الرئيسية » مقالات » بدايــات الغربــــة /7

بدايــات الغربــــة /7

كانت الخطوة الأولى لأصدار الجواز هي محاولة رفع الصورة الأصلية منه، وكانت هذه عملية معقدة وصعبة بسبب طريقة تثبيتها من أربعة أركان بحلقات معدنية، ولم نفلح من فك هذه الحلقات من دون أن نسبب تلفاً وتمزقاً في أماكن الحلقات، وأصبح التمزق في الجواز واضحاً مما أقلقني لكن أبو سامي كان يهدؤني ويبسط من هذه المشكلة. ثم حددنا قياسات صوري الفوتوغرافية لتكون مطابقة لقياسات الصورة المثبتة بالجواز، وحددنا قطر دائرة التصديق (الدمغة) والنقاط التي تقطع فيها أطراف الصورة وأشرناها على الصور التي أحضرتها. عملنا من السلك الذي أحضره أبو سامي دائرة بسعة الدائرة الكبرى للتصديق (الدمغة) وأخرى بسعة الدائرة ألأصغر، مستعينين بمدق الهاون، كقالب نلف عليه السلك ونتحكم بقطر الدائرة مستفيدين من مخروطية المدق. وضعنا أحدى الصور على قطعة المطاط ووضعنا عليها الحلقة التي صنعناها من السلك متحددين بنقاط تقاطع دائرة التصديق مع حافات الصورة كما حددناها من قبل، ووضعنا عليها قطعة الحديد المستوية، وطرقنا قطعة الحديد بضربة قوية بالمطرقة، وهكذا حصلنا على أول دائرة مضغوطة مشابهة لدائرة التصديق الأصلية. كررنا العملية لصنع الدائرة ألأصغر ولجميع الصور، كي نختار في نهاية عملنا أيهما أدق ولاتثير الشكوك. ثم جاءت الخطوة الثانية وكانت أصعب من الأولى وهي محاولة تقليد الكتابة المضغوطة الموجودة بين حلقتي الدمغتين وهي عبارة (الجمهورية البنانية)، وكذلك رسم شجرة الأرز الموجودة في الدمغة، وقد أستعانينا بقلم جاف بدون حبر واضعين الصورة على قطعة المطاط ورسمنا الكتابة كما كنا نراها من خلف الصورة الأصلية كما حاولنا تقليد صورة شجرة الأرز، وهكذا حصلنا على أول صورة. كررنا كل هذه العمليات مع جميع الصور الأربعة، وبعد التدقيق والمقارنة أخترنا أفضلها لتثبيتها بدل الصورة الأصلية. كانت عملية تقليد الدمغة والكتابة المضغوطة من الدقة بحيث لايمكن أن تجلب الشبهة والشك، وهذا ماخفف من قلقي بسبب تلف أماكن تثبيت الصورة الأصلية أثناء رفعها. أتفقنا على أن نقوم بتثبيت صورتي بإستعمال الصمغ وبذلك سوف نتلافى التلف الذي تسبب في رفع الصورة بحيث لاينتبه اليها مدقق الجوازات. أنجزنا عملية الجواز بسرعة مذهلة لم تأخذ من وقتنا سوى ثلاثة ساعات، بعدها ودعني أبو سامي وتمنى لي سفرة موفقة.
سافرت في نفس اليوم الى كربلاء وأنا أحمل جواز سفر لبناني مزور، أجبرتني الظروف السياسية الى اللجوء اليه كي أتمكن من العودة لأكمال دراستي. لم يكن أحداً في البيت يعرف عن عملية الجواز ماعدا والدي وقد أبدى والدي تحفظاً وتخوفاً للجوئي لهذا الأسلوب في ظل نظام سياسي لايرحم ويتصيد الهفوات والأخطاء، من القوى السياسية الأخرى حتى وأن كانت حليفة، مهما كانت بسيطة. في اليوم الثاني سافرت الى بغداد والتقيت بالرفيق الراحل مهدي عبد الكريم طيب الله ثراه، وكان متابعا لمشكلتي وحاول كثيرا لمساعدتي، وعرضت عليه الجواز وقلبه وقال لي مبتسما: رفيق أرجو أن تنجح بتجاوز الحدود والوصول به الى بولونية، أما أذا تم أكتشافه وتعرضت للتحقيق فنحن لانعرف شيئاً عنه وليس لنا علاقة بكل مافعلت! كنت أتوقع هذا الموقف، فالجبهة الوطنية في سنتها الأولى وكان الحزب يطمح بأن تكون طريقا لتعزيز الديمقراطية وتحقيق المزيد من الأنجازات، ولايريد الحزب أن يوفر لحزب البعث الحاكم أسباباً في عرقلة المسيرة من خلال أضطرار رفاقه الأستعانة بطرق غير قانونية لحل ومجابهة عرقلات أجهزة الأمن لتحركاتنا المشروعة والتي هي جزء أساسي من حقوق المواطنة.
قررت السفر بأسرع مايمكن بعد أن تأخرت عن الدراسة لشهرين، ولما كانت صاحبة الجواز قد دخلت الحدود عن طريق الحدود السورية، فضلت السفر بالقطار من بغداد الى حلب عبر المناطق التركية. قلبت أوراق الجواز جيداً للتعرف على كل تفاصيله وتحركات صاحبته وتواريخ سفرها وعبورها الحدود وغيرها من معلومات لتساعدني، أذا ما أقتضت الضرورة وتم أستوقافي أو أثيرت شكوك حول ألجواز في مراكز الحدود، وبذلك تكون أجاباتي على تساؤلات ضباط الحدود عن المعلومات في الجواز مقنعة ولاتثير الشكوك.
حجزت من بغداد في القطار الى حلب بعربة نوم من الدرجة الأولى لتجنب مخالطة وتطفل المسافرين، وأخذت معي ديوان شعر لنزار القباني لأتسلى به وأدفع عن نفسي القلق. أضطررت لمغامرة كان لابد منها لتسهيل وصولي الى بولونية وذلك بالأحتفاظ بجوازي الأصلي لوجود أقامتي في بولونية عليه، لذا قررت حمله معي وأخفائه بلصقه على ظهري.
تحرك القطار بأتجاه الموصل الساعة السابعة مساء وكانت معنوياتي جداً عالية وقد تلاشى قلقي، حيث أني تدارست مسألة سفري بجواز مزور وخطورة ذلك أذا ما أنكشفت في نقاط الحدود، وتوصلت الى قرار حاسم وهو أن أكون قوياً ومقتنعاً أمام الجميع بأنني صاحب الجواز الحقيقي، وأن لايبدو علي التردد والأرتباك والخوف أذا ماواجهت بتساؤلات توضيحية وأن تكون ردودي واثقة وواضحة، فأي تردد سيؤدي بي للتهلكة. صباح اليوم الثاني وصلنا الحدود العراقية التركية وفضلت البقاء مستلقيا في فراشي منتظراً قدوم شرطة الحدود لجمع الجوازات. بعد جمع الجوازات نهضت من الفراش وأستطلعت المكان جيدا آخذا بنظر الأعتبار أسوء مايحدث لي، فربما هذا سيساعدني على الأفلات من قبضة شرطة الحدود أذا ما أكتشفوا حقيقة جوازي. كان من حسن حظي أن أكون وحيداً في العربة وهذا ساعدني في عدم الأحتكاك بالمسافرين، فأن أي أحتكاك والتحدث مع المسافرين سيكتشفون من لهجتي بأني عراقي وليس لبناني، وقد يثير ذلك الشبهات حولي ويسبب لي متاعب، ومع كل هذا فقد هيأت جوابا مقنعاً لتبرير عدم أمكانيتي بالتحدث باللهجة البنانية! تأخرنا في نقطة الحدود، وربما كنت أكثر من جميع المسافرين أعاني من القلق الشديد بسبب تأخرنا في نقطة الحدود. وراودتني أفكار وصور مقلقة ومزعجة كثيرة، تصورت نفسي أمام المحققين في دائرة الأمن العامة، ومعلقا في غرفة التعذيب لينتزعوا مني أعترافاً بأن الجواز تم أنجازه في أحد مقرات حزبنا وأن الرفيق الفلاني هو من زوره. وقد زاد من قلقي ماسمعته من جاري في العربة المجاورة وهو يتحدث مع أحد حرس الحدود يسأله مستوضحاً سبب تأخرنا، وقد أجابه هذا الحارس بأن سبب التأخير هو الأشتباه بجواز سفر!. وأحسست بضرابات قلبي تتسارع وأن مصيري وأعتقالي لأبد أنه قد تقرر، ومددت رأسي من الشباك لأراقب رصيف محطة القطار وهل هناك من مراقبة مشددة أو أضافية، ولم أرى مايثير الأنتباه سوى الحرس الذين يراقبون القطار منذ وصوله. عندما أستمر الحارس يشرح لجاري مشكلة الجواز المشتبه به، أوضح أن حامله دخل العراق من الكويت من دون التاشير على جوازه في المركز الحدودي. عندما سمعت هذا التوضيح من الحارس شعرت بالأطمأنان وتنفست الصعداء وعادت دقات قلبي مجدداً لهدوئها والسكينة الى نفسي، فالجواز الذي أحمله لم يمر عبر الحدود الكويتية، فلست أنا المشتبه به في هذه الحالة.
بعد أكثر من ساعتين من الأنتظار جاء ضابط يحمل مجموعة من الجوازات لأعادتها لأصحابها بعد تدقيقها وتأشيرها. فتح الضابط الباب وسألني عن أسمي، ولما أجبته أستفسر عن جنسيتي: هل أنت لبناني؟ فقلت له بثقة نعم. لم يسلمني الجواز بل أستدار وقبل أن يغادر الكابينة أخبرني بأنه سيعود لي بعد دقائق!. لم يقلقني تصرفه هذا كثيرا، وفكرت في نفسي لو أن هناك أية شكوك حولي لتم أستدعائي وأستجوابي. عاد الضابط بعد دقائق وهو يحمل جواز سفري الوحيد بيده ويتصفح أوراقه، كرر سؤاله لي: هل أنت لبناني؟ أجبته نعم. وبينما هو يناولني الجواز أنتبه الى ديوان نزار القباني بين يدي، فطلبه ليتصفحه، وسألني عن رأي بشعر نزار، حاولت أجابته بأختصار لأتجنب الحوار معه فقد تثير لهجتي العراقية الشكوك حول أصلي (البناني)، لكنه وبالرغم من حذري أنتبه الى لهجتي وأستفسر مستغرباً من لهجتي العراقية! فقلت له أن والدي لبناني وأمي عراقية، وأنا أعيش مع أمي المطلقة منذ طفولتي في العراق. حاولت أن أغير الحديث فقلت له بالأمكان أن تحتفظ بالكتاب للذكرى هدية من مسافر عابر، تقبل الضابط عرضي شاكرا وودعني متمنياً لي سفرة سعيدة.
تحرك القطار عبر الاراضي التركية متجها نحو الغرب بأتجاه سورية، ولم تواجهني أي مشاكل أوعرقلات في الحدود السورية بعكس ماكنت أتوقع فالسوريين وبحكم العلاقات السورية اللبنانية المفروض على أطلاع جيد بالجوازات اللبنانية وكيفية تثبيت الصورة في الجواز ولكن من حسن حظي لم ينتبهوا لذلك، حتى وصل القطار حلب. أتصلت من حلب تلفونيا بالبيت وأخبرتهم بوصولي لسورية بأمان وأوعدتهم بأني سأتصل مرة أخرى بعد ان أتدبر سفري الى وارشو. بعد تلفوني وبدون تأخير توجهت الى كراج الحافلات المتوجهة لدمشق، وأنا غير مصدق حقيقة وصولي سورية بدون مشاكل وعقبات أو شبهات. في دمشق التقيت بالراحل جودت علوان وهو أحد أصدقاء أخي همام كان يعيش في المانيا، وقد تعاون مع الشهيد كاظم الرماح وأخي همام في القاء القبض على أحد أفراد الحرس القومي من قتلة الشهيد عبد الأله الرماح ، وهو المجرم حسن سعيد الموسوي*، في شارع أبي نؤاس أيام الحكم العارفي. وكان هذا الحرس القومي أحد المجرمين القتلة من الذين مارسوا تعذيب أخيه الشهد عبد الأله الرماح في المكتبة العامة بكربلاء حتى الموت أيام حكم البعث عام 1963، وسلماه للشرطة بأعتباره مجرما مطلوبا للعدالة. كما التقيت بعامل الميكانيك في معمل تعليب كربلاء رضا الحداد، الذي سبق أن تحدثت عن دوره الميكانيكي الرائع في أنقاذ المعمل من الأفلاس في أحدى حلقاتي من ذكريات الزمن القاسي.
كان علي أن أفكر بكيفية خروجي من سورية، مستعملاً جواز سفري العراقي الحقيقي، لكن عدم وجود تاشيرة دخول لسورية عليه يقلقني وقد يثير تساؤلات شرطة الحدود عن كيفية عبوري الحدود السورية. في تلك السنوات كان يمكن العبور الى سورية بواسطة البطاقة الشخصية، ووجدتها فرصة للأستناد على هذه الحجة. وفي دمشق أتصلت أولا بالسفارة العراقية تلفونياً، وأخبرتهم بأني دخلت سورية بالبطاقة الشخصية، وهنا علمت أن أخي في أسطنبول ( مجرد تبرير) يجري عملية، ويجب علي السفر الى أسطنبول لأكون بجانبه، فهل يمكنني أستعمال جواز السفر العراقي، الغير مؤشر عليه دخولي لسورية، لمواصلة السفر اليه ؟ أجابتني السفارة بأمكانية السفر ولا يوجد أي أشكال. ولمزيد من الأطمأنان أتصلت بدائرة الجوازات أو الأقامات لآ أتذكر بالضبط في سورية وأجابوني نفس الجواب. حينها توجهت لشراء بطاقة الطائرة وحجزت على أقرب موعد. يوم السفر أصطحبت معي رضا الحداد للمطار وطلبت منه أن يتصل بعائلتي بعد أقلاع الطائرة ليخبرهم بسفري الى وارشو من دون مشاكل.
كان عليّ التلاعب بصلاحية جواز سفري العراقي وتمديد فترة صلاحيته كي أستعمله خلال سفرتي من سورية الى بولونية مستفيداً من الأقامة البولونية المثبتة عليه. وقمت بذلك دون أي أشكال وبسهولة بأستعمال قاصر خاص. غادرت مطار دمشق بدون مشاكل وتنفست الصعداء وأنا أجلس على مقعد الطائرة. أخيراً تمكنت من الأفلات وتغلبت على العقبة الكبيرة التي حاولوا إيقاعي بها وهذا بفضل الراحل وهاب شعبان طيب الله ثراه. وسأصل بولونية لأواصل دراستي، ولو أن بعض القلق أخذ يساورني بسبب تأخري عن الدوام وقد يكون ذلك سببا في فصلي أو تراكم الأمتحانات الشهرية لدرجة قد أصبح عاجزا على أنجازها في الوقت المحدد بسبب تأخري عن الألتحاق بالدوام. لكن كنت واثقا ومتحمساً للعودة الى جامعتي وأنا أكثر تصميما على تجاوز ماسببه الأنقطاع عن دراستي من صعوبات. والطائرة تحلق في الأجواء كنت أحس بلهفة وحرارة اللقاء برفاقي وزملائي من دورتي لأحكي لهم آخر مغامراتي، وتذكرت زميلي وصديقي العزيز ميجسواف كانيفسكي (Micisław Kaniewski) ومقترحه علي، فكلما قصصت عليه في جلساتنا الطلابية ماعانيته من أعتقالات في العراق كان يعلق: (أيها الشيوعي القديم عليك كتابة ذلك في رواية أن ماترويه شيق ويستحق الكتابة). وصلت وارشو وكنت أحس بفرح وشعور غريب وكأن الحياة عادت لي مجدداً بعد أن عشت أشهر من القلق والحزن بسبب تعرقل سفري، ولم أحس حينها بلذة اللقاء بالأهل إلا أياما محدودة. أتجهت بالتاكسي من المطار الى أحد الأقسام الداخلية حيث يقطن صديقي طارق عباس وأخبرته بوصولي، ومن ثم توجهت بالتاكسي الى مدينتي بوتسك، وهي لاتبعد عن وارشو أكثر من 80 كلم.
رغم وصولي الى بوتسك بعد الظهيرة وكنت في حالة من الأعياء والتعب بسبب موعد طيران الطائرة المتأخر في منتصف الليل من دمشق ، إلآ أنني كنت متلهفاً للذهاب الى كليتي واللقاء بزملائي الطلبة وأساتذتي والأطلاع على برنامجنا الدراسي. التقيت ببعض الزملاء وحدثوني عن الدراسة والامتحانات والمواد الجديدة والأساتذة. لقد تأخرت مايزيد على الشهرين عن الدراسة، وعلمت من زملائي أن عدد الأمتحانات الشهرية التي تخلفت عنها كانت أكثر من ستة أمتحانات وهذا مايعقد علي اللحاق بزملائي والوصل الى مستواهم. نجحت الى حد ما في التفاهم مع أساتذتي في التخطيط لتجاوز تأخري الدراسي وأنجاز الأمتحانات التي تأخرت عنها. وقد ساعدني الزميل ميجسواف كانيفسكي في دراستي كثيراً، كان هذا الطالب من الطلبة المتفوقين دراسيا ويسكن بجوار شقتي وقد بذل جهودا معي تستحق الشكر من أجل أجتياز الكثير من المواد، حتى أصبحت منافساً له في مادة ميكانيك البناء، ولم يثير ذلك في نفسه الحسد بل كنا دائما ندرس سوية ونتبادل فيما بيننا حل المسائل المستعصية في مادة ميكانيك البناء.
تمكنت في تلك السنة الدراسية وبجهودٍ مضنية وبمساندة زملائي البولون وتشجيع من أساتذتي من تجاوز مشكلة تأخري. ولابد من الأشارة لموقف بعض الأساتذة المشجع لي، فكان موقف أستاذ مادة الميكانيك البروفيسور كومولسكي وكان حينها عميد الكلية، وهي مادة رئيسة وصعبة، كان تشجيعه لي خاصة بعد أن لاحظ تقدمي السريع في هذه المادة، أحد أهم الأسباب في تجاوزي الصعوبات. كذلك كان موقف البروفسور دنبروفسكي مشجعا، أستاذ الخراسانة المسلحة، بعد أن لاحظ نشاطي ودوامي الجاد والمواظب على محاضراته بعكس الكثيرين من الطلبة.
بعد أسابيع من وصولي قدمت طلبا الى السفارة العراقية للحصول على جواز سفر بدل ضائع، لأنه لايمكنني الأستمرار في أستعمال جوازي الحالي بسبب تلاعبي في تمديده! وكان حينها الراحل عبد الله سلوم السامرائي سفيراً، والقنصل الأول عبد المطلب نقيب الذي عرف بمواقفه العدائية للحزب وللعمل الجبهوي، بعكس السفير. أنتظرت أسابيع وأشهر وأنا أراجع السفارة من وقت لآخر لمتابعة معاملة الجواز، وكان القنصل يتحجج دائما بأن الرد لم يصل من الداخل. طلبت منه أعطائي رقم صادرة المعاملة لمتابعتها من داخل العراق فرفض مبرراً ذلك بسرية المراسلات!! وفي الحقيقة أن أدعاء القنصل بأرسال المعاملة للداخل مجرد كذب وممارسة للضغط والأستفزاز والأبتزاز، حتى وصل الأستفزاز أن يبحث عن بعض (السلبيات) في نظره لتوجيه النقد لي، من قبيل الحاحي ومراجعاتي المستمرة حول الجواز، أو اني أراجعهم وبيدي المسبحة، بينما كان أعضائهم من بعثيين ومناصرين يرتادون السفارة وكأنها مقهى ويدخنون ويمزحون مزاحا وقحا تتخلله كلمات نابية وشتائم مخجلة ولا يحاسبون أو ينتقدون من قبل القنصل بل أحيانا يشاركهم المزاح. بعد أشهر من المماطلة من قبل القنصل، أتصلت تلفونياً بالسفير عبد الله سلوم طيب الله ثراه وشرحت له مشكلة جوازي، فحدد لي موعدا لمقابلته.
سافرت ذلك اليوم لمقابل السفير وأنا على أمل أن أضع حدا لمماطلات القنصل. كالعادة أستقبلني الراحل فهمي بترحابه الطيب المعهود، وطلبت منه أن يخبر السفير بقدومي. فبدت على وجه الراحل فهمي علامات التعجب والاستفسار. كان فهمي أحد أحد أعضاء جمعيتنا وكان عضوا في الحزب، وبعد فتح سفارتنا عام 1969، وبسبب فشله الدراسي والضائقة المالية التي يعيشها وأرتباطه العائلي بزوجة بولونية، التجأ للعمل في السفارة كمستخدم في أستعلامات السفارة مستفيدين من لغته البولونية. ورغم عمل الراحل فهمي في السفارة بأخلاص وصدق، كان يتعرض لمضايقة البعثيين له بسبب خلفياته السياسية، وبقي على علاقات حذرة وطيبة مع رفاقنا. وتعرض الراحل للأعتقال في أواخر الثمانينات من القرن الماضي في أول زيارة له للوطن، بعد أكثر من عشرين سنة من الغربة وأكثر من 16 سنة من الخدمة في السفارة، ولم تتشفع له خدماته للسفارة العراقية والتي لازمها منذ بدايات أفتتحاحها، ولم يطلق سراحه إلا بعد تدخلات ووساطات.
أخبرت الراحل فهمي بأني على موعد مع السفير ألأستاذ عبد الله سلوم بخصوص مشكلة الجواز التي لم تحل بالرغم من مرور أشهر على تقديمي الطلب. ذهب فهمي ليخبر السفير بأنتظاري، لكنه عاد بعد دقائق وهو يطلب مني صورتين لآنجاز الجواز!! ولما سألته: هل أخبرت السفير، وهل هذا قرار السفير أم القنصل؟ أجابني: مالك بهذه الأسئلة، المهم أنك ستستلم جوازك اليوم وبدون أن تقابل السفير وحتى القنصل! وفعلا بعد أقل من ساعة من الأنتظار أستلمت جوازي الجديد، وهذا أن دل على شيء فهو يدل على خباثة ولؤم القنصل عبد المطلب وتأخير أصدار الجواز بحجة كاذبة.

يــتـبـع

*- ساهم بتعذيب الشهيد عبد الأله الرماح كل من المجرمين أفراد الحرس القومي ، حسن سعيد الموسوي وكاظم الفرطوسي و ثالث لا أتذكر أسمه أعور العين ويلقب بالنجار أو أن أبيه كان نجارا. أما المجرم حسن سعيد فقد أصبح محافظ الديوانية في السنوات الأولى من وصول البعث للحكم بعد عام 1968. 

السويد/كربلاء/العباسية الشرقية