الرئيسية » مقالات » بدايــات الغربــــة /11

بدايــات الغربــــة /11

كانت فترة التدريب العسكري في المركز تسير بدون أية أشكالات أو شبهات حول توجهاتي السياسية ، فكنت أتجنب الأختلاط والخوض في نقاشات سياسية وعشت في شبه عزلة مدة تزيد على الشهرين. وخلال هذه الفترة القصيرة تحدث معي جارنا (لاأتذكر أسمه للأسف) وهو شاب محسوب على حزب البعث وربما بعثيا، لكنه أنسان نقي وطيب، وعرض عليّ المساعدة وذلك بتكليف أقارب له برتبة عسكرية عالية في مركز التدريب. رفضت في البداية خوفا من عواقب هذه الوساطة، وقد تضرني أكثر مما تنفعني، خاصة أذا أكتشفوا هويتي السياسية وأنتمائي الحزبي. لكن هذا الجار البريء الح عليّ، وأقترح بأننا سوف لانطلب منه أكثر من منحك الأجازاة وتوصية مسؤول فصيلك بذلك، شرط لاتخبره بأنك خريج بولونية!. سافرنا لزيارة قريبه في النجف وتحدث جاري معه بعد أن قدمني له وطلب منه أن لايتوانى في مساعدتي. وسألني هذا الضابط (لا أتذكر رتبته العسكرية ولا حتى أسمه للأسف) أن كنت راغبا في العمل في القلم، فاعتذرت عن ذلك وأكدت له بأني فقط أريد منحي الأجازات لأكون قريبا من والديّ فهم بحاجة لوجودي بجانبهم. وفعلا وفى هذا الرجل بما أوعدني به ولم التقي به في المركز إلا مرة واحدة.
بعد مرور شهرين من التدريب وربما أكثر بقليل، تقرر نقلي الى مديرية الأشغال العسكرية. أستعنت بزوج صديقة شقيقتي أحلام ويعمل مسؤولا في مديرية الأشغال العسكرية في بغداد. طلبت منه مساعدتي للألتحاق في مديرية الأشغال العسكرية في الناصرية. أخترت الناصرية لعدة أسباب، أولا لتوفر السكن لي حيث أن لي خالين يعيشان هناك ولهم علاقات أجتماعية طيبة وليس لهم أية توجهات أو نشاطات سياسية، وثانياً الحنين لمدينة طفولتي، فمدينة الناصرية أحتضنتني منذ كنت طفلاً بعمر أربعة سنوات وحتى الخامس الأبتدائي. وثالثاً وهو الأهم الأبتعاد عن كربلاء بعد ان تدهورت العلاقات الجبهوية وتطورت قضية أعتقال ومحاكمة مجموعة الشهيد سهيل الشرهان، وبدء الهجمة على الحزب بأعذار واهية ومفتعلة.
في قسم مديرية الأشغال في الناصرية، كنا أربعة شباب وكنت أكبرهم سنا والجميع من خريجي معهد التكنلوجية ومتنوعي الأختصاصات. جميعهم لطفاء وكنا نتعاون في العمل والتحرك، وخصصت لنا سيارة لنقلنا من والى بيوتنا. كان العمل الوحيد الذي ساهمت فيه أثناء وجودي القصير هو القيام بترميم بيت قائد الفرقة. وأعتقد ان البيت تم شرائه حديثاً، وبناؤه جيد وضخم. ولما كلفنا بتقديم تقرير عن ماهية التصليحات المطلوبة في البيت، لم نجد أية نواقص فالبناء متكامل وجيد. ولما أشعرنا مسؤولنا وهو من أهالي الناصرية ومهندس عسكري، لم يقتنع بكلامنا، لأن قائد الفرقة طلب منه تغير كل بلاط الأرض والأبواب وصبغها وصبغ وطلاء الجدران وتغيير المنافع الصحية، متحججا برداءتها! ولما وصلنا للبيت وشاهد المهندس البيت من الخارج والداخل ثار وأنزعج لطلبات قائد الفرقة وأعتبر ذلك تبذيراً غير مبرر. حينها سمعنا بالمشادة وعناد مهندسنا النظيف والحريص مع قائد الفرقة المستهتر بأموال الشعب. وأخبرنا المهندس بأنه سيكتب عن ذلك تقريرا للمنظمة الحزبية، لكن رغبة قائد الفرقة هي التي تحققت أخيراً.
في أواخر أيار زرت الأهل في كربلاء بأجازة ليومين، وسمعت من صديقة العائلة الأخت الفاضلة أبتسام آل زوين بأن أحد العاملين في مديرية التجنيد أخبرها بأن قرار بتأجيلي من الخدمة قد وصل من مديرية التجنيد العامة ولكن البعثيين العاملين في تجنيد كربلاء الثانية قرروا أخفائه وعدم أشعاري أو أشعار وحدتي! وللأسف رفضت أن تعطيني أسم من أخبرها أو حتى محاولة الحصول منه على رقم القرار وتأريخ صدوره حرصا على سلامة من أخبرها، لأن الشخص الذي أخبرها كان خائفا من أفتضاح كشفه لهذا السر ومايترتب عليه من عواقب. حاولت عن طريق بعض معارفي من معرفة حقيقة مانقلته الأخت أبتسام، لكن لم أتوصل الى أي جواب شافي. أنتهت أجازتي وعدت للناصرية وأنا في حيرة ولا أعرف كيف يمكنني معرفة الحقيقة إلا من خلال تمتعي بأجازة لعدة أيام لمتابعة الموضوع من بغداد بدءً من وزارة التعليم العالي.
في يوم عودتي ومباشرتي في دائرة الأشغال، وكنا مجتمعين في الغرفة نتجاذب الحديث، سمعنا نداء بالحاجة للتبرع بالدم لأصابة بعض الجنود أثناء التدريبات، وكانت العادة الجارية في المعسكر لمن يتبرع بالدم يمنح أجازة لمدة أسبوع، فكانت فرصتي للتمكن من متابعة موضوع التأجيل وضرب عصفورين بحجر، التبرع لأنقاذ حياة أنسان والحصول على الأجازة. وفعلاً تحقق لي ذلك ومنحت أجازة لمدة أسبوع وسافرت في اليوم الثاني مباشرة الى بغداد.
راجعت وزارة التعليم العالي ، وسألتهم أن كان قد وصلهم قرار وزارة الدفاع، وكان الجواب بعدم وصول أي جواب! راجعت مديرية الشؤون القانونية، وتحدثت مع الشباب الجنود العاملين في الواردة، طلبوا مني مراجعة دائرة تجنيدي لمعرفة الجواب أو الوزارة التي فاتحتهم! وضيعت ثلاثة أيام أتنقل بين بغداد وكربلاء وبين عدة مؤسسات، المفروض أن يكون وصلها قرار وزارة الدفاع، وكل مؤسسة تتعذر بأعذار لاتنم عن الحرص والمصداقية. بذلت محاولة أخيرة وراجعت مديرية الشؤون القانونية وتحدثت مع نفس الشباب محاولاً أثارة شيمتهم وكسب ودهم وتحريضهم على موقف العاملين في تجنيد كربلاء وفي وزارة التعليم. نجحت في ذلك وأوعدني أحدهم بالبحث وهو يدخل غرفة داخلية صغيرة، وبعد أكثر من نصف ساعة من غيابه عاد ليقول لي: آسف أخي لقد حصلت فقط على تأجيل لسنة واحدة ، وقالها آسف للمزاح فقط. وبدون تفكير حضنته وقبلته على هذه البشرى التي كنت أنتظرها، والتي حاول بعض البعثيين الخبثاء والحاقدين من أخفائها عني ثلاثة أشهر!. ومن شدة فرحي وأمتناني للجنديين العاملين في واردة الشؤون القانونية أحضرت لهما لفتين من الكص (الشاورمة) وقنينتين من البيبسي البارد، وطلبت منهم أن يسلموني نسخة الوزارة ونسخة للتجنيد وثالثة لي.
أنجزت معاملة التسريح خلال يومين وتبين لي أن قرار وزارة الدفاع صدر في 18/3/1978 وأن مديرية التجنيد العامة أشعرت مديرية تجنيد كربلاء في 2/4/1978 وان العاملين الخبثاء في تجنيد كربلاء أخفوا القرار ولم يبادروا لأبلاغي أو أبلاغ وحدتي وتهربوا من أبلاغي حتى عند مراجعتهم بعد ان سمعت بالخبر ، وبذلك أخروا تسريحي لمدة تقارب ثلاثة أشهر حيث سرحت يوم 13/6/1978 وهذا أن دل على شيء يدل على مدى الحقد الدفين في نفوس البعض من البعثيين ومن لف لفهم، ولم يحسبوا حساب أية مسؤولية أخلاقية للتعامل مع المواطنين وأنجاز معاملاتهم. وقد أكتشفت بعد كل هذه السنوات أي بعد 30 عاما وأنا أقلب دفتر الخدمة العسكرية، أن دائرة تجنيدي ثبتت تأريخا لآينطبق على الواقع كما في الملحوظة التالية المثبتة في دفتر خدمتي العسكرية ( …..لذا وجب التأشير وطلب تسريحه بموجب كتابنا 1414 في 24/4/1978. وكان التوقيع في أسفل الصفحة بتأريخ 23/4/1978) والغريب اني وبسبب فرحتي بحصولي على التأجيل لم أنتبه للتواريخ المثبت والتي دونتها دائرة تجنيدي، بينما أنا لم أتواجد مطلقا في كربلاء خلال الشهر الرابع ، وراجعتهم فقط في أواخر أيار بعد ان أخبرتني صديقة العائلة الآنسة أبتسام بحصولي على التسريح وأن العاملين في دائرة التجنيد من بعثيين قد أخفوا الموافقة، فكيف ثبتوا تأريخهم المزور أعلاه ولم أنتبه له حينها، كان المفروض أن يكون التأريخ (10-13)/6 وهو تأريخ مراجعتي لتجنيد كربلاء بعد ان تمكنت من الحصول على قرار التأجيل من دائرة الشؤون القانونية!
قمت بكل أجراءات التسريح الروتينية، وتوديع زملائي في دائرة الأشغال العسكرية في الناصرية ومدير دائرتنا الضابط المهندس …… (للأسف لا أتذكر أسمه) مدير الأشغال، والذي كان يتعامل معنا بروح أخوية وكأننا زملاء عمل مدني، ولم يشعرنا يوما بأنه رئيسنا ونحن جنوداً بأمرته.
سلمت قرار التأجيل لوزارة التعليم العالي لأستكمال مسألة التعيين، وجوابا على سؤال الوزارة في أولوية خياراتي للمدينة التي أرغب فيها للعمل، أخترت مدينة الحلة حيث يوجد فيها معهد تكنلوجية او صناعي تابع للوزارة. لكن الوزارة أصدرت أمر تعييني بتأريخ 24/06/1978 في معهد التكنلوجية في الزعفرانية (بغداد)، وبذلك أكون قد خسرت مخصصات السكن والتي تتجاوز العشرين دينار. لأن الدولة تمنح مخصصات السكن لكل من يتم تعيينه في غير مسقط رأسه، ماعدا من يتعين في بغداد لايحق له المخصصات حتى وأن كان التعيين رغما عنه أو بدون أختياره! صدر قرار تعييني مع بدء العطلة الصيفية وباشرت في المعهد.
في تلك الفترة التي سرحت فيها وقبلها بأشهر، كانت حملة المضايقات على الحزب وأصدقائه في تصاعد، وكللتها السلطة البعثية بأعدام كوكبة الشهداء سهيل الشرهان ورفاقه. وكنا نسمع أخبار شراسة الحملة ضد حزبنا في البصرة والناصرية ومدن أخرى. وفي كربلاء بدأت هذه الحملة بالتصاعد، فأستدعي الكثيرون من الرفاق والأصدقاء للتحقيق والترهيب، وأصبحت هذه الأخبار موضع حديث بين أعضاء الحزب والأصدقاء مطالبين قيادة الحزب بمعالجة هذه الممارسات من قبل سلطات الأمن مع الحلفاء. وتصاعدت الحملة الشرسة ضد الحزب وأصدقائه حتى شملت أعتقال أعضاء ومرشحين في اللجنة المركزية وتعرضهم للأهانات والتعذيب، كالرفاق كاظم حبيب وعادل حبة والشهيد ابو زيتون وآخرين، وكانت الحملة مخططة ومدروسة، فمع أعتقال أي رفيق تبث الأشاعات المختلفة المشككة بمواقفه، كان البعض يعتقل وتختفي أخباره وهو ليس بالكادر الحزبي المتقدم أو حتى صديق بينما يطلق سراح آخرون بعد ساعات من الأستدعاء مع أشاعة بالتشكيك بصلابة مواقفهم. كان هذا الأسلوب المخابراتي والمعتمد على الحرب النفسية لمواجهة الحزب له تأثير سلبي على وضع الحزب العام وسبب حالة من القلق والأرباك وللأسف لم يكن الحزب متهيأ وقادراً على مواجهة هذه الحملة الشرسة والخبيثة غير الطلب من بعض كوادره بالهجرة الى مدن أخرى والأختفاء لتجنب حملة الأعتقالات والأستجوابات المشبوهة، ربما لم يكن هذا التوجيه مركزياً بقدر ماكان تصرفا فردياً من كثيرين، يبتعدون موقتا عن مدنهم منتظرين من الحزب حل هذه الأزمة بالتفاهم مع الحليف الغدار!
أثناء مراجعاتي للوزارة كنت أزور من حين لآخر بعض الرفاق في مقري الحزب في بغداد، كما كنت أحاول أن أساعد والدي في أن أحصل له على توصية من اللجنة المركزية للسفر والعلاج مجانا في أحدى الدول الأشتراكية. أثناء أحدى زياراتي التقيت بالرفيق عادل حبه عضو اللجنة المركزية وكان مسؤول لجنة تنظيم الخارج في براغ أثناء دراستي في بولونية ويعرفني جيداً. كان الرفيق خارجا قبل أيام من المعتقل بعد أن شملته الحملة الشرسة، هنأته على السلامة، وبدوره سألني عن وضعي وعلاقتي بالحزب، أخبرته بأن تعييني سيكون في بغداد وأني مرتبط بتنظيم الحزب في كربلاء. طلب مني الرفيق أن أقطع صلتي الحزبية بتنظيم كربلاء، وان تصبح علاقتي مباشرة معه وفردية! تفاجأت بهذا الطلب، وأذكر ذلك ولأول مرة بصراحة بالرغم ما سمعته وأعرفه من مواقف الرفيق الصلبة، أنه ساورتني بعض الشكوك حول هذا الطلب، ولم يكن أمامي متسعا من الوقت لدراسة المقترح بل كان حلاً جيداً لأبعادي عن كربلاء، وأتفقنا على اللقاء بعد أسبوع على أن أنهي علاقتي بالتنظيم في كربلاء. عدت للبيت وأنا أحاول أن أفسر طلب الرفيق، هل المقصود من ذلك المحافظة على سلامة الرفاق، وأن الحملة الشرسة ضد حزبنا تستدعي كل هذا التحوط، أم أن هناك دوافع أخرى؟.
سافرت الى كربلاء لأبشر عائلتي بتعييني ومباشرتي بالمعهد، وكانت الأجواء في المدينة متوترة، فحملة الأعتقالات والأستدعاءات شملت رفاق وكوادر نشطين في الحزب، كالشهيد أحمد الزبيدي، وعبود أحد العاملين في مقر الحزب، علي تقي، صالح حديدي، وطلبت دائرة ألأمن أستدعاء أحد أبناء الراحل حسن عبد الأمير (والد الشهيد وضاح) وأوعدهم الأب بأحضاره في الصباح ولكن أبنه فرّ من البيت وأختفى! وحتى مسؤول العلاقات الجبهوية الشهيد علي محمد النوري لم يسلم من الأستدعاء وآخرون كثيرون والبعض توارى عن الأعين، فأستدعت سلطات أمن كربلاء عوائلهم للضغط عليهم وهذا ماحدث مع والدة مقداد بعد أختفائه. بعد تفكير طويل وتردد ومتابعة لأخبار الأعتقالات والأستدعاءات في كربلاء، أزدادت قناعتي بضرورة قطع صلتي بالتنظيم في كربلاء، ووثقت أكثر بحكمة ومصداقية قرار الرفيق عادل حبه. أتصلت بمرجعي الحزبي الرفيق (ص.ح) الذي كان طول فترة التحاقي بالعسكرية وما قبلها مسؤولا عني وأبلغته بقراري بقطع صلتي بالحزب منفذا طلب الرفيق أبو سلام (عادل حبه)، لكن هذا الرفيق لم يقتنع بجدية قراري لما يعرفه عني وأصر على مواصلة اللقاءات على أمل التراجع عن قراري.

يـتـبـع

السويد/كربلاء/العباسية الشرقية