الرئيسية » مقالات » أحمدي نژاد يحلم بأن يملأ الفراغ الأمني في العراق؟

أحمدي نژاد يحلم بأن يملأ الفراغ الأمني في العراق؟

قبل أيام ، أعلن الرئيس الإيراني أحمدي نژاد صراحة عن نيّته، وهي في الحقيقة نيّة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، في ملأ الفراغ الأمني في العراق في حالة إنسحاب القوات الدولية من بلادنا. هذه النيّة والقرار الخطير لم يستند الى موافقة من مجلس الشورى الإيراني، رغم دوره الشكلي في الحياة السياسية الإيرانية. وبالطبع لا تستند هذه النية أيضاً إلى إرادة العراقيين، ولم يؤخذ برأيهم ولا برأي المؤسسات المنتخبة العراقية من مجلس النواب إلى الرئاسة ومجلس الوزراء بها، ناهيك عن رأي المنظمات الإقليمية العربية والإسلامية والدولية والأمم المتحدة في هذه النية المريبة. وفي هذه النية المريبة، تجاهلت القيادة الإيرانية ما يطمح إليه الشعب العراقي صاحب المصلحة الأولى والأخيرة في ذلك. في الحقيقة إن هذا الإعلان هو أصدق تعبير عن الوقاحة والتدخل الفظ في شؤون بلد آخر، وتعبير واضح عن نوايا وجوهر سياسة الحكام المتطرفين الدينيين في إيران والقائمة على التوسع الإقليمي وخلق بؤر لها هنا وهناك على أساس مذهبي لترحيل تناقضاتها الى المحيط الإقليمي، معتقدة بأنها سوف تمتص النقمة الداخلية لدى الشعب الإيراني ضد مجمل سياسة هذه الفئة الرجعية التي جلبت الدمار لإيران وشعبها، وتسلقت بغفلة على سدة الحكم بعد الثورة الشعبية الإيرانية، وبعد أن أزاحت وبنمط تآمري فريد كل الحركات السياسية والفئات الإجتماعية التي شاركت في الثورة.
لا بد من التأكيد على أن جميع الأنظمة الإستبدادية بكل ألوانها، قومية متطرفة كانت أم علمانية إستبدادية أم دينية متطرفة، تسعى على الدوام الى ترحيل تناقضاتها وشل المعارضة الداخلية عن طريق نقل معركتها الى خارج الحدود. ولا يشذ النظام الديني المتطرف في إيران عن هذه المعادلة. إن حال الإيرانيين الآن في تراجع إقتصادياً وإجتماعياً وسياسياً. فعلى الرغم من العائدات الكبيرة لإيران جراء إرتفاع أسعار النفط في السوق العالمية والتي بلغت حوالي 600 مليار دولار خلال سنوات حكم الفئة الدينية المتشددة(1979-2007)، إلا أن حصيلة ذلك كان إرتفاع عدد الفقراء الى مقدار 12-15 مليون فقير، علماً إن عدد الإيرانيين الذين يعيشون دون خط الفقر قد بلغ 2،9 مليون نسمة بموجب الأرقام الرسمية التي نشرت أخيراً. وفي الوقت الذي تزداد فيه تكاليف المعيشة بمقدار 200%، إلا أن معدل الزيادة في مدخول الفرد الإيراني لم تزد على 30%. ويتقلص إنتاج النفط سنوياً في إيران بمقدار 4% لأسباب تتعلق بحجم التوظيفات القليلة في هذا القطاع الهام من القطاعات الإقتصادية، وكذلك بسبب السياسة الخارجية الإيرانية التي تدفع غالبية الدول الى قطع علاقاتها أو تحديدها معها، وما ينتج عن ذلك من وقف نقل التكنولوجيا المتقدمة الى القطاع النفطي وندرة التوظيفات فيه وفي بقية القطاعات الإقتصادية. وقد أدى التخلف التقني في الصناعة النفطية مثلاً الى أن تحتل إيران المرتبة الثالثة في هدر الغاز في العالم وبمقدار 4،11 مليار متر مكعب من الغاز حسب تقديرات البنك الدولي.
ومن جهة أخرى وفي ظل هذا الوضع الإقتصادي الصعب، تنهمك الحكومة الإيرانية في هدر الأموال على التسليح النووي والمشاريع النووية العبثية وغير المجدية والتي لا يحتاجها المواطن الإيراني ولا الأمن الوطني الإيراني. كما تبذر أموال الإيرانيين على دعم منظمات مسلحة وأحزاب خارج البلاد لتحقيق أهداف لا علاقة لها بمصلحة الإيرانيين ولا بمصلحة الشعوب المعنية، ولنا في مثال لبنان والعراق وفلسطين أمثلة صارخة على ذلك. وتقوم الحكومة بهدر الدخل القومي لصالح مرافق غير إنتاجية وليس لها علاقة بالتخفيف عن معاناة المواطن في بلادها. فالميزانية الأخير لأحمدي نژاد تشير على سبيل المثال الى أنه قد زاد التخصيصات المالية للدعاية والإعلام للنظام في السنة المالية الحالية بمقدار 45،6%، و95،4% لمؤسسة الدعاية الإسلامية و147،1% لمركز خدمات الحوزة العلمية في قم و 140،8% للممثلية العامة لمرشد الثورة في الجامعات و 110،7% لمكتب الدعاية للحوزة العلمية في قم و 95،5% للمجلس التنسيقي للدعاية الإسلامية و 142،2% لمجلس الرقابة على الدستور و 100% للحوزة العلمية للأخوات و 40% للحوزة العلمية للأخوان و 78% للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب و 55% لمنظمة الثقافة والروابط الإسلامية ..الخ.
إن مجمل سياسة النظام لابد أن تصطدم بالمصالح الحيوية للمواطنين وبإرادة الإيرانيين في إرساء مستقبل سياسي و إجتماعي وإقتصادي مزدهر للبلاد. ففي الفترة الأخيرة لوحظ إزدياد عدد الأضرابات العمالية الكبيرة وإضرابات المستخدمين بشكل ملحوض، وخاصة من قبل الطبقة العاملة التي كان لها الموقع الحاسم في قصم ظهر النظام الشاهنشاهي في عام 1979. وشهد المواطن الإيراني الإضراب الكبير لعمال شركة واحد للنقل وإضراب المعلمين في الأشهر الماضية كنموذجين من حركات إحتجاجات أوسع والتي تقوم بها الفئات الحديثة في المجتمع. وينشط قطاع النساء والشباب بإصرار في مواجهة السياسة الرجعية للنظام. ولم يقدم النظام أية حلول سوى اللجوء الى حملات القمع الشرسة والأحكام الثقيلة والإعدام لمعارضيه، وغلق الصحف وتقديم محرريها الى القضاء، وهو حل ثبت فشله في ظل الحكومة الشاهنشاهية المنهارة. إن القمع أدخل النظام في مأزق آخر يتمثل في تعمق رفض المواطن الإيراني لهذا النظام وسلب أي دعم له.
ومن هنا يمكن فهم هذا الإندفاع المحموم لدى الحكم الديني المتطرف لنقل تناقضاته الى خارج حدوده. وهو أيضاً تكرار فاشل لما فعله الشاه في السابق. لقد إعتمد الشاه على التطرف القومي الإيراني من أجل الإمتداد إقليمياً. ولعب الشاه بالورقة القومية الكردية في العراق منذ ثورة تموز، ولكن هذه الورقة فشلت وبقي النظام في عزلة إقليمية تقريباً، وراح طرفي الموقعين على إتفاقية الجزائر الى خانة منبوذي التاريخ، وتبددت آمال القيادة القومية الكردية في التعويل على العامل الإيراني، هذه الآمال التي لم تجلب سوى الكوارث للقضية الكوردية العادلة والنكبات للشعب العراقي. أما الحكم الديني المتطرف الحالي فقد تقدم الى الساحة الإقليمية بواجهة دينية ومذهبية، ولعب بالورقة الفلسطينية. ولكن ظلت هذه الورقة محدودة التأثير إقليمياً، بل وهناك مواجهة لها من الدول الإقليمية. لقد إستطاعت إيران أن تلقى حليفاً لها في سوريا بعد العدوان الصدامي عليها في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي. كما إستطاعت أن تجد موقع قدم في لبنان بعد أن إنهارت الدولة اللبنانية أثناء الحرب الأهلية، وبإسم المقاومة للإحتلال، وبعد أن أغدقت القيادة الإيرانية بكرم حاتمي على حزب الله الذي صفى الجنوب من منافسيه وفتح الطريق للحرس الإيراني للتجول بحرية هناك. ولكن هذه الورقة تتصدع بعد أن فقدت هذه المقاومة دورها في مواجهة إسرائيل وتحولت الآن الى ورقة في الصراع السياسي الداخلي اللبناني وخاصة بعد إغتيال الحريري، وأيضاً في السنة الأخيرة ومنذ العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان. صحيح أن القيادة الإيرانية تبدو وكأنها قد أزاحت سوريا من المواجهة الإقليمية وقلصت دورها، وأضحت هي الطرف في المشاورات الإقليمية والدولية في التسوية اللبنانية. وصحيح أنها هي التي تثير المشاكل على الساحة العراقية وإستئجار أطراف عراقية من الفئات الهامشية البائسة لتقوية موقعها، إلا أن القيام بهذا الدور يحتاج الى قدر من الدعم الإقليمي والدولي وهو غير متوفر بالنسبة لها. كما يحتاج ذلك الى قدر من القدرة الإقتصادية والدعم الداخلي من الشعب الإيراني، ودونها لا يمكن إلا أن تقع هذه القيادة في مستنقع لا تخرج منه الا بفقدانها لزمام الأمور في بلدها وسقوطها وخروجها من الميدان. إن القيادة الإيرانية المتطرفة تكرر نفس خطوات صدام حسين، حيث تنتابها النشوة من جلوسها على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة لمناقشة مشاكل الأمن في العراق، كما ينتابها الغرور من بعض ما تثيره من أذى للعراقيين وللقوات الدولية العاملة في العراق عبر تجنيدها لبعض الفئات العراقية وبمسميات دينية، إلا أنها لا تدرك حقيقة أن هذه الفئات العراقية الهامشية طارئة ومتحركة وتبحث عن الزبائن ومستعدة لبيع ولاءاتها وتبديل موقعها في أي وقت وعرض مناسب. كما على القيادة الإيرانية تفشل في رهانها على من كان على صلة تاريخية معها في أثناء صراعها مع النظام الديكتاتوري المنهار. فهذه الأحزاب والمنظمات وفي ظل القصف الإيراني الأخير لكردستان العراق التغيرات الهائلة التي طرأت على الساحة العراقية، لا بد وأن تبحث عن مواقع في المجتمع العراقي، ولابد أن تتعامل مع الشأن العراقي بشكل يرضي العراقيين قبل كل شي وليس الطرف الإيراني. كما يجب أن تدرك القيادة الإيرانية أن العراقيين عموماً لا يحسنون الظن بنواياها، ولا يريدون تكرار تجربتها المتخلفة في العراق. أن خير تأكيد على ذلك هو تعامل الحكم في إيران مع حكومة المالكي وإصرارها على إضعافها وإرسال الأسلحة والتخريب وقصف المدن الشمالية بسبب عدم رضوخ الحكم العراقي الى إبتزازاتها، وكل هذه الأفعال تصب في خانة العداء لقوى كانت في يوم من الأيام على علاقة حسنة مع هذه القيادة. إن القيادة الإيرانية في مأزقها الداخلي تحتاج الى أتباع لها وليس أصدقاء على النطاق الإقليمي. ومن هنا يأتي هذا العداء المبطن والسافر للتجربة العراقية الجديدة وبرموزها. وعسى أن يدرك العراقيون ويتوقفون بجد أمام اللعبة الإيرانية العبثية في العراق ويفضحونها على النطاقين الرسمي والشعبي، وأن لا يلتزموا الصمت أزائها، هذه اللعبة التي ستؤذي العراقيين بالتأكيد، ولكن سوف لا يكتب لها النجاح بالتأكيد لأنها ستصطدم بالوعي المتنامي للعراقيين أزاء مستقبل وطنهم والردود الدولية والإقليمية ضد عبث الحكم الديني المتطرف في إيران.