الرئيسية » مقالات » هل نحو حكومة تكنوقراط عراقية؟؟

هل نحو حكومة تكنوقراط عراقية؟؟

لأول مرة يتحدث السيد المالكي عن تفكيره في قيام حكومة تكنوقراط، قائلا إنه طرح الموضوع على المرجع الشيعي الأعلى، السيد علي السيستاني.
نود التذكير بأن عددا من الكتاب العراقيين سبق أن طرحوا مثل هذه الفكرة، باعتبار مثل هذه الحكومة هي الأنسب للمرحلة الحاضرة المتميزة بتفاقم الإرهاب والعنف، وانفلات الأمن، وانعدام الخدمات الأساسية.
الواقع أن القضية ليست في التسمية ولكن فيما يعنيه كل طرف بحكومة التكنوقراط.
إن هناك فوارق أساسية وجوهرية بين ما يبدو أن السيد رئيس الوزراء يقصده وبين مفهومنا المنشور مرارا عن هذه الحكومة.
لقد كتبنا منذ عشية سقوط النظام المنهار بأن عهد العراق الجديد يجب أن يفصل بين الدين وبين السياسة وشؤون الدولة. وكتب العديد من كتابنا عشرات المقالات بهذا الخصوص قبل السقوط وبعده، مؤكدين أن زج الدين في السياسة مؤذ لكليهما. فزج المقامات والمرجعيات الدينية في السياسة، وتفاصيل شؤون الدولة، يعني زجها لا محالة في مطب السياسة، وخلافاتها، ومناوراتها، ومنعرجاتها، وهذا يسئ للدين ومرجعياته. إن أية مرجعية دينية، ومهما علا مقامها، ليست بمرجعية سياسية. إن للسياسة أهلها، وأساليب تعاطيها، ومؤسساتها. هل لنا أن نكرر مئات المرات بأن الغرب لم يتقدم إلا بعد فصل السياسة عن سلطة الكنيسة، أي العلمانية التي لا تعني محاربة الدين بل وضع كل سلطة في مكانها، أي فصل السلطتين الزمنية عن الدينية.
إن مجرد إقحام المرجعية الشيعية في قضية احتمال تشكيل حكومة تكنوقراط هو النقيض من المفهوم الصحيح لمثل هذه الحكومة، إذ يبدو أن السيد رئيس الوزراء ربما يفكر في حكومة من شخصيات يقال أنها “مستقلة”، بينما لها ارتباطات وثيقة بالأحزاب .
إن المفهوم الصحيح في رأينا هو أن تكون حكومة تكنوقراطيين مستقلين تماما، وليس اسميا، عن الأحزاب؛ حكومة وطنية، مستقلة، ومختصرة، أو “رشيقة”، على حد تعبير الدكتور عبد الخالق حسين؛ حكومة تتولي المسئولية لمرحلة محددة، ولمهمات محدودة، تخص الأمن أولا ثم الخدمات. إن استقلالية هذه الحكومة لا يعني وجوب إجراء أوسع المشاورات والاتصالات بين كل القيادات الوطنية للاتفاق أولا على المعايير، ومن ثم يكون إيجاد الأساليب العملية لتشكيلها بلا صعوبة كبرى. القضية الأمنية هي العامل الأكبر في ضرورة تشكيل هذه الحكومة، أما المشاكل الكبرى والمعقدة والشائكة وموضع الخلاف، أو ربما حتى الصدام، فيجب تأجيلها لما بعد ضمان الاستقرار، وخلق الظروف المناسبة لانتخابات جديدة، وحكومة جديدة.
إن مما يميز الحياة السياسية العراقية اليوم، وما هو في مقدمة أسباب الأزمة العميقة، هو تسلم أحزاب دينية ذات مليشيات للسلطة، وانتهاج نظام المحاصصة في توزيع المناصب وفقا لمعايير مذهبية وعرقية. نضيف أن كافة الأحزاب لا تطيق النقد، وليست مستعدة لإعادة النظر في المواقف والسياسات عندما تقتضي الأوضاع المتغيرة، وهذه الظاهرة تميز الحياة السياسية العراقية في مختلف عقود ومراحل تاريخنا الحديث. من هنا، نعتقد أن الأحزاب الحاكمة، من ائتلافية وكردستانية، ستخاصم فكرة تشكيل حكومة تكنوقراط سليمة، أي مستقلة تماما لا شكلا، وهذا هو المأزق في وقت تتواصل فيه جرائم الإرهابيين القاعديين والصداميين ومن لفهم، ويستمر فيه خطر جيش المهدي رغم مناورة التجميد الصدرية المفضوحة. إن القادة العسكريين الأمريكان يعلنون أن أكثر من 70 بالمائة من الهجمات على القوات متعددة الجنسيات هي من فعل جيش المهدي ومليشيات أخرى، ويجري تنفيذ العمليات بأسلحة إيرانية متطورة. إن هذا أحد أسباب تزايد النقد في الكونغرس الأمريكي لأداء السيد المالكي، أي عدم حله المليشيات الحزبية، وبالأخص مليشيا الصدر الإرهابية، التي يحاولون تبرئتها من الجرائم والانتهاكات بالحديث العمومي عن “عناصر منشقة” عنها، أو “الخارجين عن القانون” و”دول الجوار” دون تحديد، مع أن جيش المهدي منظمة إرهابية صرفة من زعيمها لأصغر عضو، وهي تابعة لإيران كليا، وكان يجب حلها منذ سنوات.
إننا نعتقد أن السيد المالكي لو أراد بذل مساعي حميدة ومثمرة لتحقيق مشروع حكومة التكنوقراط، لتطلب ذلك شجاعة التحرر من قيود حزبه والائتلاف، والشروع الفوري بحل المليشيات لقطع الطريق على أية قوة أخرى لتبرير تسلحها. إن قادة الأحزاب الحاكمة يبدون مخاوف من تسليح الأمريكان لعشائر الأنبار لمحاربة القاعدة. هذه المخاوف تكون ذات مصداقية لو لم تكن لأحزاب الائتلاف الحاكمة قواها المسلحة المستقلة، ولو كانت الحكومة قد قامت فعلا بمراعاة الدستور، والوفاء بالتعهدات، لكانت قد حلت المليشيات الحزبية، وطهرت قوات الشرطة، وحينئذ يكون موقفها قويا في موضوع تسليح عشائر الأنبار.
إن المالكي سياسي وطني مخلص، وهو نزيه في زمن عراقي قل فيه النزهاء! كما أن المشكلات كبرى والوضع في غاية التعقيد، ولا يتحمل السيد رئيس الوزراء المسؤولية وحده عنها. إن المشكلة الحقيقية بالنسبة للسيد المالكي هي ارتباطه بقيود حزبية وائتلافية ثقيلة، وأيديولوجيا إسلامية لها برامج حزبية وضعت في الثمانينات، ولا تزال دون تغيير. إنها قيود ثقيلة حقا، وربما يتعذر عليه التحرر منها، أو هكذا يعتقد. وهنا تكمن نقطة ضعفه الكبرى كرئيس للوزراء في الزمن الصعب.
مما مر، ومن سلوك كل القيادات الحاكمة، وتدخل رجال الدين في شؤون الدولة، فنحن نعتقد أن تشكيل حكومة تكنوقراط وطنية، قوية، ومستقلة، و”رشيقة”، ونزيهة كل النزاهة من الفساد سيكون معجزة سياسية خارقة، بل أكبر المعجزات!! إن أكبر الظن أنهم سيعودون لنغمة “الاستحقاق الانتخابي” أو “حكومة الأكثرية” أو أية صيغة أخرى لن تعني غير الدوران في نفس الحلقة، و”كأننا يا ناس لا رحنا ولا جينيا!” أما فكرة ضم قيادات النظام البائد كعزة لدوري، إلى حكومة جديدة باسم المصالحة، فهنا الطامة الكبرى، وتجاهل لتضحيات شعبنا، وضربة قاصمة لمشروع تحقيق الديمقراطية في المنطقة، وما يعنيه أيضا من هدر لتضحيات الجنود الأمريكان.
8 سبتمبر 2007