الرئيسية » التاريخ » الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933)الحلقة الثامنة

الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933)الحلقة الثامنة

اقترحت وزارة الداخلية، بسبب الوضع الخاص للواء السليمانية، على مجلس الوزراء في العشرين من تموز 1923 وتوزيع النائبين العشائريين المخصصين لهذا اللواء على نواب عشائر لواءي كركوك واربيل ليصبح عددهما اثنين لكل لواء بدلا من واحد، فوافق المجلس على هذا المقترح في الأول من آب 1923.
لم تستطع وزارة عبدالمحسن السعدون الشروع من جديد بسبب ما واجهها من صعوبات دفعت بها في النهاية إلى تقديم استقالتها في الخامس عشر من تشرين الثاني 1923، فتكلفت وزارة جعفر العسكري بانجاز هذه المهمة، واظهار أول مجلس تأسيسي منتخب إلى حيز الوجود في تأريخ العراق المعاصر.رفع وزير الداخلية كتابا مستعجلا إلى سكرتير مجلس الوزراء رجاه في الغاء ماقرره المجلس في جلسة الأول من آب باضافة عدد مندوبي عشائر لواء السليمانية إلى عدد مندوبي عشائر كركوك واربيل، وابقاء العدد المخصص لعشائر السليمانية كما كان في الاول، وتكليف متصرف لواء كركوك بامور انتخاباتها لكون ادارتها منوطة به مؤقتا، وبوصفه وكيلا لمتصرف السليمانية . وابرقت وزارة الداخلية إلى المتصرفين كافة في العاشر من شباط بلزوم عدم التدخل في الانتخابات لتجري (بكل حرية وخالية من كل شائبة) على حد ما ورد في برقيتها واصدر جعفر العسكري، رئيس الوزراء، بلاغا قبيل اجراء الانتخابات بعدة ايام اكد فيه على اهمية انعقاد اجتماع المجلس التأسيسي للنظر في القضايا المعروضة عليه، لا سيما تصديق المعاهدة المعقودة مع بريطانيا لان عليها، حسبما قال العسكري، تتوقف حياتنا واستقلالنا وتقدمنا في المستقبل. وفي الخامس والعشرين من شباط 1924 باشرت حكومة جعفر العسكري باجراء الانتخابات، وظهرت نتائجها في آذار من العام نفسه، وصدرت الارادة الملكية رقم (243) بافتتاحه في يوم الخميس الحادي والعشرين من آذار 1924. وحدد منهاج افتتاحه باصطفاف طلبة المدارس على جانبي الطريق الممتد من بناية المجلس إلى الجسر الشمالي، ووصول الموكب الملكي بالسيارات إلى باب حديقة المجلس، ليكون باستقباله رئيس الوزراء جعفر العسكري ووزراؤه، ليدخل الجميع فيكون النواب باستقبالهم وقوفا. يصف المؤرخ عبدالرزاق الحسني يوم افتتاح المجلس على النحو المعبر الاتي: (وجرت حفلة الافتتاح في اليوم المقرر بمهرجان عظيم، شهده اركان السياستين في العراق – البريطانية والعراقية في بغداد، واشتركت فيه طبقات الشعب على اختلاف مذاهبه، وتنوع طوائفه، والقى الملك فيصل خطبة العرش، فكانت من الخطب التي جمعت فاوعت. وانتهزت الحكومة هذه الفرصة التاريخية فعطلت دواوينها في اليوم المذكور، واستصدرت ارادة ملكية باعفاء المسجونين عن قسم من مدد محكومياتهم السابقة، وسرحت المعتقلين والموقوفين، وامرت باقامة معالم الافراح والزينة في العاصمة، وفي الالوية والاقضية).
وبقيام أول مجلس تأسيسي في العراق بدأت مرحلة جديدة في تاريخه السياسي، اذ اصبح لاعضاء هذه السلطة التشريعية صوت في مناقشة الجوانب الخاصة بكيانهم الفتي، وحياتهم الاقتصادية والاجتماعية. وبالتأكيد كان للكورد بوصفهم القومية الثانية في البلاد، نوابهم الذين اسهموا بدورهم في جلسات المجلس التأسيسي بقدر معين يتناسب مع طبيعة الظروف التي كان يعيشها العراق بعد سنوات قليلة من تسنم الملك فيصل الأول حكمه له.
من الواضح ان بريطانيا حاولت استغلال القضية الكوردية لصالحها في موضوع تأسيس أول سلطة تشريعية في البلاد، كما في موضوعات اخرى، لضمان استمرار الانتداب الذي “تمسكت به وهو النتيجة، بينما تركت موجباته وهي قضية الكورد”، على وفق صياغة موفقة باحثة عراقية. ولكن بغض النظر عن ذلك، وغير ذلك، ادى النواب الكورد دورا ملموسا احيانا في بعض القضايا الحيوية التي اثيرت امام المجلس التأسيسي العراقي، وذلك في سياق الظرف والمكان والموقع الاجتماعي والوعي السياسي لدى هؤلاء النواب.

النواب الكورد في المجلس التأسيسي
جوبهت انتخابات اعضاء المجلس التأسيسي في المناطق الكوردية بقدر من الصعوبات لاسباب مختلفة، ارتبط اهمها بحقوق الكورد القومية داخل العراق، ولم يؤد الخوف من التجنيد الالزامي دورا قليلا في ذلك، خصوصا في المناطق العشائرية، الامر الذي لوحظ ايضا في العديد من المناطق في وسط البلاد وجنوبها.ورد في دراسة متخصصة بهذا الصدد الاتي نصه عن عموم المنطقة الشمالية: “اما في لواءي اربيل وكركوك فقد سارت (انتخابات الناخبين الثانويين) فيهما بصورة عادية، مع تأخير في قضاء راوندوز في لواء اربيل بسبب تأخر التسجيل، ولم تكمل الانتخابات في اللواء الا في الخامس من كانون الأول 1923، في حين ذكرت احصائية عن سير الانتخابات في الأول من كانون الثاني 1924 ان برقية وردت من لواء كركوك حول اكمال انتخاب الثانويين، ولم يتم تسجيل عشائرالجاف والجبور والعبيد. وفي لواء الموصل تأخر انتخاب العشائر إلى الخامس عشر من كانون الثاني 1924، فكان آخر لواء اكملت فيه انتخابات الناخبين الثانويين كافة”. وظهرت هذه الصعوبات بدرجات متفاوتة بحسب المناطق بعد تجديد الانتخابات في مرحلتها الثانوية التي بدأت يوم الثاني عشر من تموز سنة 1923، ففي الوقت الذي اصبحت الظروف في منطقة راوندوز، مثلاً مؤاتية اكثر للاشتراك في الانتخابات، خصوصا بعد تعيين السيد طه قائم مقاما هناك، فان الامور لم تكن هكذا في منطقة رانية المجاورة، فلم يتوقع المفتش الاداري “ان تتم فيها الانتخابات”، وفي حال ان جرت فانها “لن تكون مضبوطة” بسبب عدم وجود موظفين اداريين للاشراف على “الانتخابات بصورة صحيحة” كما اقرت ذلك وثيقة رسمية لوزارة الداخلية بصدد الموضوع تحمل تاريخ الرابع والعشرين من تموز 1923.
ومهما يكن من امر فقد شهدت المنطقة الكوردية في العراق أول تجربة انتخابية حقيقية ايام المجلس التأسيسي، انطوت على ظواهر لم تكن مالوفة من قبل، من ذلك، على سبيل المثال، ان متصرف لواء اربيل اخبر وزارة الداخلية رسميا بان (اسماء الناخبين الاوليين في قضائي اربيل وكويسنجق قد علقت في المحلات العامة ليطلع عليها الناس). وحتى في مدينة السليمانية التي كانت لا تزال تخضع، مع توابعها، للشيخ محمود الذي رفع السلاح ضد البريطانيين منذ عودته من منفاه، فلقد تقرر تهيئة الظروف للذين يرغبون في الاشتراك في الانتخابات في منطقة قريبة لا تخضع لنفوذ الشيخ محمود. فاز في اربيل بعضوية المجلس التأسيسي كل من ابراهيم الحيدري وداود الحيدري والملا محمد جلي زاده وصبيح نشأت وعبدالله مخلص ومحمد شريف والحاج بير داود آغا وحسين ملا اغا. ومثل كركوك من الكورد في المجلس ثلاثة نواب من اصل خمسة وهم كل من الشيخ حبيب الطالباني وجميل بابان ودارا بيك داوده، فيما مثل السليمانيه كل من الشيخ قادر الحفيد وعزت بيك، عثمان باشا وميرزا فرج الحاج شريف ومحمد بيك فتاح باشا واحمد توفيق بيك. وعن لواء الموصل دخل المجلس نائبان، هما محمد آغا آل شمدين اغا والحاج رشيد بيك. وبذلك يكون مجموع النواب الكورد في المجلس التأسيسي ثمانية عشر نائبا من اصل ستة وتسعين نائبا مثلوا جميع ألوية العراق.