الرئيسية » مقالات » پاڤاروتي..كروان العصر الحديث (1935-2007 )

پاڤاروتي..كروان العصر الحديث (1935-2007 )

لوچيانو پاڤاروتي

إذا كان فيودور إيڤانوڤيتش شالياپين، مغني الأوبرا الروسي، قد إحتل قمة المغنيين الأوبراليين في العصر الحديث في أصوات الباس، فإنه ما من دون أدنى شك فإن لوچيانو پاڤاروتي يحتل وبدون منازع قمة سلم المغنيين الأوبراليين في أصوات التنر. وليس من قبيل الصدفة أن يقول عنه المخرج السينمائي الإيطالي العروف عندما رثاه قبل أيام عباراته المأثورة:” كان هناك الكثير من أصوات التنر، وبعدهم كان هناك صوت واحد هو پاپاروتي”. ويضاف الى هذا الرثاء، رثاء مغني التنر الإسباني بلاسيدو دومينغو، الذي شكل مع بافاروتي وكاريراس فريقاً غنائياً واحداً سمي بثلاثي التنر في عام 1990، حيث قال:”كنت على الدوام احترم صوته السماوي، الذي كان يؤدى بدون أي خطأ وبعبارات مفهومة. لقد أحببت مزاجه المدهش الذي يتسم بالطرافة. كنا في حفلاتنا مع جوزيه كاريراس ننسى أحياناً إننا نقدم وصلاتنا أمام جمهور دفع ثمناً لحضوره، لأن ثلاثتنا كنا مفعمين بالمرح”. أما مغني البوب الأيرلندي بونو، فقد عبر عن رثائه لبافاروتي بهذه الكلمات الجميلة التالية:”يستطيع البعض أن يؤدي الغناء الأوبرالي، ولكن لوچيانو پاڤاروتي كان هو الأوبرا. كان يعيش الأغنية، وكانت أوبراه مزيجاً كبيراً من المرح والحزن، ما فوق الطبيعة وعلى الأرض، كان بركاناً هائلاً لإنسان غنّى النار ولكنه أطفأها برشقات من حب الحياة في كل تعقيداتها، كان إنساناً عظيماً وكريماً”.


الأوبرالي الروسي فيودور ايفانوفيتش شاليابين
1873-1938

ولد پاڤاروتي في العاشر من تشرين الأول عام 1938 في ضواحي مدينة مودينا في شمال الوسط الإيطالي من عائلة كادحة. وكان الأب فرناندو پاڤاروتي يعمل خبازاً، علاوة على ممارسته الغناء في الكنيسة المحلية. أما الأم، عادله فينتوري، فقد كانت تعمل كعاملة في أحد مصانع السيكار في المنطقة. عاشت العائلة حياة الضنك والحرمان بسبب قلة المدخول. وأنحشر أفراد العائلة الأربعة في غرفة واحدة. ومع إشتعال نار الحرب العالمية الثانية، أضطرت العائلة في عام 1943 الى مغادرة المنطقة إلى الريف. وإستأجرت العائلة غرفة من أحد الفلاحين، وبهذا خسر الأب فرصة ممارسة الغناء والعمل كمغني في الكنيسة المحلية السابقة. وبعد طفولة عادية، وفي مطلع شبابه كان عليه أن يختار بين مهنة لعبة كرة القدم كحامي هدف وبين مهنة التعليم. وإختار الشاب مهنة التعليم بناء على ضغوط من والدته. وهكذا إمتهن لوچيانو پاڤاروتي مهنة التعليم في أحدى المدارس الإبتدائية ولمدة سنتين حتى إستهوته الموسيقى وجَذَبَه الغناء. وهكذا دخل إبن الخباز الى عالم الفن الرحب وهو في سن الثلاثين. وقتها تعرف على أدوا فيروني، مغنية الأوبرا لاحقاً، وتزوجا في عام 1961. وشرع الفنان بالدراسة الموسيقية في معهد أتوار كمبوگالياني، الى جانب عمله كمدرس ثم بائع، لتمرير معاشه وتأمين تكاليف دراسته. ولم تؤد السنوات الست الأولى من دراسته الا الى بعض العروض البسيطة في بعض البلدات الإيطالية، وغالباً ما كانت مجانية. وكاد أن يتوقف كلياً عن الغناء عندما أصيبت أوتاره الصوتية ببعض العُجيرات، والتي سرعان ما شفى منها بعد فترة.
وبعد ذلك إنفتحت أبواب الإبداع والشهرة أمام پاڤاروتي. ففي عام 1963 قدم لأول مرة عرضاً لأوبرا “البوهيمي” في دار الأوبرا في فينا، ثم لعب پاڤاروتي دور الكونت في أوبرا ريغوليتو. وإنتقل الفنان الى الولايات المتحدة حيث شارك بدور دونيزتتي في أوبرا لوجيا دي لاميرمور في دار أوبرا ميامي الكبرى. وأنتقل بين العواصم الكبرى في العالم لخوض نجاحاته المتوالية. وهكذا سافر پاڤاروتي الى أستراليا وبريطانيا وروما لتقديم مختلف العروض الاوبرالية مما إستحق لقب ملك الأوبرا آنذاك. ولم يكتف هذا المغني بدور الأوبرا، بل إنتقل الى العروض التلفزيونية التي جلبت له المزيد من المعجبين بصوته ومهارته وإبداعه منذ عام 1969. ومنذ عام 1976 شرع في المشاركة في المهرجانات الدولية، وبدء بمهرجان سالسبرغ السنوي حتى عام 1988، ثم عاد الى دار أوبرا فينا بعد غياب دام 14 سنة.
وفي عام 1992 شرع پاڤاروتي بتنظيم “مسابقة پاڤاروتي العالمية لأصوات المغنين الشباب”كل أربعة سنوات. وبمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لنشاطه الإبداعي، نظم پاڤاروتي للفائزين بهذه المسابقة جولة الى إيطاليا ثم الى الصين لعرض أوبرا “البوهيمي”، حيث حضر قرابة 10000 مشاهد صيني للعرض الذي أقيم في قاعة الشعب الكبرى في بكين. وتكرر نفس الأمر في فيلادلفيا في عام 1997.
وفي سابقة لم يعهدها هذا الفن الغنائي الرفيع، فقد نقل پاڤاروتي عروضه الأوبرالية والأوبرا الى فضاءات أرحب.. الى الجمهور الواسع والى المنتزهات والساحات العامة كي يصغي الى هذا الفن الجذاب أوسع الأوساط الشعبية، وحوله من فن نخبوي الى فن جماهيري. وتعززت هذه المساعي خاصة بعد أن تشكل فريق التنر الثلاثي المشهور من پاڤاروتي و دومينغو وكاريراس. وهكذا وقف الثلاثي وغنى أمام الآلاف من البشر في إفتتاح كأس العالم لكرة القدم في روما. وعاود الثلاثي الظهور في نفس السنة أمام 150000 مشاهد في منتزه الهايدبارك في لندن. وأصغي ما يزيد على نصف مليون شخص الى الثلاثي في عرض فريد في البارك المركزي في مدينة نيويورك، وتلاه في باريس وتحت ظلال برج إيفل حيث أقيم عرض حضره قرابة 300 ألف مستمع. وأصبح هذا التقليد الثقافي الفريد سائداً، حيث كرر ثلاثي التنر إبداعهم، وأصغى الجمهور الى حناجرهم الذهبية في بطولة كأس العالم لكرة اقدم في لوس أنجلس في عام 1994 وبطولة باريس في عام 1998 وبطولة يوكوهوما في عام 2002.

لم يكن صوت پاڤاروتي ضخماً، ولكنه تميز بالتركيز وسهولة التعبير والإنتاج، وكان إنسيابياً كالزلال، ولذا لا تجد فيه اي قدر من الشد أو التذبذب الحاد في كل تعابيره. بالطبع كان هذا الصوت يحتاج الى التكبير في الأماكن الواسعة، ولكنه لا يحتاج الى ذلك في دور الأوبرا بحيث يصل الصوت بسهولة الى أبعد مقاعدها بدون اية مساعدة الكترونية. إن هذا الصوت الرخيم لابد وأن يترك لدى من يصغي إليه مشاعر الحب والود ويعمق ثقافة الإبداع والسلام لدى من يصغي إليه، ويزيح ثقافات بالية سداها ولحمتها العنف والإكراه والكراهية.
لتبقى ذكرى ومشاعر پاڤاروتي الإنسانية حية في ذاكرتنا، ولتعيش في جنبينا لنحيا بسلام ووئام في عالمنا المضطرب.