الرئيسية » مقالات » بدايــات الغربــــة /12

بدايــات الغربــــة /12

بعد إبلاغ الرفيق (ص.ح) بقراري بقطع صلتي بالحزب زارتني للبيت الرفيقة (ب.ح) وأخبرتني بأنها مرسلة من الحزب لتنظيم صلتي به، لكنها أعتذرت لفقدان الحزب أشارة الأتصال وكل مايعرفونه هو أسمي الحزبي فقط! أستغربت من كلامها، فأنا على صلة بالتنظيم قبل وأثناء التحاقي بالعسكرية ومنذ أشهر وأستمرت صلتي بالحزب دون أنقطاع، قبل وخلال ألتحاقي بالجيش، رغم مخاطر هذه العلاقة، والرفيق الذي أتصل بي لأول مرة أبلغني بأشارة الأتصال المتفق عليها، فماذا يعني أن يرسل الحزب رفيقا آخر، ويعتذرون لضياع أشارة الأتصال؟ ولأني أثق بالرفيقة وأعرفها معرفة جيدة، أخبرتها بأني على علاقة فردية منتظمة بالتنظيم منذ أشهر وأدفع أشتراكاتي شهريا وأتلقى التوجيهات والأدبيات من رفيقي. وسألتها أن كان هناك تنظيمين في كربلاء يعملان بشكل منفصل؟ ألم تكن هناك متابعة للتنظيم بعلاقتي بالرفيق؟ لم تكن الرفيقة قادرة على الرد أو توضيح هذا الألتباس، فأخبرتها بقراري أيضا بقطع صلتي بالحزب، وهي الأخرى تفاجأت ولم تقتنع بقراري.
عدت الى بغداد للقاء الرفيق عادل حبه وأنا أكثر حماسا بقطع صلتي ليس بالحزب فقط وأنما بكربلاء والأبتعاد نهائيا عن أجوائها. التقيت بالرفيق في المقر وأخبرته عما دار بيني وبين رفاقي في كربلاء وطلبت منه أن يتصلوا هم من بغداد ويطلبوا من التنظيم بقطع صلتهم معي. سلمني الرفيق مجموعة أسماء تجاوزت العشرين أسماً مع قصاصات صغيرة دونت فيها تراحيلهم والعناوين والأسماء الصريحة وأشارات الأتصال. كانوا معظمهم طلاباً جامعيين وقلة منهم طالبات، وبعضهم أساتذة عادوا لتوهم للوطن بعد أنهاء دراستهم في الخارج، وآخرون قد انقطعت بهم الصلة فترة أشهر وحتى تجاوزت السنتين، وطلب مني أن تكون صلتي بهم فردية وبحذر للتأكد من مواقفهم بعد هذا الانقطاع الطويل، خاصة أن بعضهم أنهى خدمته بالجيش. أعطاني الرفيق صورة عن التدهور الحاصل في العلاقات الجبهوية والحملة الشرسة ضد الحزب وأنصاره، وخاصة في بعض المحافظات، وضرورة الحيطة في علاقاتنا الحزبية وفي لقاءاتنا. وأكد على ضرورة الحذر في علاقاتي في معهد التكنلوجية ومحاولة عدم كشف توجهاتي السياسية. وأتفق معي على أن تكون لقاءتنا خارج المقر وأن أكون بأنتظاره مساء بين أربعاء وأخرى في أحد مواقف الباص وفي ساعة محددة، وطلب مني عدم التردد الى المقر.
أستفدت كثيرا من العطلة الصيفية وعدم الدوام في المعهد من أجل الأتصال بالرفاق وتنظيم العلاقة الفردية بهم. لآ أخفي خوفي وحذري من تلك العلاقات، فبعد أن عشت سنوات في بولونية بعيدا عن الأجواء السياسية داخل الوطن وبعيدا عن الأجهزة الأمنية البعثية، وكنت حينها أمارس نشاطاتي الحزبية والديمقراطية والأجتماعية بكل حرية ودون خوف، عليّ الأن التحرك بحذر شديد والقيام بواجباتي الحزبية متحديا الأوضاع البوليسية الصدامية. هذا التغير في ظروف حياتي ونشاطي السياسي دفعني لأكون أكثر حذرا وهدوءً في تحركاتي وعلاقاتي. كان بعض الرفاق الذين أنقطعت بهم الصلة لفترة طويلا لايمكنني أن أضمن وفائهم للحزب وأنا أجهل مايمكن أن يكونوا قد تعرضوا له خلال أنقطاعهم عن الحزب من أعتقال أو أبتزاز وما هي حقيقة مواقفهم الآن. وما يزيد الطين بلة حملة الأشاعات التي كانت تثار للحط من ثقة الرفاق بالحزب وتنظيماته وقيادته، كخيانة البعض أو الأدعاء بوجود مندسين داخل الحزب. ففي نفس الوقت الذي تشن فيه حملة شرسة على رفاق الحزب وأصدقائه وتعرضهم للأعتقال والتعذيب النفسي والجسدي، كانت سلطات البعث تنشر أخبارا عن العلاقات والأجتماعات الجبهوية، وتستغل أي لقاء يقوم به رفاقنا لأيقاف الحملة بطريقة دعائية وكأن شيئا لم يحدث وذلك للتأثير على معنويات قواعد الحزب. وهذه الأوضاع جعلتني أن أفكرا جيدا وأدرس أسوء الأحتمالات في أجراء أول لقاء وحتى بعد تواصلنا كي أتجنب وأجنب الحزب أي خطأ قد يكلف الحزب ويكلفني كثيراً.
وجدت صعوبات غير قليلة في الأتصال بالرفاق المرحلين، فطلبة الجامعة كان من الصعب الذهاب اليهم لكلياتهم والأتصال بهم بسبب الحراسات الأمنية ومنع غير الطلبة للدخول الى الحرم الجامعي، ومن ينجح في الدخول يبقى تحت المراقبة الشديدة وخاصة كلية التربية. ولما كان بعض المرحلين من طلبة الجامعة أضطررت للأستعانة بشقيقتي شذى، وهي طالبة في كلية الحقوق يمكنها دخول أي كلية أو معهد وهي متسترة بالزي الطلابي، للأتصال وتنظيم العلاقة مع بعض الطلبة المرحلين والأتفاق على موعد معهم. ما أثار أعجابي هو كون بعض المرحلين من طلبة وطالبات في كلية التربية، وكانوا متحمسين للعمل وللأتصال الحزبي غير آبهين بالمخاطر! وهذا يعني أن رفاقنا بالرغم من كل الظروف والمضايقات وشروط التقديم لجعل القبول في كلية التربية محصورا فقط على أعضاء حزب البعث وأنصاره ، فقد نجحوا رفاقنا في أختراقها وحصلوا على مقاعد دراسية، وهاهم راغبين وبمعنويات عالية لمواصلة الأرتباط بالحزب، ولم يتهيبوا بما يهددهم في حال أنكشاف أرتباطهم بالرغم من الهجمة الشرسة.
كانت لقاءاتي بالرفيق عادل دورية كل أسبوعين، ولم يتخلف أي منا عن موعده. وفي كل لقاء يشرح لي آخر التطورات السياسية وأتساع الهجمة الشرسة على رفاقنا، وعرض علي مغادرة العراق لأكمال دراستي فالأوضاع السياسية في تدهور رهيب فأخبرته بأني أفضل البقاء حاليا. كما طلب مني مساعدة رفاقي بالسفر ماليا من المالية التي أجمعها منهم أذا تعرضوا للمضايقات وأبدوا رغبة بمغادرة العراق. وبعد عدة لقاءات أصبحت الأوضاع السياسية أكثر تعقيدا، وأثيرت أشاعات فيها كثير من الصحة لحملات أعتقالات أمنية وأستفزازية، الهدف منها الأسقاط والتشويه السياسي، ضد رفاقنا ومقرات الحزب في المدن. وأحتياطا طلب مني الرفيق عادل في حالة أنقطاعه وتعذر الأتصال به عليّ التروي أولاً قبل أن أتدبر تنظيم علاقة ما بالحزب وذلك من خلال الأتصال بالرفاق في أدارة طريق الشعب أو أي طريق حزبي آخر أثق به.
في معهد التكنالوجية ومع بداية العام الدراسي 78/79 كلفت في تدريس مادة البناء وحساب الكميات وكلفتها وأعمال البزل والري. كنت أشارك زميلين من الأساتذة في الغرفة وهم الدكتور محمود عبد الله الجادر أستاذ اللغة العربية، وأستاذ آخر (أعتقد أسمه سالم) لمادة الرياضيات. ولحسن الحظ كان الزميلين من الأساتذة الطيبين ولايحملون ضغينة سياسية، بل أنهم متفهمين لما يدور في الوطن من حملة شرسة ضد الحزب وأصدقائه. ويمكنني الجزم ان الأستاذين كانا ناقمين على الوضع، فالأستاذ محمود نسب من كلية الأداب الى معهد التكنلوجية، لأنه غير منمي لحزب البعث، خلاف رغبته ويرى أن هذا ليس مكانه فهو دكتوراه وأعتقد أن دراسته كانت عن المجتمع الجاهلي من خلال ماوصل لنا من شعر الجاهلي. أما أستاذ الرياضيات فميوله يسارية واضحة ولاتخل طروحاته من تطرف يساري. حاولت أن تكون علاقاتي مع الطلبة جيدة ومتوازنة مع الجميع لأكسب ودهم وأحترامهم، وأن أقدم لهم كل معلوماتي وخبرتي في التدريس، وخصصت لهم أسبوعيا ساعة من أوقات فراغي للأجابة على أستفساراتهم أو توضيح أية مشكلة في مادتهم، وكان كل جهدي وهدفي هو كيف أجعل طلبتي يعشقون الدرس ولايتخلل الملل لنفوسهم أثناء التدريس أو الدراسة. وفعلا كسبت أحترام جميع الطلبة بما فيهم أعضاء حزب البعث ومسؤلي الأتحاد الوطني.
في الأيام الأولى من ممارستي للتدريس واجهت مشكلة لم أكن أتوقعها أو أحسب لها حسابا، بسبب أستهتار مسؤول الأتحاد الوطني المنظمة الطلابية لحزب البعث. كنت لأول مرة في الصف الثاني من طلبة المساحة، وكانت الكراسي في الصف قليلة، وكل طالب يدخل الصف لايجد كرسيا يستأذن ليجلب كرسيا وهكذا ضاعت بضعة دقائق من الحصة، وساد الضجيج في الصف. بعد جلوس الجميع على مقاعدهم بدأت بالحديث عن طريقتي بالتدريس وأهمية الألتزام بالمواضبة على الدوام والتأكد من توفر الكراسي قبل بدء الدوام وغيرها من ملاحظات وجدتها ضرورية. أثناء حديثي دخلت طالبتان متأخرتان وبالطبع لم تجدا مقاعد للجلوس، وتخلى طالبان عن مقاعدهم لهن. طلبت من الطالبين أن يذهبا ليجلبا مقاعد لهم، ذهب أحدهما أما الآخر بقى واقفا، ولما سألته لماذا لم يذهب، أجاب: لا أستاذ أحب أن أبقى واقفا! قلت له أنت حر. بعد أن أنهيت ملاحظاتي وتوجيهاتي وبدأت بتدريس المادة، طلب مني الطالب، الذي قرر الوقوف، أن أتوقف عن التدريس ليذهب ويجلب كرسيا! وقبل أن يسمع جوابي وجدته يفتح الباب الخلفي ويخرج. كان تصرفه يتسم بقلة الأدب وأستفزازيا لي وخاصة أن هذا أول درس لي في الصف، وما قام به أسلوب خبيث يمارسه بعض الطلبة المشاكسين لأختبار شخصية أستاذهم. ولاحظت أرتسام إبتسامة على وجوه معظم الطلبة، وكأنهم يقولون لي والآن ماذا ستفعل مع هذا المشاكس بعد مقدمتك عن مطالبتنا بالجدية وأحترام بعضنا البعض. عاد تلميذي حاملا كرسيا ودخل الصف بلا أبالية وأثار دخوله وبحثه عن مكان لكرسيه ضجة وهو يتجادل مع بعض زملائه حول المكان. بعد أن جلس وهدء الصف، حاسبته على مغادرته للصف دون أن يأخذ الأذن أو يسمع جوابي، ووجهت له نقدا على سوء تصرفه.
بعد نهاية الدرس توجه لي هذا الطالب بطريقة استعراضية وهو محاط بثلاثة زملاء له، أما بقية الطلبة في الصف لزموا أماكنهم واقفين يراقون الموقف، وقال لي بصوت عال: أستاذ لقد أهنت الأتحاد الوطني والحزب (المقصود حزب البعث)! عرفت حينها حجم المشكلة التي وقعت فيها، لابد أنه من الطلبة البعثيين وأحد المسؤولين في أتحادهم الوطني وكان علي تدارك الموقف. سألته كيف ذلك، فرد بغطرسة واضحة: أنا عضو في حزب البعث وسكرتير الأتحاد الوطني في المعهد. والآن فهمت لماذا لم يغادر بقية الطلبة الصف لأنهم يريدون معرفة نهاية الحوار وكيف سينتهي، وهل سينجح سكرتير الأتحاد الوطني من أرهاب أستاذه والأعتذار منه؟. ابتسمت له ساخرا، وقلت: ثم ماذا؟ لآ أصدق انك سكرتير الأتحاد الوطني وعضوا في الحزب، وطلبت منه أن يقرأ شعارا معلقا على جدار الصف بصوت عال. كان هذا الشعار (الطالب الجييد هو البعثي الجيد وأن لم ينتمي) من شعارات البعث المنتشرة في كثير من المؤسسات التعليمية والأنتاجية وغيرها بالصورة التي يتناسب مع مهنية المؤسسة. أستجاب مستغربا وقرأ الشعار، وطلبت منه أن يعيد قراءته بصوت أعلى ليسمعه جميع زملائه. بعد أن قرأ الشعار مرتين وزملائه مازالوا واقفين الى جانبه، قلت له دون أن أعطيه مجالا لمقاطعتي أو الحديث: وهل تعتقد بتصرفك كنت طالب جيد؟ وهل خروجك من الصف دون أذن يدل على كونك طالب جيد؟ ولو تصرف كل زملائك مثلك فكيف سيكون الدرس؟ أنك أنت الذي أسأت لحزبك وأتحادك، ولو كنت أعرف أنك سكرتير الأتحاد وعضو حزبي لتحدثت معك بلغة أقسى، المفروض أن تكون قدوة لزملائك في أحترام الدرس وزملائك وأستاذك؟ الحزب عندما يرفع شعاراته يريد من عناصره وأعضائه أن يكونوا قدوة في التطبق والتنفيذ. وأضفت، أنا أعرف أنك في قرارة نفسك تحس بالخطأ وأنك قد تجاوزت في سلوكك، والمهم أن تستفاد من هذا الخطأ، فالطالب الجيد من أستفادة من خطأه، وأتمنى أن نتعاون مستقبلا كي نجعل من هذا الصف واحدا من أفضل الصفوف في مستوى الطلبة الدراسي والعلاقات المبنية على الأحترم المتبادل بيننا. حديثي معه وبهذا الأسلوب وبدون تردد ربما جعله يفكر بأني أحد أعضاء حزبه ولم يناقشني، وكانت كلماتي الأخيره معه قد فتحت أمامه الباب للمصالحة، وهكذا تخلصت بنجاح من هذا الموقف المحرج، وأصبحت علاقتي بهذا الطالب جيدة يسودها الأحترام وكان أحيانا يتوسطني لمساعدة بعض الطلبة في الأمتحانات.
استمرت علاقتي مع الطلبة علاقة جيدة وكنت أحس كأستاذ أحترامهم لي ومحاولاتهم التقرب مني وأظهار رغبتهم وحبهم للمواد التي أدرسها من خلال مراجعاتهم لي أوقات الفراغ والتزامهم بالمحافظة بأوقات التدريس، ورغبتهم لأنجاز التمارين التي أكلفهم بها. وزاد من أحترامهم لي عندما كنت أرفض أن أسجل أسماء الطلبة الغير ملتزمين بالزي الطلابي أو من ترك شعره يطول خلاف ماهو مقرر! وكانت هذه المراقبة يقصد منها، أظهار قوة سطوة البعث بأتحاده الوطني للطلبة لأبتزازهم وكذلك لمحاربة الطلبة الشيوعيين وأصدقائهم بحجة عدم الألتزام بالزي وطول شعر الرأس. كانت العمادة، يوميا ومع بدء الدراسة، تكلف بعض الطلبة البعثيين من الدوران على كل الصفوف والطلب من الأساتذة بتسجيل أسماء الطلبة المخالفين لأنذارهم ومعاقبتهم. والقصد من تكليف الأساتذة بهذه المهمة، لوضع حاجز بين الأستاذ وطلبته، وأستغلال ذلك للضغط على الطلبة. كنت دائما ومن المرة الأولى أتجنب أن أكون كماشة بيد البعث في هذه المهمة التي تتجاوز على حقوق وحرية الطالب. فعندما يأتي الطلبة المسؤولون عن تسجيل الأسماء ويطلبون مني تسجيل أسماء الطلبة المخالفين، كنت أمسك بيد أحدهم وأسحبه لداخل الصف، وأسأله بصوت عال: هل ترى من هو مخالف بزيه وشعره؟ وكان يجيب بأحراج لآ، لأنه هو الآخر لايريد أن يقحم نفسه بمشاكل مع زملائه، فأقول له سجل لايوجد مخالفين، وهكذا تجنبت محاولة زجي في مشكلة مع طلبتي لاتجلب لي سوى الكراهية بين الطلبة.
في أحد الأيام وكالعادة سنويا أجبر الطلبة جميعهم على المشاركة في الأحتفال بيوم الطالب الذي ينظمه الأتحاد الوطني، وتوقفت الدراسة تقريبا، وكنت مرشدا على أحد صفوف الثواني في قسم المساحة. قبل بدء الأحتفال دعوت الصف الذي أشرف عليه الى النادي لشرب البارد على حسابي والتحدث معهم عن حياتهم الطلابية ومشاكلهم الدراسية، وهذا ماعزز أحترام الطلبة لي خاصة بعد أن تناقل الطلبة فيما بين الصفوف أخبار هذه الدعوة، وكنت الوحيد وربما لأول مرة يبادر أستاذ بدعوة طلبته للتحدث عن مشاكلهم. كان الطلبة، وأنا لا أعرف أتجاهاتهم السياسية، ماعدا أحدهم ،سكرتير الأتحاد الوطني، متعطشين لسماع تجربتي الدراسية في بولونية. حدثتهم عن أهمية أجتهادهم ودورهم المنتظر في المساهمة في بناء الوطن ونشر الوعي السياسي والمفاهيم الديمقراطية، لأنها الأساس في تطور المجتمع وأن الجميع ومن مختلف الأتجاهات السياسية، وخاصة الحزب، يؤكد على أهمية العلاقات الديمقراطية والمتكافئة بين الطلبة، وكنت من حين لآخر أستشهد بسكرتير الأتحاد فيؤيدني بهزة من رأسه. سألني سكرتير الأتحاد الوطني عما أذا كانت في بولونية أتحادات طلابية وشبابية وما هو دورها. حدثتهم عن دور أتحاد الطلاب البولوني وما يقدمه من خدمات للطلبة كالسفرات في العطل الشتوية والصيفية، وكيف أن كثير من الأنجازات التي يتمتع بها جميع الطلبة كمجانية الدراسة والمساعدات المالية للطلبة المحتاجين وتوفير الكتب والمصادر مجاناً أو بأسعار رخيصة، وكل هذه تعتبر من أنجازات الأتحاد، وأن جميع الطلبة يمكنهم الأستفادة من كل هذه الأنجازات، ولايوجد تمييز بين الطلبة يحدد من سيحصل أو لايحصل على هذه الأنجازات سوى دخل العائلة. بعدها توجهنا لحضور الحفل المقام بيوم الطالب، وبعد أفتتاح الحفل تفاجأت بأختياري من قبل اللجنة المشرفة على الحفل، وكان أثنان منهم من طلبتي، لأجراء حواراً معي وأختياري من دون جميع الأساتذة لتقديم هدية رمزية لي تثمينا لجهودي مع الطلبة وحسن علاقاتي ومعاملتي لهم!. كنت أعرف أن يوم الطالب هو يوم يحتفل به الطلبة البعثيون، لكنني نجحت لأستغلال دعوتي للطلبة والحديث عن نشاط أتحاد الطلبة البولوني لأظهر للطلبة الأنجازات الأشتراكية للطلبة وأسلوب عمل الأتحاد في بولونية ومعاملته الطلبة دون تفريق، من قبول بالجامعة والقسم الداخلي والتمتع بالسفرات وغيرها دون أن يكون الأنتساب أو عدمه للحزب الحاكم أي تأثير في حياة الطالب الجامعية، وكنت أراقب طلبتي وعلامات الأعجاب مرتسمة على وجوههم وينظرون الى سكرتير أتحادهم وكأنهم يقولون له هل تسمع وتعي تجارب الحركات الطلابية الأخرى.
كان توزيع الحصص الدراسية في قسمي يمنحي يوما كاملا بدون أية حصة، وكنت أستغل هذا اليوم في التحضير وتصليح دفاتر الأمتحانات والأتصال برفاقي والتواصل معهم ومتابعة أوضاعهم. كانت سياسة الأدارة في المعهد، وربما في جميع المعاهد والجامعات، تطلب من كل أستاذ ان ينظم جدولا يحدد فيه أماكن تواجده أثناء ساعات الفراغ بين الدروس، كأن يكون في النادي أو المكتبة أو في زيارة زميل آخر أو في الأدارة …الخ! وأعتقد ان المقصود من الجدول مراقبة الأساتذة ووضعهم كمتهمين دائما خاصة من هم يحملون فكراً يسارياً ولايرتبطون بحزب البعث بأية صلة. كما يمكنهم محاسبة من يشاؤون أذا لم يجدوه بساعة الفراغ في المكان الذي حدده وتوجيه تهمة النشاط السياسي المعادي أو حتى ألأجتماع الحزبي، وأنه يخدع الأدارة والحزب (البعث) بجدوله المعلن! لذلك كنت حذراً في المعهد ولم أحاول يوما مغادرة المعهد قبل نهاية الدوام أو أثناء الفراغ بين الدروس والتي تتجاوز أحيانا ثلاثة ساعات، وكم مرة عرض علي زميلي د. محمود أن أرافقه للتسوق خلال فراغي ورفضت دون أن أفصح له سبب رفضي.
في أواخر عام 1978 وأنا أقوم بواجبي في الدرس، طرق الباب أحدهم وقبل أن أسمح له وأعرف من يكون فتحها وأستدعى أحد الطلبة، ثم التفت الي يحييني ويدعوني لزيارته، أنه زميلي في ثانوية كربلاء، والان هو عميد المعهد لشؤون الطلبة الدكتور عيسى عمران. لم يكن د. عيسى متفاجئاً بوجودي في الصف، فمن سلامه العادي قدرت أنه سمع بوجودي، وربما كان أستدعائه للطالب مجرد عذر ليبرر دعوته لي. تعَرف عيسى علي في المعهد أقلقني، فأنا كنت أحاول أخفاء توجهاتي السياسية، وكنت أتقصد في قراءة صحيفة الثورة والجمهورية لاغير يوميا وأترك باب الغرفة مفتوحا ليراني جميع الطلبة. زرت د. عيسى في نفس اليوم محاولاً اكتشاف مايدور في داخله. كان آخر لقاء معه عندما كنت في الثالث المتوسط أو الرابع عام 61/62، وفي بولونية أستلمت منه رسالة عام 70/71 بعد أن حصل على عنواني من والدي، يطلب مني مساعدته للحصول على مقعد دراسي في بولونية لدراسة الدكتوراة. كتبت له جواباً شرحت له كيفية التقديم وبأمكانه التقديم للدراسة على حسابه الخاص من العراق، اما الحصول على منحة فهذا ليس بمقدوري لأن المنح تمنح للحكومات والمنظمات المهنية، ولم أستلم منه رسالة أخرى وأنقطعت أخباره حتى رأيته ذلك اليوم في الصف.
زرت زميل دراستي في مكتبه بالعمادة، وكان هدفه من اللقاء عبارة عن نصائح وارشادات وتحذير من علاقاتي بالطلبة وانه يقوم بذلك بمبادرة منه ولم يكلف من اية جهة! وأدعى أنه يوجد في المعهد بعض الطلبة الذين تقصدوا الفشل الدراسي في الكليات الهندسية لينتقلوا الى المعهد ويقودوا نشاطات الطلبة الشيوعيين، وأنهم قلة، والعلاقة معهم تسبب لي متاعب، وهناك تقارير مرفوعة حول علاقاتي وتحركاتي بين الطلبة! وأذكر الآن لجميع القراء وبعد مرور أكثر من ربع قرن على تلك الأيام أنني لم أكن مهتما للتعرف على أي توجه سياسي لطالب أو أستاذ، ولم أفكر في علاقاتي مع الطلبة على أساس مايحملوه من فكر سياسي، محاولا بذلك الألتزام بتوجيهات الرفيق عادل حبه وأبعاد الشبهات عني. أختصرت الحديث مع د. عيسى بالسخرية وتكذيب هذه التقارير وقلت له أنت تعرفني منذ كنت طالبا معك في الرابع العلمي أي قبل أكثر من خمسة عشر عاما، ومثلما تغيرت أنت خلال هذه الأعوام وتحولت من صديق للحزب الشيوعي والآن أنت بعثي، أنا أيضا تغيرت وليست لي علاقة تنظيمية بالحزب وأنطباعك القديم عني ليس صحيحا، وكل مايهمني أن أقدم أفضل المعلومات لطلبتي، ولا يمكنني أن أرفض طلب أي طالب لمساعدته والأجابة على تساؤلاته وأرفض الحديث معه في الفرصة بين الدروس، وأذا كنتم ترون أن بعض الشيوعيين لهم علاقات خاصة معي فلا بأس من تزويدي بأسمائهم أو كتابة لوحة بمنعهم من الأتصال بي بأمر العمادة، أما أنا لايمكنني فعل ذلك. لا أدري إذا كان زميل دراستي متطوعا ومبادرا في حديثه أو موجها من حزبه من دون أن تتوفر لهم أية معلومات عني، وأن حسن علاقاتي مع طلبتي هو ما أغاضهم.
مارس البعثيون أخس الأساليب اللأخلاقية لغرض الأيقاع بمن يختلف معهم فكرياً وخاصة الشيوعيين. ومن هذه الأساليب دفع بعض الطالبات الساقطات بالتحرش بالاساتذة أو بزملائها، واذا مانجحت الرفيقة البعثية في أغواء زميلها أو أستاذها فأنهم سيحولن القضية الى تحرش وساعتها تقوم الدنيا ولاتقعد على رأس ذلك المسكين. ولا أخفي دور طالبتين، الأولى تلميذتي في الثاني ، والثانية تلميذة في القسم المدني كنت التقيها يوميا في باص المعهد المخصص لنقلنا من المعهد الى البيت وبالعكس. كانت تلميذي لعوبة وغير ملتزمة بالدوام والدراسة، وكانت علاقتها برئيس الأتحاد الوطني متميزة، وطلب أكثر من مرة مساعدتها للحصول على درجة النجاح وعدم محاسبتها على غياباتها وتأخرها بسبب مهماتها ونشاطاتها؟!! وفي أحد أيام الأربعاء، حيث أكون وحيدا في غرفتي بسبب تمتع زميلي بيوم فراغهم الأسبوعي، جاءت للغرفة تطلب مني مساعدتها لشرح أحد الدروس، وكانت من عادتي أن أترك الباب مفتوحا ليراني جميع الطلبة، لكنها أصرت على غلق الباب ورائها، مما زاد من شكوكي وحذري من هذه الطالبة اللعوب. فجأة بدرت الى ذهني حجة وجدتها قوية ستنقذني من هذا الموقف الخبيث، فقلت لها يجب أن تبقى الباب مفتوحة وهذا ليس قراري وأنما قرار أدارة المعهد ولا أريد الأساءة لأحد. أقتنعت ولكن بعد أيام وبعد أنتهاء الدرس جائتني وهي مبتسمة بخبث وكأنها تعاتب صديقاً، ليش أستاذ فوتت الفرصة عليك، لا قرار عمادة ولاهم يحزنون! ولما سألتها من أين لها المعلومات وهي غير صحيحة أجابت أن لها طرقها الخاصة، حينها تأكدت أن تصرفاتها نحوي كانت مدفوعة ومخططة من منظمة البعث بالمعهد.
أما التلميذة الثانية من القسم المدني كنت ألتقيها يوميا في باص المعهد، وكانت تستغل الأزدحام داخل الباص وقربي منها للتحرش فتضطرني للتدافع مع الطلبة للأبتعاد عنها. كانت تقضي ساعات فراغها في قسمنا مقابل غرفتي وبصحبة زميلة لها، ولاتتورع بأسماعي كلمات أعجاب وغزل. وفي أحد الأماسي كنت على موعد مع رفيقة في الباب الشرقي، وأذا بهذه التلميذة تستوقفني وبوقاحة تخاطبني وهي تنظر للرفيقة: ليش أستاذ أحنة مانعجبك؟ فبادرتها ضاحكا: ليش كل وحدة ممكن أن تكون شقيقتي! وقدمت لها رفيقتي على أساس شقيقتي، وأعتذرت لأننا على موعد مع طبيب أسنان وعلينا أن نستعجل، وفعلا توجهت الى عيادة دكتور الأسنان عادل الهاشمي، وهو صديق قديم وأخ الدكتور صلاح الهاشمي الذي كان سجينا معي في سجن النقرة، وأستمرت هذه العاشقة البعثية في متابعتنا حتى صعودنا لعيادة الدكتور. وشرحت للرفيقة بأنها تلميذتي وأعتقد أنها مكلفة من منظمة حزب البعث للأيقاع بي. وعندما عقدت قراني الأول والفاشل على أحدى طالباتي في الصف الثاني، وكانت عضوة في الأتحاد الوطني ، أخبرتني أن زميلتها (تلميذتي) صارحتها أن الناشطين من البعثيين في الأتحاد الوطني كلفوها وأخريات بالأعتماد على كل الأساليب للأيقاع بي، وهكذا تأكد حدسي. 


السويد/كربلاء/العباسية الشرقية