الرئيسية » مقالات » إيران: حسن الجوار أم قطف الثمار..؟!

إيران: حسن الجوار أم قطف الثمار..؟!

… ولم لا..؟

فجارتنا العزيزة إيران، لها حضوة خاصة لدينا؛ إذ جيرتها تمتد منذ أن بسط سبحانه تعالى الأرض وألقى فيها رواسيها، وربما لنا عندها الحضوة نفسها، وعند جيراننا الآخرين..!!؟

فالحرص الذي أبداه السيد رئيس الجمهورية الإيرانية الإسلامية، وكذا وزير الخارجية والسفير الإيراني في بغداد، حول رفضهم أي تدخل “أجنبي” في الشأن العراقي حتى لو كان صادراّ من قبل الأمم المتحدة، ولذا فإن الحمهورية الإيرانية ومن باب هذا “الحرص”، ترفض تدويل المسألة العراقية، وتدعم الحكومة العراقية برئاسة السيد المالكي، حتى لو أضطرها ذلك إملاء “الفراغ الأمني” العراقي في حالة أي إنسحاب للقوات الأمريكية كما تفضل السيد رئيس الجمهورية الإيرانية ومن بعده السفيرالإيراني في بغداد السيد حسن كاظمي قمي..!!؟ (1)

وبهذا الموقف يحاول الساسة الإيرانيون أن يؤكدوا لنا وللآخرين؛ أنهم أقرب الينا منا، وأن ما لنا من حضوة لديهم تفوق تصورنا، وبالتالي فإن قدّر لنا أن نعجز عن رد غائلات الزمن وتهديدات الغير، وخاصة الشياطين منهم، حتى لو كان كبيرهم؛ فهم أصالة، ولا أريد أن أقول نيابة عنا، سيقومون بالواجب، طبقاّ لولاية الفقيه الشرعي، فالأغلبية من شعبنا من المسلمين تنتمي لنفس المذهب الديني، ولذا فإن الواجب الفرضي يقتضي منهم أن يتقدموا بالمساعدة غير المشروطة، حتى لو تطلب ذلك منهم تزويد المنظمات العراقية المسلحة من المليشيات، بالأسلحة والعبوات الناسفة، وإن أدى ذلك لقتل الأبرياء من العراقيين، كما ولا ضير في الأمر حتى لو قامت المدفعية الإيرانية بتدمير القرى الكردية وتهجير سكانها من المنطقة الحدودية، أسوة بما تفعله العزيزة تركيا، وتكبيدهم العشرات من الإصابات بين قتيل وجريح لتطهير الأرض من المتسللين..!؟؟

وما أسماه البعض تدخلاّ في الشؤون الداخلية، تراهم يرفضون هذا المنطق. فالجار في عرفهم قبل الدار..والعراق يشكل إمتداد إيران الروحي والعقائدي والأمني، وربما الجغرافي.. وما يقومون به هو ليس إلا تطبيقاّ لمبدأ حسن الجوار الذي يكفله القانون الدولي..!!؟؟؟

فهل لنا كعراقيين، وبالذات كمسؤولين، من مجلس رئاسة وحكومة ومجلس نواب ومواطنين؛ أن نحتج على ذلك، وأن نشكي حالنا الى الأمم المتحدة عند اللزوم..؟ أمر فيه نظر..؟!

المنطق يقول نعم، والقانون الدولي والعرف يؤكدان ذلك، وحقوق الجيرة توصي بإحترام الجار وليس الحلول محله وتسيير شؤونه دون ترخيص من قبله، حتى لو كان قاصراّ..!

ماذا عملنا أزاء كل ذلك..؟!

إبتلعنا التدخل الفض على مضض، وتجرعنا الدواء المر بطيبة خاطر؛ وبعد قصف المدفعية لقرى كوردستان لما يزيد من الشهر، كان ثمة لقاء مع السفير الإيراني وعتاب أخوي ووعد بوقف القصف المدفعي، ولم ينجز، وإخيراّ مذكرة إحتجاج، يتبعها تصريح خجول للسيد وزير الهجرة العراقي بتأريخ 2/9/2007 معرباّ فيه عن إستغرابه للقصف المدفعي المتواصل، وواصفاّ إياه بأنه “غير مبرر”..!؟

والمرء إذ يتسائل عن ماهية القصف المبرر، وهل تمتلك إيران الحق في أن تقصف الأراضي العراقية الحدودية متى ما طاب لها ذلك، وهل أن الحكومة العراقية من جانبها ملزمة ببناء ما دمر وتعويض ما خرب ، وهل يدخل هذا في عرف الجيرة أيضا..؟؟!(2)

وما هو الموقف الذي إتخذناه أزاء التصريحات اللامسؤولة للساسة المسؤولين الإيرانيين الأخيرة..؟!

لا شيء، ويبدو أن ساستنا غير راغبين بالبحث عن المشاكل وما لديهم يكفيهم؛ أو أنهم كما يقول المثل العراقي : “ذياب ما يسمع رعيد..!!؟”


إن التدخل الإيراني في الشأن العراقي قد تجاوز حدود المعقول، مما إضطر حتى وزير الخارجية العراقية السيد هوشيار الزيباري التنويه حول إحتمال تعرض العلاقات العراقية – الإيرانية الى الضرر بسبب مواصلة إيران قصف الأراضي العراقية الحدودية بالمدفعية يومياّ، مثلها مثل جارتنا الشمالية العزيزة تركيا، والتي أفردنا لها مقال سابق؛(*) التي ما إنفكت قنابل مدفعيتها تمطر القرى الكوردية ليل نهار، وكأنهما يتسابقان في كر وفر ، مذكران بجولات وصولات الإمبراطور العثماني سليمان القانوني، والشاه طهماسب بن الشاه إسماعيل الصفوي عام 1532 في نزاعهما لإحتلال العراق، ومتناسيتان أن العالم يعيش في أجواء القرن الحادي والعشرين، وتحكم المجتمع الدولي قوانين وأعراف، غيرها في القرن السادس عشر، وإن الحوار اليوم هو سيد الأحكام..!!؟

ولكن إيران تدرك جيداّ، بأن لأمريكا مصالح حيوية من وراء غزوها للعراق، وإنها ليست بهذه السهولة، سوف تتخلى عن هذه المصالح، وفي مقدمتها مصادر الطاقة (النفط) في الخليج العربي، مهما سعت إيران لوضع العصي في طريقها، سواء أكان ذلك في العراق بشكل خاص، أو مناطق الشرق الأوسط الأخرى، إمتداداّ من لبنان وفلسطين وإنتهاءّ بالخليج..!

كما وليس من السهل على إيران أيضاّ، وهي في وضعها الحالي، سواء على صعيد الصراع على السلطة أو مصاعب الوضع الإقتصادي الداخلي، ومشاكل الأقليات القومية، ناهيك عن المشكلة الأكبر المتعلقة بالموقف الدولي من ملفها النووي، أن تحول بين أمريكا وبين مصالحها، وفقاّ لسياسة حافة الهاوية، والتلاعب بالمصير العراقي، ومصير المنطقة من خلال المغامرة السياسية..!!؟

فما تمارسه الجمهورية الإيرانية الإسلامية من أفعال داخل العراق وبدون إستئذانه، مستغلة حالة الفوضى التي تمر بها البلاد، والتي لا يمكنها أن تدفع؛ بأن ليس لها يد فيها، حتى وإن كانت موجهة ضد قوات الإحتلال إفتراضاّ على حد زعمها، فإن نتائجها وآثارها تنعكس على العراقيين سلباّ، وتكبدهم الكثير والكثير في أرواحهم وأملاكهم ومستقبل وطنهم، كما هو الحال بما يجري في الساحة اللبنانية وما يلقاه الفلسطينيون من تمزق في وحدتهم وويلات جراء نفس تلك السياسة..!؟

فهي بذلك، وبدلاّ من أن تساعد العراقيين وطبقاّ لمبدأ حسن الجوار بين الدول، من خلال عدم التدخل في شؤونهم الداخلية، وكف اليد عنهم، ليلتقطوا أنفاسهم، ويعززوا وحدتهم الوطنية، ويبنوا مؤسسات الدولة، ويجففوا بؤر الإرهاب، ويعجلوا بإنهاء الإحتلال؛ بدلاّ عن ذلك، تقوم إيران بإعطاء كامل المبررات والذرائع لأمريكا، للتشبث بالبقاء في العراق، زيادة على ما لديها من مبررات أخرى وفي مقدمتها الإرهاب، المبرر الأساس لوجودها في العراق وأفغانستان، وتدفعها بإتجاه التسريع بتحقيق خططها ومشاريعها المهيئة سلفاّ لحماية مصالحها في المنطقة، ومنها على أقل تقدير، خططها لربط العراق بإتفاقية أمنية طويلة الأمد، وليس بعيداّ عنها بناء القواعد العسكرية الثابتة، وغرس أشجار (الناتو) على طول الحدود العراقية-الإيرانية..!!؟

إن التخبط الظاهر في السياسة الإيرانية، الإقليمية منها والدولية، أمسى من عوامل التعقيد التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط برمتها؛ وإقتراناّ بملفها النووي، يصبح الأمر أكثر تعقيداّ وخطورة، وقد يترتب على تداعياته، ما لا تحمد عقباه من كوارث وخيمة على المنطقة، لا سامح الله؛ فلا العراق ولا حتى إيران نفسها سيكونان بمنجى من هول ما قد يقع، إن لم يكن لهما حصة الأسد من الخراب والدمار المتوقع..!!!؟؟

ألا يكفي الجارة العزيزة ما توظفه من أوراق وعلى المكشوف ولا أتحدث عن المستور في اللعبة العراقية منذ أربع سنوات بدون طائل..!؟. ألا تنظر بعيداّ للنتائج المدمرة التي أحاقت بالشعب العراقي جراء سياسة التدخل التي تنتهجها في شؤونه الداخلية..!؟

أمن الحكمة بمكان، أو من عرف الجيرة، أن تزهق أرواح العراقيين بالسلاح الأيراني وأن تفتح الحدود لمهربي وتجار المخدرات والأسلحة ويتعرض العراق الى غزو جديد يدمر نفوس العراقيين ويسمم عقولهم، وبأيد وذمم مخدوعة بإسم الدين أو مشتراة، وتحت لافتات في ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب..!؟

فما الذي جنته إيران أو تحقق من أهدافها على صعيد المنطقة والعراق خصوصاّ ثم لبنان وفلسطين..؟ ألا تجري الرياح عكس ما تشتهي السفن..؟ أليست نتائج هزيمة مخطط التدخل في شؤون لبنان الداخلية (هزيمة نهر البارد) والشؤون الفلسطينية (تمزق النسيج الإجتماعي وتهديد إسرائيل بإجتياح غزة) ، كافيان وحدهما لإعطاء دروساّ غنية في السياسة، أم أن أهداف اللعبة أبعد مما يتصوره المرء أو ما تحسبه الظنون..؟؟!!

يبدو وكأن السياسة الإيرانية لا تريد أن تدرك؛ بأن التلاعب السياسي، والغور في أعماق الأزمة العراقية أو اللبناية أو الفلسطينية، بقصد فك الطوق الأمريكي والدولي المضروب حولها، أوالتوصل الى تسويات مع الغريم الأمريكي على حساب مصالح الشعب العراقي وفوق أراضيه، سوف يدفع بكامل المنطقة الى الكارثة، ويجر الجميع بما فيهم إيران نفسها الى مرحلة ما قبل الحضارة، وبأن الساحة العراقية ليست الفضلى لتصفية الحسابات مع الأمريكان وكذا هو الحال في الساحات ألاخرى؛ فما ذنب شعوب المنطقة ومنها شعبنا العراقي والشعب الأيراني، أن يكونا ضحية السياسات الخاطئة والمغامرة التي تنتهجها الأجنحة المتطرفة في القيادة الإيرانية؛ وهل في منظور تلك القيادة المضي قدماّ في نفس الطريق وفق مقولة “أقتلوني ومالك”..؟؟!

إن لدى إيران مع جيرانها، الكثير من عوامل التقارب والتعاون مما هو بالنسبة لعوامل الفرقة والتباعد والإحتراب، ومن الحصافة بمكان، وفي ظروفها الحالية، أن تبني علاقاتها مع جيرانها وفق أسس الإحترام المتبادل ومباديء القانون الدولي في حسن الجوار وإحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية؛ “فألف صديق خير من عدو واحد”، إن حسنت النوايا..!!

إن أي سياسة لدولة ما، لا تأخذ في حساباتها موازين القوى في المنطقة وفي العالم، ولا ترى أمام أعينها غير مصالحها الخاصة، حتى مع إفتراض عدالتها، غير آبهة بمصالح الآخرين، بل على العكس من ذلك تقوم بتوظيف تلك المصالح الأخرى في خدمة مصالحها وإن تسبب ذلك بالضرر والإضرار بالآخرين؛ إن سياسة من هذا القبيل، لا يكون مردودها إلا سلباّ على تلك الحكومة ومزيداّ من العزلة والنفور..!؟

فالتدخل الإيراني المكشوف في الشأن العراقي، والذي إتخذ أخيراّ شكلا عدوانياّ مسلحاّ، الأمر الذي دفع السيد رئيس إقليم كوردستان الأستاذ مسعود البارزاني الى شجبه وإستنكاره وطالب بوقفه على الفور..!؟

إن هذا التدخل قد أصبح وبالاّ على الشعب العراقي، وبات يهدد كل أواصر الجيرة والعلاقات المشتركة بين البلدين، بالتدهور والخراب، ولا يعكس بأي حال من الأحوال بوادر حسن النية وعروض التعاون التي تتبجح بها السلطات الإيرانية، بقدر ما يتعارض معها كلياّ ، مما خلق أجواءّ مقلقة، من عدم الثقة والإرتياب بالنوايا المعلنة، بل منح كل المبررات للتصيد بالماء العكر من قبل تلك القوى التي لا تريد للعراق أن ينعم بالهدوء والإستقرار، بل وأصبح من عوامل تمزق النسيج الوطني الإجتماعي العراقي، وهذا لعمري مأزق تخوضه السياسة الإيرانية دون أن تأخذ بالحسبان نتائجه وتداعياته الكارثية على المنطقة عموما..!؟

إن المتشددين من الساسة الإيرانيين باتوا غير مبالين لأي تداعيات كارثية لسياستهم، طالما ظلوا يعتقدون بأن حساباتهم الفلكية تطمئنهم بحسن العاقبة والنصر المبين..!!؟؟(3)

ولا أظن بأن الحكومة العراقية بالغافلة عن كل ذلك، ولكن وكما يبدو من ظاهر الحال، بإن للضرورة أحكام، والله أعلم..!!


(*) – http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=98826

(1) – http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/middle_east_news/newsid_6967000/6967258.stm

(2) – http://www.akhbaar.org/wesima_articles/index-20070902-35308.html

(3) – http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=3&article=435567&issue=10507