الرئيسية » مقالات » من كان منكم بلا خطيئة فليرجمه بحجر

من كان منكم بلا خطيئة فليرجمه بحجر

لست في معرض الدفاع عن أحد،أو تبرير تصرف شاذ،أو دعوة لغض النظر عن الفساد،فالفاسد مهما كان لونه وطعمه فاسدا،ويستحق الرجم بالصواريخ لا بالحجارة البدائية،التي أستعملها أجدادنا الميامين في رجم الزانيات،رغم أن الزنا أقل خطرا،وأقل تأثيرا على المجتمعات،من الفساد المالي الذي ينخر المجتمع ويحيله إلى حطام،وبائعات الهوى أكثر شرفا ،وأجل قدرا،وأرفع مكانة من هؤلاء الفاسدين،ولا أدري لماذا تحارب المجتمعات طالبات اللذة التي هي حق مشروع،وإشباع لجوع،أو المضطرات إلى هذا السلوك،ولا تحارب الفاسدين،بل تفسح لهم في أوساطها،ليكونوا سادتها والمقدمين فيها،وهذا جوهر الصراع الطبقي الذي هو المحرك الأساس للمجتمعات ،فالفاسدين دائما من علية القوم وسادتهم،لذلك يكون المصلحين والقديسين والمؤثرين على المجتمعات إلى جانبهم،لأنهم من طبقة واحدة همها الاستغلال والنهب،أستثني من ذلك فقراء المجتمع الذين قد يركبون هذا المركب الوعر لرد غائلة الجوع،رغم أن تصرفهم يجعلهم في خانة الشذوذ عن طبقتهم ذات الحق في تسيد المجتمعات.
أن الفساد المالي آفة تنخر المجتمعات،منذ بدء الخليقة،وهو نزعة كامنة في النفوس،تتفاوت وتتباين من شخص عنه في آخر،أساسها التربية الأسرية وتأثير المجتمعات،وقد يكون للمبادئ الصادقة أثر في الحد منها أو القضاء عليها،إلا أن هذه المبادئ يؤمن بها القلة،وهؤلاء كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، وقد استشرت هذه الظاهرة في مجتمعنا العراقي،حتى بات الشرفاء قلة،ممن نزهتهم المبادئ،أو أدبتهم الحياة،وهؤلاء قد يضمحلون إذا ظلت الأمور على هذه الوتيرة،فليس من السهل أن يبقى الإنسان بمواجهة طوفان الأغراء،لذلك على الداعين للقضاء على الفساد أن يبدؤوا بأنفسهم،ويراجعوا حساباتهم،حتى يكونوا قدوة للآخرين،وفاقد الشيء لا يعطيه،فالدولة العراقية بمختلف أجهزتها غارقة في الفساد حتى أذنيها،وندر أن تجد النزيه في أوساطها،بما فيهم كاتب المقال،فقد يمنعني الخوف أحيانا فلا أضع النقاط على الحروف،أو أتكلم “إياك أعني وأسمعي يا جاره”مما يجعلني مفسدا ولو بنحو آخر،فأتحاشى إصابة الهدف،وفي ذلك خيانة لمبادئي التي عليها جبلت وعليها أموت.
وعذرا من هذا الاستطراد الممل،فالموضوع لا يستحق كل هذا العناء،وما أقوله يعرفه ويقر به الجميع،بما فيهم الرضيع أو من لم تلده أمه،فقد ناله من الفساد ما ناله بفضل الأدوية المستوردة من المناشيء الهابطة،التي تباع في سوق مريدي،أو التي تعمل في البيوت وتباع إلى وزارة الصحة،مما أدى إلى حدوث أزمة في الطباشير،بسبب التعاون الإنساني بين التربية ووزارة الصحة الجليلة،وهذا جزء من الفساد لانعدام الرقابة،وعدم الخشية من القانون،لذلك فما أتناوله وخزات هادئة قد يفيق لها البعض،في مراجعة لنفسه،وإعادة لحساباته،ويعود إلى جادة الصواب،أو يهب الشرفاء في ثورة عارمة لمواجهة الفاسدين،فيقلبون الطاولة على رؤوسهم،ليكونوا إلى جانب نظرائهم من أزلام النظام السابق،ليغني الجميع “سبحان لجمعنه بغير ميعاد”كما غنينا للبعث بعد انقلاب تشرين،عندما جاء أحبتنا البعثيين ضيوفا على المعتقلات العارفية،فقمنا لهم بما يستحقون من واجب الضيافة،بوصفنا النزلاء السابقين وضحايا انقلابهم المشئوم.
لقد لاحظنا مع الأسف الشديد أن محاربة الفساد في العراق،كان لأسباب سياسية لا علاقة لها بالحرص وتحمل المسئولية،ويدور في وتيرة الصراع على السلطة،وليس لأسباب مبدئية،أو لبناء أساس متين في محاربة الفاسدين،أو وضع القوانين الرادعة لمحاسبتهم،فالفاسدين الذين جرى التشهير بهم،وأحالتهم إلى المحاكم،من خارج التشكيلة الحاكمة،و البعيدين عن الكتل الثلاثة،التي نزهها الله عن الفساد،وجعلها في حصن حصين عن المحاسبة،فإذا قيض لأحد الإشارة إلى أعمدة الحكمة في جبهة التوافق،كانت الثورة العارمة من صقورها،فيخرج أحد أبطال الحواسم،وأباطرة المافيات،وأساطير هذا الزمان،ليقلب الدنيا ولا يقعدها،وينادي بالويل والثبور وعظائم الأمور،من هذه الحرب المعلنة على طائفته المغدورة،التي يحاول الآخرين القضاء عليها،والانتقام منها،وإذا أتهم أحد من ألائتلاف العراقي،ثارة ثائرة القوم،وتنادوا يالثارات الماضي،فهذه الطائفة المظلومة،على مدى العصور والأزمان،لا يحق لأحد اتهامها بالفساد،فهي فوق الميول والاتجاهات ،ولا يأتيها الباطل من خلفها أو أمامها،وإذا أشير للتحالف الكردستاني،كان ضيق الأفق القومي وراء اتهامهم بالفساد،فليس أمامهم إلا العلمانيين الكفرة،أو غير المستندين لهذا الثلاثي العجيب،ليكونوا عبرة لمن أعتبر،فهم وراء الفساد المستشري في الدولة العراقية،وهم المهيمنون على الوزارات الخدمية والسيادية،التي تدر الأموال،في الوقت الذي حرمت فيه الكتل الأخرى من وزارة مهمة،ومنحت وزارات فقيرة،لا تتعامل بالدولار،والمثير أن المجرم الفاسد،الذي يسرق ملايين الدولارات،لا يعاقب بقدر جريمته،فوزارة الكهرباء،ذات التاريخ الحافل بالفساد منذ تشكيلها،حكم على وزيرها السابق بثلاث سنوات لسرقته مليارات الدولارات،وتمكنوا من تهريبه بطريقة تثير الضحك،ووزيرها الثاني هربه أسياده بعد أخراجه من الوزارة،رغم أن جريمته يعلم بها الجميع قبل هروبه بشهور،ولكنه على ما يبدوا يحضا برعاية خاصة من أطراف مهمة،وغير هؤلاء كثيرون فلتوا من العقاب،أو كانت عقوباتهم،لا تتناسب والأموال التي سرقوها،فلتعطيني الحكومة العراقية مليون دولار وتسجنني مدى الحياة،فأستطيع بجزء من هذا المبلغ الخروج من سجن بوكا،وهذه العقوبات الهزيلة سترسخ الفساد في المجتمع،لأن من أمن الحساب لا يخشى العقاب.
والغريب أن هيئات النزاهة في المركز والمحافظات لا تخلوا من الفساد،ولعلها في القمة من الفاسدين،رغم أنها لا تسرق من أموال الدولة،وإنما تأخذ الإتاوة من الفاسدين،مقابل تبرئتهم وإغلاق قضاياهم،وغض النظر عن سرقاتهم،ولو توفرت الشفافية في العراق لظهر ما يشيب له الرضيع،من فساد طال كل شيء،ووصل إلى مديات تنذر بكارثة،فالأوساط الدينية التي هي المثل الأعلى،انغمرت بفساد زاد أضعاف مضاعفة على فساد الدولة،فقد صرح مسئول في محافظة كربلاء،أن أموال الأضرحة المقدسة تذهب إلى جهات مجهولة،وتتحمل الحكومة مصاريف العتبات،ويتولى الأشراف عليها رجال دين معروفين،،دون أن يتمكن أحد من الاعتراض أو التساؤل، لأنه سيكون من الخارجين عن الدين والمروجين للإلحاد.
وفي ظل الاتهامات بين الحكومة وهيئة النزاهة،يحار المراقب في هذا الصراع،بين الهيئات التنفيذية والهيئات الرقابية،فالجميع يتهم الجميع،والطرفين لا يقدم دليلا،وكان الأولى برئيس هيئة النزاهة،نشر الوثائق الثبوتية في وسائل الأعلام ،و تقوم الحكومة بالكشف عن وثائقها أمام الناس،ليحتكموا إلى الشعب،الذي يعرف جميع اللصوص،فالعمارات الشاهقة،والشركات الاستثمارية،والحسابات السرية والعلنية،والأملاك الكثيرة،الدليل على فساد الجميع،وما هم إلا عصابات تتصارع من أجل السرقة والنهب،والأيام القادمة كفيلة بكشف الفاسدين،وسيأتي اليوم الذي يقفون فيه أمام محكمة الشعب لمقاضاتهم عن جرائمهم وسرقاتهم التي أزكمت الأنوف،ولهم بسيدهم صدام أسوة حسنة،فلم يأخذ معه شيئا من حطام الدنيا وظلت قصوره ينعم بها الآخرين.لذلك لا أبريء أحدا،ولا أتهم أحدا،وأقول من كان منكم بلا خطيئة فليرجمهم بحجر،ولا أجد إلا قلة نزيهة قادرة على الرجم،ولكنها مشلولة الإرادة،في ظل الفوضى وشريعة الغاب السائدة في العراق.