الرئيسية » مقالات » جامعة بغداد واجترار الفكر البورجوازي الرجعي

جامعة بغداد واجترار الفكر البورجوازي الرجعي

المهندس الاستشاري/

لا يعود انبعاث الفكر الرجعي في العراق لأسباب فكرية خالصة تتصل بتشبثه بحجج جديدة مقنعة تستحق المناقشة ، بل هو يعود في الأساس الى دوره القديم – الجديد كسلاح من أهم أسلحة الالتفاف على مكتسبات ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 المجيدة ، والتي بدأت طلائعها في الواقع منذ السنوات الأخيرة للحكم القاسمي وانقلاب رمضان الاسود 1963 ، وبلغت ذروتها في العهد الدكتاتوري البائد ، وفي الوقت الحاضر عبر سياسة المحاصصة الطائفية وصعود نجم الطائفية السياسية – القطار الرجعي المنطلق دون رحمة داهسا تحته الجميع !…وذلك لاسباب موضوعية كثيرة أهمها تغير المواقع الطبقية بعد تموز، قيادة البورجوازية وبعض مراتب البورجوازية الصغيرة لحركة الالتفاف ، وتطلعها للسيطرة السياسية المطلقة في ظل العولمة الرأسمالية واعتمادها على جبهة رجعية واسعة تضم اليمين الرجعي القديم ( الإقطاع ، البورجوازية العقارية الكبيرة ، البورجوازية الكومبرادورية، البورجوازية الطفيلية ، الحثالات الطبقية ) والوسط الرجعي الجديد ( البورجوازية الوسطى او الوطنية ) وبعض مراتب البورجوازية الصغيرة المتخلفة المتلبسة بالأقنعة القومية والطائفية.
الارتداد الفكري لنصف قرن من الزمن ، بقدر ما هو أداة من أدوات المعركة الاجتماعية ، يعكس بنفس الوقت هذه المعركة وينطوي على نفس منابعها وجذورها الطبقية والاجتماعية . وجامعة بغداد – اول مؤسسة اكاديمية في بلادنا واكثر مؤسسات التعليم العالي عراقة مرآة خالصة لهذا الارتداد الفكري الذي بدأت طلائعه مع رحيل الدكتور عبد الجبار عبد الله ومحاولات التصفية الجسدية لخيرة اساتذتها من حملة الفكر العلمي ومحاربتهم ، وجهود الطغمة التكريتية الحاكمة لتحويل أبناء الشعب الى قطيع من الأرقاء مغسولي الأدمغة والى بوق إعلامي تهريجي ، ومن ثم تسلط العقل الطائفي السياسي الذي لازال يؤرخ ويعيد كتابة التاريخ واستحضار مأزقه وفق أسس وتصورات ومقاصد أضيق مما كان في الماضي في سبيل تهيئة فرص البقاء والتحكم في رقاب الناس … الامر الذي اسهم كل ذلك في تآكل جامعة بغداد وبقية المراكز الأكاديمية وتحولها الى ميدان للنشاط المخابراتي ارتبطت قياداتها بالأجهزة الأمنية والحزبية الحكومية. وتأرجحت الاستقلالية الاكاديمية مع اجترار الفكر البورجوازي الرجعي وتدنت الثقافة الاكاديمية وباتت أسيرة التبسيط الجامد لإشكاليات الوسط الاكاديمي .
يصعب تداخل تيارات الفكر الرجعي تمييزها عن بعضها بسبب تداخل الطبقات والمراتب الاجتماعية التي يعبر الارتداد الفكري عن مصالحها وتطلعاتها وتحالفها الطبقي العريض لمناهضة التقدم الاجتماعي والديمقراطية الحقة . فقادة الفكر اليميني الرجعي القديم من جهابذة الادلجة الاكاديمية المزيفة يعشعشون في اعلى المراكز القيادية داخل الوزارات والأجهزة التخطيطية والجامعات والمؤسسات الاقتصادية والسلك الدبلوماسي … الخ وهم يمثلون راس الحربة – الجسر الموصل مباشرة باركان العولمة الراسمالية . بينما تنحاز مراتب البورجوازية الوسطى او الوطنية بشكل متسارع نحو مواقع اليمين الرجعي القديم لسيادة النمط الاستهلاكي واتساع شرائح الرأسمالية الجديدة والشرائح الطبقية الرثة وبسبب الاحتلال ، بعد أن برزت المسألة الاجتماعية الى سطح الأحداث وبدأت تفجر التناقضات التي كانت كامنة في صلب الحركة الوطنية في المراحل التاريخية السابقة!..
تيار البورجوازية الصغيرة المستترة غالبا بستار الفكر الشمولي ،القومي والطائفي، والمتشبثة عبثا بأسطورة الاحتكار السياسي والمنجرة عمليا( بالرغم من حسن نية غالبية قواعدها ) الى مواقع الرجعية ، اليمينية والوسطية ، المعادية للديمقراطية والوحدة الوطنية والاجراءات التقدمية ولجميع التحولات الاجتماعية …. تعاني من ازدواجية رهيبة بين شعاراتها المعلنة وبين سلوكها الحقيقي على الارض المعرقل لأي تطوير فعلي لحركة التقدم الاجتماعي الى أمام ، بسبب إصرارها على القيادة الانفرادية والتمسك بالميليشيات ومعاداتها الهستيرية للديمقراطية والاشتراكية العلمية . الثقافتان القومية البائسة والطائفية اليائسة – ثقافتان تمتلكان نفس الجوهر وظهيرهما التخاريف الاجتماعية .. لأنهما الوليد المسخ غير الشرعي لنكاح ثقافات نوري السعيد الاستعمارية والحزب الواحد الاوحد القائد والولي الفقيه … “حكم الجهالة المخيف يجعل الأمل تخاريف” .. وتخلق الثقافتان والسلطتان القومية البائسة والطائفية اليائسة التوترات في المجتمع العراقي ، وبينها وبين الدولة العراقية .. اسهمت الثقافتان القومية البائسة والطائفية اليائسة معا في اشاعة ثقافة الفكر الواحد والرأي الواحد والجمود والتهميش، وإحتقار المثقف !… ثقافة الموروث الالغائي التخويني التكفيري المستمدة من نظم تعود بجذورها الى قرون طويلة من القمع والإجرام وتدمير المجتمعات ، فدخلت ثقافته الى النخاع وامتزجت بالمقدس لتصبح كل موبقاته مقدسات بمرور الأيام …
لم تتخلص جامعة بغداد من مخلفات الدكتاتورية البائدة … ولازال رئيسها وهيئة رئاستها وعمدائها ونوابهم ومعاونيهم لشؤون الطلبة يحاولون تسيير الشؤون الاكاديمية اعتباطيا ووفق الهوى السياسي القائم بعيدا عن العقلية المؤسساتية العصرية ..في الوقت الذي يعاني فيه الاساتذة الجامعيون من الذهنية التي كانت سائدة في العقدين الأخيرين – العقدة المستعصية في مقاومة الاشتراكية لا بالعلم والجدل العلمي بل بتعريض أصحابها إلى الإهانة المعنوية والإيذاء المادي . لقد تحولت كليات جامعة بغداد حالها حال بقية الجامعات العراقية باستثناء الكردستانية الى بوق طائفي تفترشه الكراريس والكتب الطائفية، ليجر تحميل لوحات الاعلانات فيها والتي من المفترض ان تكون وسائل اعلامية اكاديمية ومهنية … وتحوي أسماء الاساتذة والتبليغات الجامعية …. تحميلها بدلا من ذلك الفتاوي ومنها مشروعية الحجاب والفتاوي البليدة .. وبدل صور اسحق بن حنين والفارابي وابن سينا والفراهيدي وابن خلدون ونيوتن وغاليلو وآينشتاين ومندليف ومدام كوري يجري تعليق صور خميني وآل الحكيم والصدر … الاعتداءات الاجرامية والاختطافات والاغتيالات تطال الاكاديميين … والتفجيرات الارهابية تطال الجميع ! الطلبة والطالبات يواجهون اعتداءات الميليشيات الحكومية ببطولة متناهية ، اعتداءات باغلظ العصي والكيبلات واللكمات واطلاق النار وتمزيق الملابس على طريقة الحرس الايراني اللاثوري ومن قبله المخابرات الصدامية..أبهذه الذهنية والعقلية المسيطرة على بعضهم والوضع الامني الاكاديمي المتردي تريدون ان يقف التعليم العالي شامخا ؟..تركز قوى الظلام اليوم مثلما ركز البعث وجرابيعه بالامس على الأستاذ الجامعي العراقي كونه قائدا اجتماعيا وسياسيا ورائدا في التنوير الفكري الفلسفي ، وكونه رمزا للعقل الجمعي لمجتمعنا … فكان الاحتفال الشعبي بالأستاذ العراقي علما محفورا في الذاكرة الشعبية العراقية مثلما تحتفظ تلك الذاكرة بالزعماء والقادة والأبطال.. و يبقى السؤال لماذا يستهدف الأستاذ الجامعي العراقي ويجبر على ترك الوطن والهجرة ؟ أبهذه الذهنية والعقلية المسيطرة على بعضهم والوضع الامني الاكاديمي المتردي تريدون ان يقف التعليم العالي شامخا ؟
العقلية الاكاديمية المؤسساتية العصرية عقلانية الطابع تحكم العقل في التفكير والسلوك وتنبذ الفردية في اتخاذ القرارات ورسم السياسات وتقوم على صرحها العلمانية أي التفكير الاجتماعي القائم على فصل الدين عن الدولة ، والحماية الحقة لحرية الدين والعقيدة والفكر والإبداع..وبالتالي المجتمع المدني..وتقطع العقلانية الطريق على العقل الإيماني الذي يعيد إنتاج الدوغما والفئوية والخطاب الطائفي والديني الذي ينادي بصرامة بالدولة الدينية المستبدة المؤسسة على الحاكمية وولاية الأمر وفقه الغلبة وولاية الفقيه ولو بصيغ جديدة !، وتحويل الدين الى مجرد وقود سياسي…وينبذ المنهج العلماني التوفيقية ليؤكد ثورية العلم .. وعموما كان العلمانيون والمتدينون معا ضحية استبداد الحكام الذين احتاجوا التدين كأمامة ومستشارية تمتدحهم ،والعلمانية لمواجهة الظلامية ، ومشروعية العنف ضد الأصولية.