الرئيسية » مقالات » بدايــات الغربــــة /9

بدايــات الغربــــة /9

كان العام الدراسي 1976 عام تقديم أطروحتي وتخرجي من قسم الهندسة المدنية. ففي بداية كل فصل أخير من دراستنا، يعرض الأساتذة على الطلبة مجموعة مواضيع كمشاريع لأطروحاتهم الدراسية، يجب عليهم أختيار أحداها وأنجازها وتقديمها في فترة محددة لنيل شهادة التخرج، ويكون الأشراف على المشروع (الدراسة) من قبل الأستاذ المختص والذي وضع المشروع. أخترت مشروعا في الخراسانة المسلحة لمخازن ومعرض للأثاث من خمسة طوابق وبسقوف مستندة على تيجان مخروطية في نهاية الأعمدة. ويشمل المشروع ثلاثة مراحل، الأولى التصميم المعماري للمخازن بأشراف أستاذ معماري بدرجة دكتور، ويشمل التقسيم الداخلي من صالات للعرض والتخزين وورش عمل ومكاتب، وهذا يعني يجب دراسة هذه الأماكن وكيفية أداء وظائفها بطريقة صحيحة وسهلة، كما يشمل التصميم جمالية المنظر الخارجي. أما المرحلة الثانية فكانت وضع التصاميم الأنشائية، كانت تشمل أجراء الحسابات الأولية من أثقال ورياح ودراسة لنوع التربة، وحساب وتحديد القياسات لأجزاء البناء الرئيسية (أساسات، أعمدة، تاج العمود المخروطي، السقوف والسلالم والمصعد الكهربائي)، ومن ثم حساب كمية ونوع حديد التسليح في كل تلك الأجزاء. أي القيام بحساب جميع القوى المؤثرة (من أثقال ثابتة ومتحركة ورياح) على البناء وأخذها بنظر الأعتبار في تأثيرها على الأعمدة وتيجانها القمعية وحساب طريقة التسليح ونوعية الخراسانة بدءً من الأساسات وألأعمدة الحاملة والسقوف، وأن ترفق مع التصميم الأنشائي جميع الجداول والحسابات الهندسية. أما المرحلة الثالثة عبارة عن وضع الخرائط بموجب التصميم المعماري والأنشائي، وتقديم دراسة نظرية بصورة كتاب للمشروع بقسميه المعماري والأنشائي وتدوين كل الحسابات الهندسية المعتمدة.
أشرف على مشروعي أستاذين، كان ألأشراف الأول من قبل أستاذ بدرجة دكتور في العمارة، وكانت مهمته ألأشراف على المرحلة الأولى. وبعد عدة محاولات ومناقشات بيني وبين أستاذي المعماري أستغرقت مايقارب الشهرين ونصف، وهي فترة ليست بالقصيرة بسبب متطلبات وشروط الأستاذ المعماري الصعبة، تم الأتفاق بصورة نهائية على التصميم المعماري الذي أقترحته أخيرا بعد نقاشات طويلة. أما المرحلة الثانية والتي أشرف عليها أستاذي في الخراسانة المسلحة فقد أستغرقت مدة تجاوزت الخمسة أشهر. فهي أول دراسة لي تصميمية لمشروع يمكن ان ينفذ ، أضافة الى أنه متشعب المواضيع واختبار لأمكانيات ومعلومات الطالب الهندسية وكيفية معالجته للمشاكل في التصميم بطريقة علمية معتمدا على حساباته. كنت على علاقة مستمرة مع أستاذي المشرف وأنا أطلعه أسبوعيا على ما أقوم به من حسابات ومناقشة المشاكل التي تواجهني والأستماع الى ملاحظاته ومقترحاته. وبعد ان أنجزت كل حساباتي ودققها أستاذي ونالت موافقته، بدأت بالمرحلة الأخيرة من المشروع وهي وضع الخرائط المطابقة للتصميمين المعماري والأنشائي، أضافة للحسابات الهندسية التي وضعت بموجبها التصميم الأنشائي وطبعها كمجلد (كتاب) بأكثر من أربعة نسخ مع مقدمة أشرح فيها طريقة الحسابات التي أعتمدتها والمشاكل التي واجهتني وكيفية التغلب عليها.
بعد أقرار المشروع وطبعه في مجلد (كتاب) بعدة نسخ يعرض على أستاذين آخرين لتقييمه أضافة لتقييم أستاذي. بعد هذا التقيم كان عليّ أجتياز الأمتحان للدفاع عن المشروع وعن معلوماتي الهندسية والتي أكتسبتها خلال دراستي، ويتم ذلك أمام لجنة تشكلها العمادة من ثلاثة أساتذة، يكون أحدهم أستاذي المشرف. وبالعادة يحدد موعد لعدد من الطلبة في يوم واحد للدفاع عن مشاريعهم. كان يوم 7 كانون الأول من عام 1976 هو يوم دفاعي وحصولي على لقب مهندس في البناء وبدرجة جيد أي أربعة من خمسة، والدرجة هذه هي نتيجة معدل ثلاثة نتائج وهي معدل درجاتي خلال سنوات الدراسة الجامعية، وتقييم المشروع، ودرجة الدفاع عن المشروع.
بعد أن أنهيت دراستي وحصلت على الشهادة في الهندسة المدنية، قدمت طلباً للجامعة لغرض التدريب ولمدة ستة أشهر. أخترت التدريب في مجال البناء الجاهز، آخذاً في الحسبان أقدام الحكومة العراقية على أنشاء معملين للبناء الجاهز. وبمساعدة أستاذي الذي أشرف على مشروعي وضعنا الخطوط العامة لبرنامج التدريب للفترة (13/ شباط- 15/ آب) 1977، وشمل مرحلتين الأولى في معمل البناء الجاهز للأطلاع على مراحل الأنتاج والطرق التكنلوجية المستخدمة في ذلك. والمرحلة الثانية في موقع العمل للأطلاع على عملية برمجة وتنفيذ البناء وتنظيم الموقع.
في أحد الأيام أتصل بي الرفاق من وارشو وطلبوا مني مرافقة صحفي ومحرر نشط في صحيفة الحزب (طريق الشعب)، وهو الآن ضيفاً على صحيفة حزب العمال البولوني الموحد تريبونا لودو (منبر الشعب). زرت الصحفي في فندق الفوروم بوارشو، وتفاجأت كما تفاجأ هو، فالصحفي هو زميلي في سجن نقرة السلمان في أعوام 64/65 الراحل مصطفى عبود طيب الله ثراه. ففي سجن النقرة وفي القاعة الثالثة عشنا سوية مايقارب السنتين ، حيث كان يحتل الركن الأمامي الأيمن من القاعة، وقد عرف عنه بحبه للمطالعة باللغتين العربية والأنكليزية، أضافة لأجادته للعبة الشطرنج وكان واحد من أفضل اللاعبين في النقرة، وقد عرف عنه أنهماكه بالمطالعة وترجمة بعض المقالات من الأنكليزية.
قدمت أدارة تريبونا لودو دعوة لطريق الشعب لأرسال أحد محرريها ضيف على الصحيفة، وفضلت أدارة صحيفة الحزب (طريق الشعب) منح الراحل هذه السفرة، وذلك أمتناناً لجهوده الجبارة ومساهماته الرائعة في الترجمة والكتابة والحسابات. كان الراحل يقوم بعدة وضائف في الصحيفة وبراتب متواضع، بينما بأمكانه العمل في أية شركة أو مؤسسة ليحصل على ضعف مرتبه، لكنه فضل التضحية بتلك الأمتيازات وتقديم خدماته لصحافة الحزب وبأجور متواضعة. لذالك قررت أدارة الصحيفة أن تمنحه فرصة الأستفادة من مساعدة الصحافة الصديقة مكافئة له على جهودة المتفانية بالمساهمة في التحرير والترجمة والحسابات في طريق الشعب.
كانا لقاؤنا حاراً وتعانقنا وكل واحد منا ينظر للآخر غير متوقعا لهذا اللقاء. وتنفس مصطفى الصعداء وأخبرني كم عانى بسبب المترجم الذي خصص له، فالمترجم كان من البعث السوري، وكانت حينها العلاقات العراقية السورية متوترة بسبب خزان نهر الفرات الذي أنشأته الحكومة السورية وسبب نقصاً وجفافا في مياه الفرات في العراق، أضافة الى أن مصطفى لم يعد يثق بما يترجمه البعثي السوري، فكان مضطراً للتحدث بالأنكليزية. وهكذا تقرر أن أكون مرافقا ومترجما في جميع النشاطات التي تم تنظيمها له خلال تواجده.
كان الراحل متحمساً للأطلاع مباشرة على النشاطات الثقافية في بولونية، وأبدى رغبة متحمسة لمشاهدة الفلم البولوني أنسان من مرمر (Człowik z marmuru) ،والفلم من عمل المخرج البولوني آنجي فايدا (Andrzej Wajda) وكتب السناريو لهذا العمل المبدع آلكساندر شجيبور ـ ريلسكي (Aleksander Ścibor-Rylski). ورافقت عرض الفلم معارضة قوية من بعض مؤسسات الدولة والقيادات الحزبية، وتركت مسألة عرضه لقرار المؤسسات الأدارية والحزبية في المحافظات، ولم توزع نسخ متعددة من الفلم على دور العرض، المهم وضعت الكثير من العراقيل المختلفة لعرض الفلم.
أهتمامات الراحل الثقافية المتنوعة دفعته لمتابعة الضجة الأعلامية ألتي أثارتها القوى المعارضة في الداخل وكذلك الدول الغربية متهمة الدولة والحزب في بولونية بمصادرة حرية الرأي. كان موقف الحزب والدولة السلبي الغير مبرر من الفلم يعكس العقلية البيروقراطية والمشوهة التي كانت مسيطرة في ذلك الزمن على مقاليد الحزب والدولة. لذلك طلب الراحل من البولون أن يوفروا له أمكانية مشاهدة العرض، على أن يتبع ذلك لقاء مع مخرج الفلم آنجاي فايدا واعداً البولون بنشر اللقاء في صحافة الحزب الشيوعي العراقي (طريق الشعب) مع دراسة نقدية عن الفلم. وحقق البولون رغبة مصطفى عبود، وكانت هذه فرصة لي أيضاً لمشاهدة الفلم. ولا أتذكر فيما أذا تحقق اللقاء مع أنجاي فايدا أم لا فالذاكرة تخونني للأسف ، وأذا ماحصل هذا اللقاء فبالتأكيد بعد فترة الأستضافة ومن دون حضوري، حيث أن الراحل طلب تمديد فيزته والبقاء فترة أطول وعلى نفقته الخاصة.
الفلم يتحدث عن بطل العمل الأشتراكي عامل البناء ماتأوش بيركوت (Mateusz Birkut) في بداية الخمسينات من القرن العشرين. ماتأوش بيركوت ساهم بالعمل في بناء مصنع الصلب (Nowa Huta). وأشترك في منافسة مع فرقة من خمسة عمال بناء من أجل أختيار بطل العمل الأشتراكي. أنجز ماتأوش بيركوت في عمله رقما قياسيا متجاوزا جميع رفاقه بالعمل، وتمكن من بناء 30 ألف طابوقة في ثمانية ساعات عمل! وبناء على الأنجاز الجبار لهذا العامل، منحته الدولة سكن وأقامة له نصبا وأصبح مفتشا ومشرفا يقوم بزيارات مع صديقه فيتك (Witek) لمواقع العمل، وأصبح ناشطا عماليا في أتحاد العمال . وفي أحدى المباريات في العمل أعطاه أحدهم، من العمال الذين أغاضهم نجاحه، حجارة ساخنة جدا فحرق يديه وسبب له عاهة مستديمة. أتهمت السلطات بذلك صديقه فيتك وأعتقلته وضاع أثر صديقه في المعتقلات السرية!. وبقي ماتأوش بيركوت كناشط في أتحاد العمال يبحث ويتابع قضية صديقه فيتك، وراجع المسؤولين بذلك لمعرفة مصيره ولكنه كان يصطدم بجدار صلب من قوى الأمن و المؤسسات المسؤولة حتى فقد أمله بالعثور على صديقه . وبسبب إصراره على معرفة مصير صديقه فقد عمله وجرد من سكنه بالرغم من أن زوجته على وشك الولادة!. ووصل حالة من اليأس والغضب دفعته لرمي حجرا على شباك دائرة الأمن مما أدى الى أعتقاله……. وأخيرا يستشهد هذا العامل في أثناء اضطرابات سياسية عمالية.
هذه الأحداث بحثت عنها طالبة في مدرسة صناعة الأفلام (السينما) آكنيشكا بورسكي (Agniszka Borski) ، وكانت تهدف لمعرفة حقيقة صناعة الأفلام الدعائية في الفترة الستالينية من خلال البحث عن حقيقة بطل العمل الأشتراكي، وتوصلت الى حقيقة الدعاية الأشتراكية في ظل سيطرة الفكر الستاليني، وكيف يمكن لهذه الدعاية أن تصنع أبطالا متى وكيفما أرادت وأن تجعل من هؤلاء الأبطال خونة يستحقون اللعنة. وكما قال النقاد حينها أن آكنيشكا أكتشفت حقيقة الزمن الذي عاش فيه ماتأوش بيركوت كما أكتشفت نفسها، وذلك من خلال الأفلام الوثائقية في الأرشيف لتلك الحقبة التأريخية، وشهادات من شاركوا وكانوا على مقربة من بطل العمل الأشتراكي. ولاقت آكنيشكا متاعب وصعوبات وعرقلات في أنجاز العمل. وأخيرا تمكن آنجي فايدا من أخراج فلمه (أنسان من مرمر) ينتقد فيه المفاهيم الستالينية والممارسات البيروقراطية، ويناقش فيه الأنانية والأنتهازية التي تكون سلما سهلا للبعض في التسلق على أكتاف الآخرين.
ومن ضمن البرنامج الذي نظم للراحل مصطفى، الأقامة للأستجمام في دار أستراحة مخصصة لكبار الضيوف تقع وسط غابة جميلة في جنوب بولونية. وفرت لنا أدارة الصحيفة سيارة بسائق، وتوجهنا الى دار الأستراحة (للأسف لم أعد أتذكر أسم المنطقة). كانت دار الأستراحة تتوسط غابة جميلة ومنظمة وكأنها حديقة للزهور محاطة بأشجار السرو والصفصاف وغيرها من أشجار الغابات. بعد أن تعرفنا على مديرة الدار، أخبرتنا بأن هذه الدار كانت قبل الحرب العالمية الثانية سكنا خاصا للأستجمام لرئيس الوزراء، وبعد الحرب وأقامة النظام الأشتراكي أستخدم كدار أستراحة لقادة الحزب والدولة والمسؤولين الكبار من الضيوف. وفي سجل الضيوف سطر الراحل أنطباعاته وتشكر من حسن الضيافة، بجانب أسماء شهيرة، مثل فيدل كاسترو، عزيز محمد سكرتير الحزب الشيوعي العراقي وغيرهم من قادة ورؤساء. قضينا في تلك الدار عدة أيام تمتعنا فيها بجمال الطبيعة البولونية الساحرة، بعدها عدنا الى وارشو حيث طلب الراحل مشاهدة بعض المسرحيات قبل ان تنتهي فترة أستضافته ويعود للوطن.
في ظهيرة تموزية من عام 1977 سمعت طرقاً على باب شقتي العزابية المتواضعة في مركز مدينة وارشو، وعندما فتحتها تفاجأت بخالي مهدي رحمه الله وشقيقتي أمل. كانت زيارتهم مفاجأة لي ودون أي علم بها مسبقاً، كزيارات والدي وشقيقي السابقتين، ولحسن الحظ كنت متواجدا في وارشو حيث مازلت أمارس التدريب في معمل الأبنية الجاهزة. قضينا أياما جميلة ولكنها تختلف بطبيعتها عن تلك الايام التي قضيتها مع والدي، لأن أهتمامات شقيقتي وخالي لآتتعدى المشتريات والتمتع بالاسواق البولونية بالرغم من أعجاب خالي بنمط الحياة والطبيعة في بولونية.
في تلك الايام كنت أتهيأ للعودة للوطن، التزاماً بشعار أتحادنا الطلابي (التفوق العلمي والعودة للوطن) الأتحاد العام لطلبة العراق (المنحل) وكذلك أستجابة لموقف الحزب من ضرورة العودة وخدمة الوطن. الحكومة العراقية من جانبها منحت بعض الامتيازات للطلبة العائدين، منها إعفاء الطالب من الكمارك أذا ما أصطحب سيارة معه. ولما لم تكن عندي أمكانية شراء سيارة، أتفقت مع أحد القادمين خصيصا لشراء سيارة، وأشترى سيارة (بيجو 604 موديل 77) بأسمي ودفع لي مقابل ذلك مبلغ 1500$، ولم تكن هذه العملية مخالفة للقانون فالجميع كان يمارسها وبعلم السلطات العراقية. وكالعادة قررت أن أرسل جميع المبلغ لعائلتي، دون أن أحاول الأحتفاظ ببعضه للأستفادة منه قبل عودتي للوطن من أجل التسوق وشراء ما أحتاجه من كتب وملابس وغيرها من الضروريات. وبعد أن قضى خالي وشقيقتي في بولونية أكثر من أسبوعين قررا العودة للوطن وأتفقا مع مشتري السيارة بالسفر معه الى العراق عبر تركيا ورافقتهم في سفرتهم.
كانت السفرة الى أسطنبول جميلة، توقفنا فيها عدة أيام في بلغارية ويوغسلافية لأجراء بعض الفحوصات وأجراءات الصيانة الضرورية للسيارة في الشركة اليوغسلافية التي أشترى السيارة منها. توجهنا الى تركيا وأقمنا في أسطنبول عدة أيام، بعدها ودعت خالي وشقيقتي ليسافروا للعراق مع مالك السيارة. عدت أنا الى بولونية متوقفاً في صوفيا (بلغارية) عدة أيام، مقيما مع الصديق العزيز المخرج المسرحي جواد الأسدي وقد صادف زيارة أمه المناضلة الرابطية التي تشهد لها أحياء كربلاء الشعبية بنشاطها النسوي والتي عرفتها بأسم (أم جواد) مثلما عرفت أحياء كربلاء والنجف المناضلة الرابطية والشيوعية الراحلة نجمة (أم كفاح) وللأسف أن هذه الأسماء أصبحت مجهولة للكثيرين، وخاصة لأجيال اليوم. وقضينا أياما جميلة حيث صادف وجود الشاعر الرائع كريم العراقي هناك وكان يمتعنا بأشعاره الجميلة محاولا أن ينسى أيام أعتقاله وما لاقاه من مخابرات النظام.
بعد ان انهيت فترة التدريب حجزت للعودة للوطن في أيلول من عام 1977، وبينما كنت في شقتي أنظم حقائبي للسفر وإذا بالتلفون يرن. كان المتكلم زميل دراستي في الثانوية الصديق العزيز المعماري رؤوف محمد علي الأنصاري، فأخبرته بأني أجمع حاجاتي للعودة غداً للوطن. وأستغرب من قرار عودتي في ظروف بدأ فيها حزب البعث هجومه الشرس على الحزب وحذرني من هذا القرار، وكنت مصراً على العودة تنفيذا لقرار الحزب في ضرورة وأهمية العودة للوطن. فعرض علي دفع تكاليف أستبدال بطاقة سفري ببطاقة الى الأمارات العربية، حيث يقيم ويعمل هناك كمهندس معماري، وانه مستعد لأستضافتي في الأمارات الى أن أجد عملاً وأستقر في الأمارات العربية، وأكد لي بأن في ظل الأوضاع الحالية في العراق لايمكنك خدمة الوطن وأنت تحمل فكرا غير فكر حزب البعث! كنت أعرف التدهور الحاصل في الوضع السياسي في داخل الوطن، من خلال رسائل والدي وقلقه من تدهور العمل الجبهوي وأنعكاسه على الوضع السياسي، كما أن الكثير من الزملاء أستلم حينها رسائل من أهله وأصدقائه من العراق لا يشجعونهم على العودة، بسبب التدهور في الوضع السياسي وحملة الأعتقالات لرفاق الحزب وجماهيره. ومع كل هذه المحاذير كنت أضع أمامي قرار الحزب وتنفيذه ولتكن النتيجة ماتكون، فأنا واحد من أبناء الشعب وعلي تحمل ضريبة حب الوطن والأخلاص لمباديء الحزب التي تربيت عليها. ولم تنفع محاولات رؤوف معي وكل ماطلبته منه أن يسلفني مبلغ مئة دولار لفراغ جيبي من أي مبلغ وقد أحتاجه في الطريق، وسلفني الرجل مشكوراً هذا المبلغ عارضا علي المزيد ان كنت بحاجته.
رافقني للمطار لتوديعي الزملاء صالح ياسر والمغيب الحاضر الطيب الذكر شاكر الدجيلي* وطارق عباس ، كما جاء لتودعي في المطار أصدقائي من عائلة كوجايجاك، فويتك وشقيقته وأبنة خالته زوشا. ودعت رفاقي وأصدقائي متمنيا لهم التوفيق والنجاح في دراستهم، كما تمنوا لي الوصول للوطن بسلام والمساهمة في خدمة الوطن والعودة لأحضان الحزب في الداخل. وفي مطار بغداد كان في أنتظاري والدي طيب الله ثراه، وزوج شقيقتي المهندس حسين عبود وخالي مهدي رحمه الله. ولم أتأخر في بغداد فأشتياقي لشقيقاتي ووالدتي كان كبيرا لدرجة كنت أتمنى لو أن الطائرة تهبط في كربلاء بدل هبوطها في مطار بغداد.

يـتـبـع

*- شاكر الدجيلي مناضل شيوعي وأحد المستشارين الأقتصاديين لرئيس مجلس النواب وأحد الشيوعيين القلة الذين لم يتهيبوا في العودة للوطن والبقاء فيه للمساهمة في أعادة بناء الوطن والحزب بعد سقوط النظام الدكتاتوري. وعرف شاكر بتفانيه في العمل الحزبي والديمقراطي ولم تهز قناعاته الممارسات الخاطئة التي مورست بحقه قبل وصوله للسويد. وأثناء أحدى سفراته أواخر آذار عام 2005 بين السويد والعراق توقف في دمشق وتحدث مع زوجته تلفونيا من دمشق يحدثها عن أضطراره لمواصلة سفرته للوطن عن طريقة منطقة ربيعة حيث أنقطع فجأة خط التلفون وأنقطعت أخباره نهائيا، ولغاية اليوم لاتعرف عائلته ولاحزبه أية أخبار عنه.

السويد/كربلاء/العباسية الشرقية