الرئيسية » الآداب » القرية في سطور

القرية في سطور

رواية القرية للقاص محمد سليم سواري صدرت باللغة الكوردية، ترجمها سامي الحاج الى اللغة العربية.
لقد ابدع الكاتب في تقديم لوحة كوردية اجتماعية وتاريخية اصيلة ونابضة بالحياة
ما ان تبدأ بقراءتها حتى تبهرك بجمالها فلا تقوى على تركها بل تتمتع بها وتنهل من معينها الى ان تبلغ نهايتها، ويعيش القارئ اجواء القرية الكوردية الاصيلة في مجتمعها المحلي المليء بالحيوية المتدفقة بين اسطرها في مصارعة الفرد الكوردي لقوى الطبيعة وكذلك في تعامل بطل الرواية مع الفكر المتنور الذي حل في ساحة الفكر القومي الكوردي ..
ابدع الروائي في رسم خطوط استشراق المستقبل وربطها ببعضها لكي ينسخ منها رواية جميلة جديرة بالقراءة
1-عن احداث وفكرة كتابة رواية القرية يقول المؤلف:
في مطلع شهر اب من عام 1945 حل الزعيم الخالد مصطفى البارزاني مع رجاله في قرية (سوارى، او سيارى) في منطقة (برواري السفلى).. وعلى مدى ثلاثة ايام انشغل جميع اهالي القرية وانهمكوا في خدمتهم وضيافتهم، لم يكن ليلهم كسائر الليالي ولا نهارهم ككل النهارات.
وعندما ودع البارزاني الخالد كبير القرية عبد الرحمن سواري، وضع يده على كتفه وقال له: (لقد سررت كثيرا بكم وبقريتكم لقد تجشمتم عناء واذى كبيرين في خدمتنا، اتمنى ان يأتي اليوم الذي استطيع فيه ان ارد لكم جمائلكم).
من يومها والى الان ما تزال الذكرى عالقة في اذهان معظم اهل القرية، الاباء والامهات يسردون الحكاية لاولادهم واحفادهم حتى غدت تاريخا يستشهد به الكثيرون لتحديد حوادث معينة في القرية.. فيقولون مثلا:
)لقد ولدت قبل مجيء الملا مصطفى الى القرية… تزوجت بعد مجيء الملا مصطفى بسنتين.. وهكذا).
والاحداث التي رواها لي ابي وعمي ماتزال ماثلة في مخيلتي عندما كانا يتحدثان عن البارزاني وكيف جاء الى القرية ومن كان برفقته وماذا كان يدور في الديوان من احاديث وما الذي كان يسر البارزاني.
عشت ذكرى هذه الحادثة، زيارة البارزاني الى قريتنا، في افكاري اكثر من عشرة اعوام لتتحول شيئا فشيئا الى خيوط شكلت نسيج هذه الرواية وخاصة بعد ان تم تدمير معظم قرى كوردستان عام 1987 اذ ازدادت هذه الحادثة التصاقا بقلبي لتتبلور شيئا فشيئا وتغدو موضوع وجوهر هذه الرواية لتبقى تلك الحادثة بكل ابطالها وشخوصها حية على الدوام، ولتظل قرى كوردستان عامرة في قلوبنا جميعا.
2-عاش المؤلف اكثر من خمسة عشر عاما احداث وشخوص واماكن هذه الرواية عندما يقول:
مهما حاولت ان اقول او افعل ومهما ادعيت فان الفضل في كتابة هذه الرواية لا يعود لي ولقلمي، بل ان جرأة وشجاعة وبطولة ريبه ر وشيرو، حب حه لى وعه زو، جمال الطبيعة في قريتنا.. كلها دفعتني واجبرتي ان انسج خيوطها ثم لاكتبها باحداثها واحيكها رواية، لكي انتقل بافكاري واحاسيسي الى منتصف اربعينيات القرن الماضي، لكي اسير مع اولئك الشجعان خطوة بخطوة واحيا على كل شبر من تلك القرية، ولكي لا ننسى ابدا نسمات الهواء المنعشة اللطيفة وبرودة وصفاء مياه تلك الينابيع والعيون، ويبقى طعم ولذة الطعام والفاكهة لا يغادر فمنا، ويتراءى لنا على الدوام حركة ونشاط ودأب اهل القرية وهم يستفيقون من النوم في الصباح الباكر ويقصدون بساتينهم وحقولهم واعمالهم اليومية حتى مغيب الشمس ثم يعودون الى القرية، فينسون تعب النهار في سمر الليل واللعب والاحاديث، لكي يواصل ريبه ر مسيرته ويظل شيرو على دأبه ويبقى عه زو مع حه لى على عشقه.
هذا كله نزر يسير من مشاهدات وصور الحياة في قريتي.. القرية التي تجد لكل شبر فيها.. سواء كان حقلا، ام مزرعة كروم، ام بستانا، ام تلة، ام جبلا، ام سلسلة هضاب، ام اشجارا، ام اراضي، ام ينابيع، اسما في اطار جغرافي.. كما ان لكل اشخاص القرية اسماءهم الخاصة وعلى طريقة القرويين، فيقولون لعبد العزيز -عه زو- وينادون حليمه -حه لى- وكما ينادي اهل ئاميدى على عبد الرحمن -ده حى- ومنطقة ريبه ر ايضا يقولون للفتاة -كيز- واذا كانت كل هذه الاماكن والاثار تعود لقريتي وكل الشخوص فيها اقاربي ومعارفي واصدقائي، فان هذه القرية ستغدو قرية كل واحد فيكم، واولئك القرويون ايضا اقاربكم ومعارفكم بعد ان تتعرفوا الى شخوص وعوالم الرواية.
صحيح ان تلك القصور والبيوت والمضايف قد هدمت، ثم تم تدميرها بالبلدوزرات ومادة الـ(تي- ان-تي) من قبل الحكومة، الا اننا في هذه الرواية سنرى اولئك الابطال بكامل اهبتهم، احياء خالدين، وتلك القرى والاماكن عامرة وان كل جمال مناظر الدنيا وكل الاعيب وحيل وفنون الكومبيوتر والانترنيت والدجيتال والـCD لن تنسينا او تمحو من اذهاننا جمال وبهاء وروعة تلك المناظر ولن تزيل مذاقها ونكهتها من على شفاهنا ولن تشوش على اصوات اولئك الابطال والرجال والتي يتردد صداها في اذاننا، ولن يهتز ايماننا بمسيرتهم المشرفة.
من خلال ما قرأته عن فن كتابة الرواية، وما سمعته، يقولون ان كتابة الرواية عمل شاق وليس بالسهولة المتصورة، ويقول البعض ان احداث الرواية بشخوصها واماكنها يجب ان يكون لها اساس من الحقيقة او ان يبتدع الروائي هذه الشخصيات والاحداث، لكن صدقوني ان احداث هذه الرواية بشخصياتها وامكنتها وازمنتها حقيقية، لكن ما فعلناه هو اننا نقلنا صور تلك المناظر والاماكن وجغرافيتها لنضعها امام اعين البعض منكم واوصلنا اصوات تلك الشخصيات الى مسامعكم، فيما امسكنا بيد البعض الاخر وقدناهم ليروا باعينهم تلك الاماكن ويعايشوا الاحداث واولئك الابطال. اكثر من خمسة عشر عاما وانا اعايش يوميا احداث وشخوص واماكن هذه الرواية بكل احاسيسي وافكاري، كنت في كل لحظة اقول وافكر مع نفسي كيف سأبدأ بهذا العمل ومتى واين انهيه؟ في كل مرة كنت التقط فيها قلمي للشروع في الكتابة، كنت اجفل وارتد عن كتابتها واقول انه لم يحن بعد اوان كتابتها، خاصة عندما كنت افكر في نفسي واقول حتى وان اكملت كتابة الرواية فانها لن تنشر او توزع بسهولة في اي مكان.
هكذا ركنت العمل وتأخر انجازه وكان العديد من الاصدقاء يسأل: (اين روايتك؟ انت قاص فهل يمكن ان لا تكتب رواية لحد الان)؟..
وكان الصديق والاستاذ صلاح سعد الله اكثر السائلين: (اين روايتكم؟) فكنت اجيبه: (انها في الطريق..) لم اكن اجرؤ على القول انني ما بدأت بكتابتها اصلا لانها في الحقيقة كانت في الطريق وهكذا تأخرت روايتي الاولى.
وبعد اكثر من عشرة اعوام على تساؤلات الاستاذ صلاح سعد الله شرعت في كتابة الرواية وفي عام 2000 كنت قد اكملت كتابة ثمانية فصول منها، وسلمتها للاستاذ لكي يقرأها ويبدي رأيه وملاحظاته عليها فاقرر، استنادا اليها، ان كنت ساستمر في كتابتها ام اتوقف.. وجاءت ملاحظات الاستاذ صلاح سريعا، وفضلا عن ملاحظاته الشفهية فقد كتب لي بعضها، ودفعتني ملاحظاته وتعليقه التالي الى الاسراع في اتمام هذا العمل الروائي.. (واصل تقدمك للامام، واسرع بانجازه، انه عمل رائع).. وهكذا انهمكت في كتابة هذه الرواية بين الاعوام 2000 الى 2002.
ان الحديث عن كتابة هذه الرواية بحد ذاته رواية، وما ان انتهت حتى ابلغت الاستاذ صلاح بالبشرى وسلمته الرواية ليكون اول قارئ لها، ولتكن انت ايضا عزيزي القارئ رفيق هذه المسيرة مسيرة ريبه ر وشيرو.. مسيرة الكلمات والافكار هذه.
3-وعن فن الترجمة والصعوبات التي تعترض المترجم لمن يريد ان ينقلها بروحها الكوردية الى لغة الضاد يقول مترجم الرواية سامي الحاج: لا ادري متى واين كتبت في احدى الهوامش المصاحبة لترجمة احدى قصص الكاتب محمد سليم سواري بان ترجمة قصصه تحتاج الى باحث ومترجم في ان واحد، فترجمة قصصه الغارقة في خصوصيتها الكوردية صعبة لمن يريد ان ينقلها بروحها الكوردية الى لغة الضاد، فتلك الخصوصية لا تجد لها مثيلا في اللغات الاخرى في اغلب الاحايين، لذلك يجد المترجم نفسه مضطرا لان يبحث ويستقصي في المصادر او الاستفسار ممن لهم المام بحياة الريف الكوردستاني فيضطر المترجم الى شرح الكثير من المصطلحات والاسماء والاشارات والتعابير كي يفهمها القارئ غير الكوردي على حقيقتها، لذلك يرى القارئ اكثر من خمسين هامشا لهذه الرواية، ارتأينا شرحها وتفسيرها مراعاة للقارئ العربي الذي لن تكتمل الصورة لديه دون هذه الايضاحات رغم ان اغلب هذه الهوامش ليست غريبة على القارئ الكوردي.
وما يؤيد وجهة نظري انني عندما اخبرت احد الاصدقاء، وهو من الادباء الذين يترجمون من الكوردية الى العربية، بانني بصدد ترجمة رواية الكاتب محمد سليم سواري الى العربية اخبرني، مازحا انه تورط ذات مرة وحاول ترجمة احدى قصصه، قصص الكاتب سواري التي احاطت بكل تفاصيل الحياة الكوردية اليومية في الريف الكوردستاني رغم انه يعيش في بغداد منذ عشرات السنين.
-4اذن فهذه القرية التي جرت فيها كل هذه الاحداث التاريخية والاجتماعية والمواقف الرجولية، حري بها ان توثق في رواية شيقة تختلط فيها الرومانسية بالواقعية والتاريخية، وقد برع في ذلك الكاتب محمد سليم سواري اذ استطاع بحق ان ينقلنا باحاسيسنا وشعورنا وذكرياتنا الى اجواء الريف الكوردستاني الاصيلة بعبقها ولحظاتها الجميلة وسحر طبيعتها الخلابة ويعرفنا على الكم الهائل من الموروث الشعبي الكوردي.
المؤلف في سطور
-5ولد سنة 1951 في قرية سواري في دهوك.
-اكمل المراحل الدراسية الابتدائية والمتوسطة والاعدادية في مدينة الموصل.
-حصل على شهادة البكالوريوس في الرياضيات سنة 1978 من كلية العلوم/ جامعة المستنصرية.
-اعد وقدم الكثير من البرامج الاذاعية وكتب الدراما الاذاعية للاذاعة الكوردية في بغداد للاعوام 1974-2001.
-عضو في اتحاد الادباء العراقيين والكورد منذ عام 1980.
-عضو نقابة الصحفيين العراقيين والكورد منذ عام 1985.
-يعمل الان سكرتير تحرير في جريدة الاهالي.
-من مؤلفاته المنشورة:
-(مزكينى)- مجموعة قصصية 1983.
)-رييا به رانى)- مجموعة قصصية 1986.
-(كه فالى بى به رواز)- مجموعة قصصية 1996.
)-كانييا ئاشقان)- شعر 2001.
)-طريق الكبش)/ ترجمة المجموعة القصصية (رييا به رانى) من الكوردية الى العربية 2002.
-(كوند)- رواية 2005..

المصدر: التآخي