر الحاج قادر الكويي، ويمثل الاخير (توفي سنة 1897 في استانبول) نقطة تحول مضيئة في الفكر التنويري الكوردي. ومما يذكر ان شخص الملك فيصل الأول كان يكن لابراهيم الحيدري تقديرا خاصا، حتى انه كان الوزير الوحيد الذي صحبه معه اثناء زيارته لمدينة الموصل يوم الثاني عشر كانون الأول 1924. ومن الموصل قصد الملك فيصل الأول لواءي اربيل وكركوك، فكانت هذه أول زيارة قام بها إلى هذين اللواءين بعد تتويجه، وقد رفع العلم العراقي على الدوائر الحكومية فيهما لأول مرة بمناسبة هذه الزيارة. وبعد اشهر قلائل اختاره الملك فيصل الأول لعضوية مجلس الاعيان ضمن الوجبة الاولى من اعضاء ذلك المجلس( )، وبقي يحتفظ بعضوية المجلس إلى حين وفاته في بغداد يوم الأول من كانون الثاني سنة 1931.
اما داود الحيدري (1886-1965) الذي مثل، هو الآخر، لواء اربيل في المجلس التأسيسي فانه ابن ابراهيم عاصم الحيدري الانف الذكر، اتم الدراسة الاعدادية في الموصل والحقوق في استانبول، ومارس المحاماة كما تقلد وظائف عدة في اواخر العهد العثماني، ورجع إلى بغداد في العام 1921, اي قبل والده بعامين، فعين مفتشا عدليا، ثم امينا في البلاط الملكي قبل ان ينتخب عضوا في المجلس حيث اصبح نائبا لرئيسه كما تبين ذلك فيما بعد، وتقلد حقائب وزارية عدة في العهد الملكي مع كل من عبد المحسن السعدون وتوفيق السويدي ومحمد الصدر، كما مثل العراق وزيرا مفوضا وسفيرا في اكثر من بلد، وكان خبيرا معروفا في شؤون النفط القانونية.
وكان الملا محمد جلي زادة من كويسنجق (1876-1943) علامة زمانه، رجل دين متنور معروف، كان يجيد فضلا عن لغته الكوردية اللغات العربية والفارسية والتركية، له ديوان شعر باللغة الكوردية ضم جزءا كبيرا من قصائده الطافحة بافكار التنوير وحب الوطن، درس ودرس علوم الدين، وبعد وفاة والده سنة 1908 تولى رئاسة علماء كويسنجق وتوابعها، اختير في العام 1916 عضوا بالمجلس العام لولاية الموصل، وعين بعد الحرب العالمية الاولى قاضيا شرعيا لكويسنجق، ولقد التقاه في ذلك الحين الكابتن هيي حاكم اربيل السياسي، وسجل عنه يقول “انه رجل في منتصف العمر، طويل القامة، وعلى حظ كبير من العلم والمعرفة”، ويشير إلى كونه متحدثا خارقا “وحيثما يكون تجده يحتكر الحديث، ومن حسن الحظ انه موهوب بفطنة عريضة تصيره اشد الناس ايناسا”.
ترك الملا محمد جلي زاده مؤلفات عدة في علم الاصول والكلام والعقائد والتفسير، من مؤلفاته المخطوطة (الاله والطبيعة والعقل والنبوة) و(المصقول في علم الاصول) و(الحدس سلم الارتقاء) و(كشف الاستار في مسألة الاختيار) و(ابهى المآرب في اثبات الواجب) و(القائد في العقائد) و(خراب العالم) و(غايتي واملي في علمي من عملي) وغيرها. حظي باحترام خاص من لدن شخصيات بارزة من امثال الملك فيصل الأول وقاضي محمد الذي ابنه خصيصا. ومما يذكر ان دور الملا محمد جلي زاده لدن المثقفين الكورد بصورة خاصة، تغنى به وبافكاره التنويرية العديد من الكتاب والشعراء، منهم الشاعر الوطني المعروف عبدالخالق اسيري. وكان نائب اربيل، الملاك محمد شريف، قد ملأ موقعه داخل المجلس التأسيسي بكل جدارة، فانه، وكما يبدو ذلك جليا من مداخلاته المتكررة، كان صاحب اسلوب رفيع، ومنطق سليم، بز بهما جميع زملائه الكورد باستثناء الملا محمد جلي زاده، ومعظم زملائه العرب من اعضاء المجلس، لذا لا غرو انه كان أول اسم انتخب عضوا في “لجنة تصحيح اغلاط القانون الاساسي ومراقبة طبعه”، التي ضمت عددا قليلا من الشخصيات البارزة من امثال ياسين الهاشمي والشيخ احمد الشيخ داود. تتكرر الحالة نفسها مع نواب الكورد الذين مثلوا كركوك في المجلس التاسيسي. فان الشيخ محمد حبيب الطالباني (1884-1959). كان عميدا للاسرة الطالبانية المعروفة التي كانت لها زعامة دينية ومشيخة صوفية على الطريقة القادرية، درس العلوم الدينية واللغوية على يد اكابر علماء كركوك، وقد نال اجازة في العلوم العقلية والنقلية، انتخب عضوا في مجلس ادارة لواء كركوك ايام الحكم العثماني، وفي العام 1920 عين مديرا لناحية قره حسن، تقلد بعد ذلك العديد من الوظائف، فاصبح قاضيا للواء كركوك، ورئيسا لبلديتها على مدى خمس عشرة سنة ونيف (كانون الثاني 1934-1949 تموز)، قيل عنه انه كان “فوق الاهواء الشخصية، والاغراض الذاتية، والمؤثرات الخارجية”، وقيل عنه ايضا انه كان “اريحيا ظريفا حلو المفاكهة، حر النزعة، بعيدا عن التزمت”. وكان على علاقة ودية طيبة مع العديد من كبار المسؤولين، والشخصيات الثقافية والاجتماعية، وكذلك مع عدد كبير من البرلمانيين ، فلقد دخل مجلس النواب اكثر من مرة كما سنبين ذلك فيما بعد.
وكان نائب كركوك جميل بابان (1884-1946) هو الآخر ينتمي الىاسرة معروفة على نطاق واسع، ادت دورا متميزا في تاريخ الكورد الحديث والمعاصر. ومما يذكر ان الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي ينتمي إلى الاسرة البابانية كما دون ذلك بنفسه. عين جميل بابان قائمقاما لكفري في العهد العثماني، لكنه سرعان ما ابتعد عن الحياة الوظيفية. وانصرف إلى ادارة املاكه الخاصة دون ان ينعزل عن المجتمع، فقد كان ديوانه في كفري يعج، ليل نهار بالزائرين من الشخصيات ورؤساء العشائر واصحاب الحاجه للتشاور معه، والتداول في الامور العامة. كما تحدث ابراهيم الدروبي عن مجلسه في بغداد بصورة خاصة.
ومن المفيد ان نشير إلى ان المنتمين إلى الاسرة البابانية ادوا دورا متميزا للغاية في كل الحياة البرلمانية في العراق، فلا توجد اسرة كوردية، ولا حتى عربية تضاهي الاسرة البابانية في هذا المضمار. فان جميل بابان نفسه دخل اكثر من دورة من دورات المجلس النيابي في عهد الملك فيصل الأول كما تبين ذلك فيما بعد، ان العديد من اقربائه دخلوا مجلس النواب منذ تأسيسه حتى سقوط العهد الملكي، منهم ابن جميل نفسه محمود بابان الذي عهدت اليه اكثر من حقيبة وزارية، وحضر المؤتمرات البرلمانية الدولية المعقودة في برن سنة 1952، وهلسنكي سنة 1955، واخيرا في لندن سنة 1957 ومنهم ايضا زوج ابنته، آخر رئيس وزراء عراقي في العهد الملكي احمد مختار بابان، فضلا عن الشخصيتين المعروفتين جلال وجمال بابان اللذين دخلا مجلس النواب مرارا، وعهدت اليهما ايضا حقائب وزارية مختلفة. اما النائب الاخير الكوردي من كركوك في المجلس التأسيسي فكان دارا بيك محمد علي الداوده (1891-1956) شيخ عشائر الداوده الذي دخل بدوره مجلس النواب مرارا في الثلاثينيات والاربعينيات يقول المؤرخ عباس العزاوي عن دارا الداوده كلاما يوضح بصورة معبرة ما نقصده من تقويمنا لاعضاء المجلس التأسيسي من الكورد: “ومهما قلنا فلا نفي حق دارا بيك في علو مكانته ومنزلته من نفوس قومه”.