الرئيسية » التاريخ » صفحة من تاريخ السياسة البريطانية في كوردستان

صفحة من تاريخ السياسة البريطانية في كوردستان

عدت كوردستان بموقعها الاستراتيجي الخطير، وثرواتها الاقتصادية المتنوعة هدفا كبيرا في المخططات البريطانية التي استهدفت توسيع نفوذها في منطقة الشرق الاوسط قبل الحرب العالمية الاولى، ومن ثم محاولة اعادة ترتيب اوضاع هذه المنطقة لصالحها في اعقاب انتهاء تلك الحرب.
وفي خضم صراعها المرير من اجل كسب القوى المحلية المؤثرة في كوردستان’ سعت بريطانيا الى جذب الشيخ محمود الحفيد الى فلك سياستها الكفيلة بتحقيق مصالحها. وبدوره فان الشيخ الحفيد عرف كيف يناور،ومتى يتحرك، ويستثمر العوامل المحركة لسياسة القوى المتصارعة في المنطقة لصالح قضية الشعب الكوردي. ان تتبع علاقة الشيخ محمود بالبريطانيين تبدو للوهلة الاولى، وكأنها تنطوي على قدر كبير من التناقض. ولكن استعادة الوقائع والاحداث التاريخية التي تخص تلك الحقبة،تكشف عن ان كلا الطرفين كان يحاول توظيف علاقته بالاخر بما يحقق اهدافه. فالحفيد كان مدركا ان بريطانيا كانت اللاعب الرئيس على ساحة الاحداث في كوردستان والمنطقة بعد انتهاء الحرب. بينما ادرك البريطانيون ان الشيخ محمود بمكانته الدينية وزعامته العشائرية وموقعه المتميز والمؤثر في المجتمع الكوردي، هو” الحصان الرابح” الذي راهنوا عليه لتثبيت اوضاعهم في كوردستان. لكن لم يتحقق للرهان البريطاني ان يحقق النجاح المشهود. فطموح الشيخ محمود،ورغبته في ترجمة مشروعه القومي على ارض الواقع،كان لابد ان يقود في النهاية الى الصدام بين الطرفين. فعلى الرغم من ان البريطانيين غذوا الطموحات القومية للكورد في البداية، الا ان ذلك الموقف لم يكن نابعا من سياسة مبدئية من جانبهم بقدر ماكان يحمل عنصر المناورة الذي انطوى على دوافع مصلحية، ومواقف تكتيكية، وذلك في مسعى لتجيير النفوذ الذي تمتعت به القيادات الكوردية في اوساط المجتمع الكوردي، وفي مقدمتها الشيخ محمود، لصالحها، او في اسوأ الاحتمالات تحييدها، لان ذلك كان من شأنه تخفيف الاعباء عن كاهل السلطات البريطانية في المنطقة التي واجهت فيها صعوبات جمة في سنوات الحرب العالمية الاولى،ومابعدها. وضمن هذا السياق يمكن تفسير الدعوة التي اطلقتها بعض الاوساط البريطانية لدعم فكرة الاستقلال الذاتي للكورد. ومن المنطلق نفسه يمكن تفسير احجام السلطات البريطانية في العراق عن اعدام الشيخ محمود بعد وأد حركته الاولى في عام 1919. فهم كانوا مدركين ان تلك الخطوة ستجعل منه رمزا حيا في الذاكرة الجمعية للشعب الكوردي، وربما ستفاقم من متاعب البريطانيين في كوردستان وتجدد اعمال العنف ضدهم والتهديد بمزيد من المشاكل لهم .، في وقت كانوا احوج مافيه الى السكينة والهدوء، لاسيما وان الكماليبين دخلوا على خط الصراع مع البريطانيين فيما يتعلق بكسب النفوذ في كوردستان، لاسيما بعد ان بدأ (الكماليون) بمغازلة الكورد نكاية بالبريطانيين، في حين كان الحفيد بحاجة الى عامل خارجي يوازن به علاقته السيئة مع البريطانيين، وهو الامر الذي عرف كيف يلعب على اوتاره بعد عودته من المنفى، والشروع في الاعداد لحركته الثانية ضد البريطانيين. ومما ضاعف من اهمية الشيخ الحفيد بالنسبة للبريطانيين،حتى بعد قمع حركته الاولى،ان سلطات الاحتلال البريطاني ظلت تراهن على مسالة امكانية كسب الشيخ محمود لصالح اجندتها في كوردستان، لاسيما وانها كانت تعد العدة لاقامة كيان سياسي عراقي، كان لابد ان تؤخذ بنظر الاعتبار وجهة نظر الكورد بشان قيام هذا الكيان. لكن الشيخ خيب الامال البريطانيية، حينما عاود بعد وقت قصير من رجوعه من المنفى التحرك ضد الادارة البريطانية في كوردستان.
ثمة عامل اخر لايمكن اغفاله او تجاوزه عند تقويم الصراع بين الشيخ محمود والادارة البريطانية في العراق، وهو ان الكيان الكوردي الوليد الذي اقامه الشيخ محمود في كوردستان عانى من ثغرات حقيقية،وبعضها كان خطيرا في ميزان الحسابات السياسية , فافتقاره الى دعم واضح من الفئة المثقفة الكوردية،ولم يكن للشيخ دور قليل قي ابتعاد هذه الفئة عنه،والعفوية التي طبعت حركته الاولى، وافتقارها الى تنظيم سياسي واضح يؤطر للحركة وينضجها، وبالشكل الذي يعطيها بعدها السياسي والفكري المطلوب، الى جانب الخلافات التي تحول بعضها الى عداوات مرة، مع مرور الوقت، بين الشيخ وعدد من زعماء العشائر الذين كان بعضهم يرى في نفسه ندا للشيخ الحفيد في تبوؤ زعامة الكورد، اسهمت هذه العوامل كلها في اضعاف حركة الشيخ، وسهلت على البريطانيين اختراقها واحتواء او شراء بعض اطرافها،مما وجه ضربة خطيرة للشيخ وحركته. وليس من المغالاة القول ان حركة الشيخ محمود جاءت قبل اوانها او انها سبقت مرحلتها، في وقت كان فيه الواقع الاجتماعي ـ الاقتصادي لكوردستان ببنيته العشائرية والاقطاعية غير مهيأ تماما لاستيعاب وقبول حركة من هذا الطراز.. لكن اذا كانت السياسة البريطانية قد نجحت، في ظل الاختلال الواضح لميزان القوة لصالح القوة الاستعمارية الاولى في المنطقة انذاك، في هزيمة الحركة الكوردية عسكريا، الا انها على المستوى السياسي، وكما بينت الاحداث اللاحقة اثبتت فشلا ذريعا. فاذا وضعت حركة الشيخ محمود في سياقها التاريخي، وفي اطار الزمان والمكان، فانها تشكل نقطة انطلاق جديدة في نضال الشعب الكوردي، ادخلتها مرحلة جديدة، ونقلتها، مثلما فعلت معاهدة سيفر عام 1920، من نطاق محلي ضيق الى اطار دولي ابعد واشمل، حينما جعلتها عنصرا اساسيا في سياسات القوى الكبرى تجاه منطقة الشرق الاوسط. ومما اضفى اهمية مضاعفة على حركة الشيخ محمود انها شكلت رافدا مهما في مجرى الحركة الوطنية العراقية عموما، حينما هيأت اذهان الجماهير في وسظ العراق وجنوبه،واعطتها زخما مضافا للاستعداد لمواجهة سلطات الاحتلال البريطاني، الامر الذي تجسد في ثورة العشرين التي شكلت انطلاقة جديدة في نضال العراقيين،امتدت من مدن كوردستان شمالا وحتى البصرة والفاو جنوبا، ليعكس ذلك التلاحم التاريخي بين الشعبين الكوردي والعربي في مواجهة الاحتلال والتبعية.

التآخي