الرئيسية » مقالات » الولايات المتحدة الأمريكية والمقبرة النووية القادمة

الولايات المتحدة الأمريكية والمقبرة النووية القادمة

في هذا الزمن كل شيء ممكن ولا سيما وجود القطب الواحد في العالم الذي يهيمن ويسيطر ويفعل ما يريد دون رادع يمنعه من تنفيذ مخططاته وأهدافه هذا القطب المتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها المقربين من القوى الرأسمالية التي لا يهمها إلا الاستغلال والربح والسيطرة على الأسواق واستغلالها للشعوب بما فيها شعوبها ، القطب الواحد يعني بالمفهوم الاستراتيجي العام التحكم المفرد بمصير العالم وقيادته والسيطرة على الثروات الوطنية وعلى الأسواق وتحقيق مصالحها الأساسية وتوجهاتها لخدمة مصالحها وأهدافها الاستعمارية بدون اعتراض متوازن وعدم التقييد بأي قرار دولي صادر من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو أية منظمة أو جهة دولية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في العديد ضاربين بعرض الحائط الاحتجاجات والمعارضات والقرارات التي ارتفعت بالضد منها.

المقبرة النووية مفهوم استراتيجي جديد لحد ما والتي أشار إليها الرئيس الأمريكي وهي تهديد ليس للحكام الإيرانيين الذين ظاهرياً يركبون العناد الإعلامي ويدعون أنهم أصبحوا دولة نووية فحسب إنما تهديد لدول المنطقة جميعها بان الولايات الأمريكية التي استعملت القنبلة النووية ضد اليابان وجعلت من هيروشيما وناكازاكي مقبرة نووية بامكانها إعادة الكرّة بدون أي حسيب أو رقيب ولا أي مانع ، ويركب حكام إيران رؤوسهم ويصرحون على لسان الرئيس محمود أحمدي نجاد تصريحات استفزازية بما فيها الإعلان على الطريقة الصدامية التي جلبت الكوارث والويلات والاحتلال والطائفية للعراق بأنهم يمتلكون الأسلحة التي ستحطم أمريكا وقواعدها وأساطيلها ومتصورين أنها لعبة وان المستنقع العراقي للأمريكان يجعلهم لا يندفعون للشر والكل يعرف أن الرأسمالية عندما ترى نفسها في نهاية الأمر خاسرة فهي تقوم بأي عمل عدواني شرير لإنقاذ مصالحها الثابتة ولن يثنيها أي شيء في إعلان الحرب والتدخل المسلح واستعمال كافة الأسلحة التي تمتلكها لأن المصير المحتم تاريخياً لن تقبله بهذه السهولة إلا كانت مضطرة تماماً.

المقبرة النووية قالها دبليو بوش بما معناه إذا امتلكت إيران القنبلة النووية فستكون المنطقة مقبرة نووية وهذا يعني تهديد بالردع النووي ولا نعرف مثلما حدث للعراق حول الأسلحة المحرمة دولياً أن كانت إيران تمتلك ذلك السلاح أم لا؟ أمام اتخاذ أمريكا القرار بالردع النووي ولنتصور فقط مقدار المقبرة النووية التي ستمتد إلى مساحات جغرافية غير محددة وستكون الضحايا بمئات الآلاف من البشر أكثريتهم من الفقراء الكادحين والفئات المتوسطة وستكون مساحات جغرافية واسعة بمياهها وغاباتها ومزارعها وبساتينها وحيواناتها مخربة وملوثة ومهجورة، إنها فعلاً ستكون مقبرة لا مثيل لها في التاريخ إذا استمر الحكام الإيرانيون في سياستهم المتطرفة ومحاولاتهم لامتلاك السلاح النووي وتدخلاتهم في شؤون الدول المجاورة.

الحكام الإيرانيون الذين يدفعون العجلة النووية والتوجه للردع النووي متشبعون بفكرة الردع الإسلامي على طريقتهم الخاصة وهم قد يعتقدون أن الردع النووي لا يختلف عن الحرب التقليدية ويتصورون أنهم يستطيعون توجيه ضرباتهم إلى أمريكا ومواقعها في العالم ( على حد تعبير محمود أحمدي نجاد ) لكنهم يقعون في فخ كذبة عصرية طريفة بأنهم لن يجدوا مكاناً لاستعمال أسلحتهم إذا قدر ونفذت أمريكا ومعها بالتأكيد إسرائيل وحلفائهم تهديدهم وأصبح واقعاً للحال، إننا في الوقت الذي نتحدث ونحذر من ذلك الوضع الخطير لا نريد أن نخيف أو نرعب الشعوب ونجعلهم ينكفئون على أنفسهم في نضالهم من اجل حرياتهم واستقلال بلدانهم من براثن الاستعمار والشركات فوق القومية بقدر ما نهدف إليه من تخوف على مصير أولاً الشعوب الإيرانية وثانياً شعوب المنطقة والسلام في العالم واختيار الطرق النضالية التي تجعل من القضية الوطنية والحريات العامة والديمقراطية وحقوق الشعوب قضية مشتركة تحظي بتأييد ومناصرة جميع شعوب المعمورة كما إننا لا نريد أن نجعل من أمريكا بعبعاً يستطيع أن يفعل أي شيء بدون رادع وفي اعتقادنا أن الشعوب تستطيع الدفاع عن نفسها لكننا نحذر من أن حكام أمريكا الرأسماليون الحاليون لا يختلفون عن من سبقهم من الحكام في نهاية الحرب العالمية الثانية ولا يختلفون عن فكرة اليمين المتطرف الذي حكم بواسطة الحزب النازي بزعامة هتلر والقيام بالحرب ضد جيران ألمانيا وضد العالم بعد ذلك إذا ما أدركوا أن لا طريق آخر سوى الدمار الشامل لأنه كامن كعدوانية في جوهر الرأسمالية الإمبريالية ، ونحذر حكام إيران في الوقت نفسه من مغبة هذا التوجه المتطرف الإعلامي الدعائي أكثر منه حقيقة ونسيق تجربة النظام الصدامي الماثلة أمام جميع العقلاء وهي تجربة حيّة وملموسة ولم تكن أسطورة من الأساطير وان ما يفعلونه في سياستهم المتطرفة وتدخلهم في شؤون العراق وارتكابهم جرائم الابادة وتشجيعهم على التطاحن الطائفي سوف ينقلب ضدهم آجلاً أم عاجلاً وسوف يلفظهم التاريخ مثلما لفظ الكثير من الحكام المستبدين والمستهترين بحقوق شعوبهم وشعوب البلدان الأخرى ، ونطالبهم بدلاً من جعل الساحة العراقية ساحة تصفية للحسابات وجعل الشعب العراقي حطباً للنار المستعرة مساعدته بالاعتماد على نفسه وإخراج الجيوش الأجنبية بعد إنجاز بناء الدولة ومؤسساتها المختلفة.

المقبرة النووية وذراعها الفعلي الردع النووي ليس شكلاً دعائياً استهلاكياً وهو موجود في أيدي الرأسماليين الأمريكان، والمنطقة لا تحتاج إلى إشعال فتيل للحرب الواسعة لأن الفتيل موجود وهو مهيأ للاشتعال منذ بدأ الحروب والاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني والبلدان العربية وعلى حكام إيران استيعاب الأمر وإدراك الحقيقة والامتناع عن المزايدات والبهلوانيات وإتباع سياسة حكيمة من اجل مصلحة الشعوب الإيرانية وشعوب المنطقة وفي مقدمة هذه السياسة الإفراج عن الحريات والحقوق الديمقراطية والقومية للشعوب الإيرانية والعمل من اجل تحقيق السلام والتعاون والالتزام بمبدأ الاحترام وحسن الجوار المتبادل وعدم التدخل في شؤون البلدان الداخلية المجاورة والانضمام إلى جبهة القوى التقدمية العالمية التي هي البديل الحقيقي للوقوف ضد الأطماع الاستعمارية ونهب الشركات المتعددة الجنسيات وسياسة العولمة الرأسمالية التي تهدف إلى السيطرة ونهب الشعوب.