الرئيسية » مقالات » مناقشة بعض تصريحات السيد رئيس الوزراء العراقي 1-2

مناقشة بعض تصريحات السيد رئيس الوزراء العراقي 1-2

كتب لي أحد الأصدقاء من أساتذة الجامعة في الشرق الأوسط , وهو من قراء مقالاتي السياسية باستمرار , يتساءل حول ما إذا كان الأخوة المسئولين في العراق يقرأون مقالاتي ومقالات كتاب عراقيين , أم أنهم لا يملكون الوقت الكافي للإطلاع عليها , كما أن مستشاريه لا يقدمون له ملخصاً لأبرز تلك المقالات وأكثرها مساساً بالوضع الجاري في البلاد , خاصة تلك التي تتحدث عن الواقع السياسي الراهن والمشكلات التي تحيط بأجهزة الدولة المختلفة , وخاصة العسكرية والأمنية. جاء هذا الاستفسار في أعقاب أحداث كربلاء وتصريحات السيد رئيس الوزراء بشأن وجود قوى لم تنفذ الأوامر لأن لها ولاءات حزبية ضيقة غير الولاء للعراق. ثم فاجئنا السيد رئيس الوزراء بوجود مؤامرة كبيرة كانت تستهدف تدمير ضريح وصحن الحسين بن علي بن أبي طالب في كربلاء لإشاعة فتنة أشد وأقسى من تلك التي كان من الممكن أن تتفجر بعد تفجيرات سامراء. وقبل ذاك كنت استمع إلى خطاب للسيد رئيس الوزراء يهدد فيه الذين ينتقدون المسئولين بقوله لن “أسمح بذلك”!
سأحاول فيما يلي أن أناقش المسألة في موقف السيد رئيس الوزراء , في حين ستكون مسألة النقد محور المقال الثاني.
إن استفسار الأستاذ الفاضل ناشئ عن حقيقة أن جمهرة كبيرة من الكتاب العراقيين قد أشاروا بما لا يقبل الشك من أن الأحزاب الإسلامية السياسية ذات التوجه الطائفي السياسي التمييزي وميليشياتها المسلحة قد تغلغلت إلى كل مفاصل الدولة العراقية المدنية والعسكرية وأجهزتها الأمنية ووزارة الداخلية , بحيث أصبحت تمتلك قدرة التحكم باتجاه تنفيذ القرارات الحكومية أو الإدارات المحلية أو حتى تعطيلها.
وقد توفرت لهذه القوى مثل هذه الإمكانية الفريدة في فترة حكم الدكتور إبراهيم الجعفري وحين كان بيان جبر وزيراً للداخلية. والأول يسعى اليوم للعودة إلى رئاسة الوزراء بكل السبل ليمارس ذات السياسة البائسة والمتعالية التي مارسها فترة حكمه. كما استطاعت ذات القوى وقوى أخرى ترتبط بتنظيم القاعدة وقوى الإرهاب المرتبطة بعزة الدوري التغلغل إلى أجهزة الدولة في فترة حكم الدكتور أياد علاوي , الذي يكافح بطرق مشروعة وغير مشروعة للعودة إلى الحكم وبأي ثمن ليمارس ذات السياسة التي لم تعبر عن حصافة ورؤية واقعية وسمح لوزراء في وزارته بالإساءة الشديدة لخزينة الدولة وسخر الفضائيات العربية بملايينه لخدمة مجيئه الثاني للحكم. واليوم سخر الرجل ذاته ربما ملايين أخرى دفعت لشركة أمريكية لتمارس الدعاية الطيبة له وإعلام مناهض لحكومة المالكي. وقد وقعت الكثير من العمليات الإجرامية الداخلية من أجهزة تعمل في وزارة الداخلية وفي أجهزة الأمن والشرطة وتابعة بولائها للميليشيات المسلحة الطائفية شيعية كانت أم سنية , وأن كانت غالبيتها شيعية.
ولفترة غير قصيرة لم يحرك السيد رئيس الوزراء ساكناً. واليوم تبرهن الحياة من جديد على حقيقة وجود حصن طروادة كثيرة جداً , وليس واحداً فقط , في أجهزة الدولة العسكرية والمدنية لأنها نهضت على أسس طائفية سياسية وحصص طائفية مقيتة. لا يمكن تحقيق الهدوء والاستقرار في العراق ما دام العمل يجري على أسس طائفية. فالنجاحات التي تتحقق في ضرب أوكار القوى الإرهابية كالقاعدة وبعض أيتام صدام حسين مهمة ولكنها تفقد بريقها وأهميتها حين يترك الباب مفتوحاً لعمل المليشيات الطائفية , كما هو الحال في كربلاء. فولاء الشرطة والأمن في مدينة كربلاء موزع بين ثلاث جماعات هي: فيلق بدر التابعة للمجلس الإسلامي الأعلى في كربلاء والتي يطلق عليها قوات المرجعية أو (الحوزة الساكتة), وميليشيا جيش المهدي التابعة للتيار الصدري أو (الحوزة الناطقة)! , وبعض القوى تعود لحزب الدعوة وأخرى تعود لمنظمة العمل الإسلامي التي يقودها السيد المدرسي. إن هاتين المنظمتين الأخيرتين لا تشاركان بأعمال الإرهاب , كما تشير إلى ذلك أكثر التقارير الواردة من العراق. ولهذا لا يمكن الاستمرار في هذا الوضع , إذ لا بد من تغيير الأمر. ولا يمكن تغييره من خلال المحاصصة الطائفية السارية حالياً ومحاول دمج المليشيات القائمة بأجهزة الدولة , إذ أنها الكارثة الفعلية للعراق حقاً. لا أشكك في رغبة رئيس الوزراء في ما يشير إليه من ضرورة أن يكون الولاء للوطن , ولا أريد أن أقلل من أهمية هذا التصريح , ولكن العمل السياسي لا يتم بالرغبات الطيبة والإرادات الخاصة , بل بموازين القوى والسياسات الفعلية التي تمارس على أرض الواقع , وهو ما لا يتلمسه الناس في الموقف من الطائفية السياسية. أدرك صعوبة تحقيق ما أطرحه , ولكنه الطريق الوحيد لمواجهة الواقع المنفلت حتى الآن , رغم بعض النجاحات الطيبة المحققة في مواجهة عصابات الإرهاب الدموي.
ليس جديداً أن تنظم المؤامرات ضد العراق , وليس غريباً ذلك أيضاً. ولكن الجديد والغريب هو أن السيد رئيس الوزراء يفاجأ بما حدث وبوجود مؤامرة , كما صرح به بنفسه أخيراً! ماذا يعني ذلك؟ يعني ببساطة كبيرة أن أجهزة الدولة الأمنية لا تعمل كفاية للتعرف على المتآمرين ضد العراق والمندسين في أجهزته , وأن هؤلاء قد وصلوا إلى المواقع التي تسمح لهم بتغطية إجراءاتهم المناهضة للعراق من جهة , وأن السيدات والسادة المستشارين العاملين في جهاز السيد رئيس الوزراء بحاجة إلى تطوير وتغيير وتفعيل وفق أسس جديدة من جهة ثانية , كما أن هؤلاء لا يعملون على شكل فريق عمل واحد يضع تحت تصرف رئيس الوزراء ما يفترض أن يطلع عليه ويمارسه ويتخذ مع وزرائه القرارات اللازمة بصدد كل قضية. أجد مناسباً أن اذكر بثلاث قضايا جوهرية , وهي معروفة لكم , ولكن إعادة تأكيدها أمر ضروري جداً, منها:
1. أن إيران ستبقى تتآمر على العراق وعلى رئيس الوزراء لأنها تريد العراق تحت هيمنتها ولأن رئيس الوزراء لا يمثلها , وأنها تتنافس في السيطرة على العراق مع الولايات المتحدة. ولم تكن تصريحات السيد علي خامنئي, مرشد الجمهورية الإيرانية , ورئيس الوزراء أحمدي نجاد بشأن الفراغ بعد خروج الولايات المتحدة , ووزير خارجيته متقي بشأن القوات الأمريكية وحماية العراق , سوى التدخل الفظ والكريه من جانب إيران في الشأن العراقي. ويزيد في الطين بلة القصف الإيراني المتواصل لمناطق في إقليم كُردستان , وهو تجاوز أحمق على الدولة العراقية. وأرى أن هذا التآمر سيتواصل حتى لو خرج “مجاهدو خلق” من العراق , رغم ضرورة وأهمية خروجهم من العراق لإبطال بعض الحجج الإيرانية بهذا الصدد.
2. إن عدداً من الدول العربية لن يكف عن التآمر ضد العراق , وما تصريحات البعثي العراقي المسئول والمقيم في سوريا سوى تأكيد فعلي لما أشير به في هذا المجال , حيث أكد على سماح السلطات السورية وحزب البعث العراقي في أن يعمل في سوريا بكل حرية ويحظى بتأييد ودعم الحكومة السورية. ولكن علينا أن لا يفترض أن نرى سوريا فقط , بل هناك العديد من الدول العربية التي أصبحت مصدراً لوصول الانتحاريين الجبناء إلى العراق وقتل الناس فيه.
3. إن عدداً من الفضائيات العراقية والعربية تلعب اليوم دوراً مسيئاً جداً للوحدة الوطنية العراقية وتعمل على بث سموم الفرقة الطائفية في العراق. ويمكن لكل متتبع لقناة الفرات أو قناة الجزيرة وقناة العالم أو قنوات أخرى أن يسمع ويشاهد كيف تمارس الإثارة الطائفية المقيتة في العراق.