الرئيسية » الآداب » جلال الخياط بين جنون الشعر وعقلنة الواقع

جلال الخياط بين جنون الشعر وعقلنة الواقع

في كتاب جنون الشعر ، تطالع ملامح الاستقراء القارئَ بميزة متقنة وواضحة ، وكذلك هي الحال بالنسبة الى التبويب لاشكاليات مختلفة تقع باربع وخمسين مقالة ، كما ان اسلوب الكاتب يهدف في كل مرة الى التقديم لمقالته معززا مقتنياته بوعيه الفكري فكأنه يوجه القارئ ببوصلة جمالية في ابحار شاعري مع النصوص المختارة .
أما جنون الشعر كعنوان فهو في معنى آخر حالة التشظي الوجداني والهيام حسا ً بهذا العالم ، عناقه، مناجاته ، والتحليق في فضاءاته ، والبحث عن توازن عقلاني فيه وفرح يغمر بني الانسان بالسعادة والمنطق والحرية !!! فأية روعة في هذا الجنون – الهيام – ؟ انه هذا بالذات ماعناه مؤلف الكتاب . يقول الأديب جلال الخياط : ” هل يمكن ان نعيش بلا شعر ؟ لولا الشعر لقضى كثير منا نحبه او انتحر . شعور معقد يتيه ويغيب في العزلة يمكن ان يغيره بيت واحد فيحوله الى نقيضه ، قصيدة نقرؤها تشفينا من علل واسقام وتبعدنا عن مباضع الجراحين ومجسّات الآسين ونعيش فيها أياما او شهورا وقد ترافقنا الحياة كلها ” .
ولعل هذا مايذكرنا ببعض المقالات التي تركت اثرا في قلوب الشبيبة وانتشلتهم من وهدة الفكر العبثي
والليبرالي واللآمبالاة وغيرها . ان ما أفاد به جلال الخياط من ان الشعر علاج فان الكلمة ايضا يمكن ان تستحيل الى طاقة مادية .. ففي ظروف طغيان الفكر العبثي في العراق بعد عام 1963 والانتكاسات الاخرى في عام 1967 وسواها من السنوات تصدى بعض الكتاب ومنهم الأديب الفاضل يوسف عبد المسيح ثروة للتخريب المنهجي الذي تتقصده اشاعة كتب العبث واللآانتماء وحتى اساءة فهم فلسفة حرية الاختيار وانطلاق المرء الوجودية الخ .. وقد أجاد هذا الأديب ايما اجادة في تصعيد مشاعر الشبيبة ازاء قضايا الانسان والاحساس بالدور النضالي في دفع عجلة التاريخ نحو انتصار الشعوب وحقها في الحياة الحرة السعيدة وضرورة توعية الشباب بما يجري في اوطانهم وعدم ترك الساحة السياسية للتخريب الايديولوجي والنفسي . وبدلا من ان نموت ككائنات قلقة مذعورة جبانة ونلقى اخيرا في برميل قمامة وبدون أي دور انساني ايجابي كنا قد عملناه لإحترام ذواتنا وحب اوطاننا . حقا لقد هزت بعض تلك المقالات مشاعر الكثير وحولتهم تحويلا هائلا ..
قصائد الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب التي ألهبت الجيل كان لها دور مؤثر بالانتماء الى قضايا الكادحين من العمال والفلاحين وقضايا الثورة وحقوق الانسان ودور المثقفين . تلك القصائد مثل تلك المقالات ، كانت تأسيسا لشخصية الجيل .
يقول جلال الخياط ” دراسات علمية قامت لتهيئة أطباء من طراز خاص ، يشفون الأمراض بالموسيقى او الرسم او فنون اخرى ، فلم لايكون الشعر صنو الموسيقى شفاءً وبراءاً من الأسقام ، وملاذا لمن تتقطع بهم السبل . والاستشفاء النفسي يتم بالكلمات واكتشاف المكنونات بالكلمات ، وعلاجها بالكلمات والشعر هو الايقاع بالكلمات ” .
وبدلا من أن يأخذ كولن ولسن شبيبتنا الى ان تشيح بوجهها عن الضرورة التاريخية والحاجات المطلبية للناس ، أخذنا في تلك الفترة مكسيم غوركي في الاُم وتشيخوف في عنبر رقم 6 والبؤساء لفيكتور هيغو وناظم حكمت وماياكوفسكي وفابتزاروف مثلما أخذنا الجواهري الكبير في بائية الشامخة :

لكن بي جنفا عن وعي فلسفة ٍ
تقضي بأن البرايا صُنّفتْ رتبا
وان من حكمة ٍ أن يجتني الرطبا
فرد ٌ بجهد الوف تعلك الكربا

يقول جلال الخياط ” تغيرت كآبات كثيرين بعد قراءة قصيدة ما اوسماع بيت ما وتبدل مزاج كثيرين من الوجوم والعزلة والانطواء الى الانفتاح والانطلاق بتأثيرقراءات شعرية معينة او سماع ضروب من الموسيقى . هذا الذي اسميه طب القرن الواحد والعشرين جدير باهتمامنا كله . وقبل مئات السنين قال قيس بن الملوح : ” وما أنشد الاشعار الا تداويا ” – ” .
ودعما لما أشار له الأديب الخياط فان أعلاء ً للذات الانسانية وترقية لخلقها قد تم على يد الشاعر الملهم والمنيف محمد صالح بحر العلوم القائل :

سمّوك زانية ً وفي اعرافهم
عِلَلٌ تحتم أن تكوني زانية ْ
لو عولجَتْ ماكنت زانية ولا
قصّرت ِ عن مُثل الحياة الزاكية ْ
تجني الظروف وأنت تجنين الأذى
منها فجانية تعذب جانية ْ
ماجرم عارية تعيش بعارها
كجريمة استغلال جسم العارية ْ!

لايمكن ان تنسى هذه الكلمات او تمحى من ذاكرة شبيبة في مقتبل العمر قد اطلعوا على ديوان هذا الشاعر العظيم وقصيدته الشماء ” أين حقي ” وسواها … ان الكلمات هنا نثرا وشعرا ، علاج ناجع بل انها لقاح مضاد لكل امراض السقوط الاجتماعي والغباء السياسي يمتد تأثيره مدى الحياة … لقد غدت مقالة يوسف عبد المسيح ثروة وسواها وقصائد مظفر النواب حبا وتغزلا بالوطن والانسان ومجانفة الجواهري لفلسفة التناقض الطبقي ودعوة بحر العلوم بمثابة تعويذة ضد الذل والاهانة والاحتقار الذي سببته السلطات الخائنة لشعبها والديكتاتوريات المستهترة بالانسان والفكر.
لقد كان هؤلاء الأفذاذ وعشرات بل مئات سواهم ممن انجبهم العراق الخصيب بمثابة اساتذة لأكاديمية الحياة .. انهم نطاسيون قد وصفوا انجع الدواء لمرحلة معينة من التاريخ ، والتداوي قد ورد في الشعر ” وما أنظم الأشعار الاّ تداويا ” .
هذا هو كتاب الجنون في الشعر بمعنى آخر الهيام بحب الحياة واستلهام قيم المحبة فيها والحلم بعقلنتها كي تجود بالحرية والسعادة .
طوبى للأديب الراحل جلال الخياط على هذا الكتاب الجميل الذي لم نتطرق لسوى مقدمته الأثيرة والذي يحتوي جماليات بل اضمامات شعر راقية وعبر مئات السنين . وشكرا والف شكر للدكتور عبد الواحد لؤلؤة الذي قدم للكتاب وجهّزه للنشر وقام باظهاره الى الحياة وفاءا ً لصداقة رائعة وعميقة وشغفا بحياة نبيلة وفاتنة .