الرئيسية » مقالات » بدايــات الغربــــة /6

بدايــات الغربــــة /6

أثرت وللأسف ظروفي الأقتصادية وعدم أستلامي العون المالي من عائلتي خلال السنوات الأربعة الأولى الى حد ما على دراستي بشكل سلبي. كثيراً ماتهربت حتى من أداء بعض الألتزامات الأجتماعية التي يقتضيها العرف كتقديم الهدايا أو الورود في الأعياد والمناسبات الشخصية بسبب الضائقة المالية التي كنت أعيشها. وقد زاد الطين بلة ما أصبت به من نكبة بأخي الراحل همام. كانت زيارته ضرورية لشد معنوياتي وتعويضي عما أحتجته من مؤازرة عائلية لتجاوز مصاعب مرض الحنين للأهل والوطن والحاجة المالية الضرورية لتوفر حد أدنى من الحياة الطلابية أسوة بزملائي. خلال سنوات دراستي الثلاثة الأولى لم أشكُ فيها للأهل من صعوبة ظروفي المالية، وأقتصدت بما تبقى لي بعد وصولي لبولونية ومقداره 40$ وصرفت أخر دولار منها في رأس السنة الميلادية 1972.
وجاءت زيارة أخي الحنون في بولونية للأطلاع عن كثب لمعاناتي ولتشد من أزري وترفع معنوياتي. وعشت معه أياما جميلة نسيت فيها غربتي وخففت من حنيني وشوقي للأهل والأصدقاء والوطن، ولكن للأسف صدمت بوفاته حال عودته للوطن، وقد أثرت هذه الحادثة سلبا على حياتي في بولونية. وتخبطت بالتنقل وتغيير مدينة أقامتي مع الأحتفاظ بنفس الأختصاص الدراسي، وهي الهندسة المدنية (البناء). وهكذا تنقلت من مدينة وودج الى وارشو ثم الى بوتسك حيث يوجد فيها فرع لجامعة وارشو البولوتكنيكية، وفي بوتسك أستقر وضعي ماليا ودراسيا وأنهيت دراستي الجامعية هناك.
مرّ العام الدراسي 73/74 عليّ ثقيلا، ووجدت في أنهماكي في الدراسة وسيلة لتجاوز حزني وذكرياتي عن أخي الراحل وتعويض خسارتي للسنة الماضية. وتمكنت من أجتياز جميع أمتحاناتي من الدور الأول، وبعضها أنجزتها في مواعيد مبكرة أستثنائية. وخططت لأستغلال العطلة الصيفية والسفر الى العراق للقاء الأهل وحضور الذكرى السنوية لتأبين أخي. وأتفق السيد كواجايجاك وأبنته بربارا بمرافقتي بهذه السفرة وأتفقنا أن تكون السفرة بالقطار عن طريق تركيا للتوقف فيها عدة أيام ثم المواصلة للسفر للعراق. وبعد أنجاز أمتحاناتي جمعت أمتعتي وتوجهت الى وودج لمرافقة عائلة كواجايجاك للسفر سوية، وقد رتبوا الحجز في القطار وأشتروا التذاكر اللازمة، وكان السفر بالقطار بمقترح من السيد كواجايجك وهذا يناسب أمكانياتي المالية.
في وودج وجدت جميع أفراد عائلة كواجايجاك في حركة وبحث دائم لشراء أواني متنوعة من الكرستال ، أو شراء كميات كثيرة من علب كريم النيفيا، حتى أنهم كانوا يضطرون للسفر لمدن مجاورة لشراء المناسب والمتوفر منها! ففي بولونية وخلال الموسم السياحي تفتقد من السوق الكثير من المنتجات البولونية مثل الكرستال والكاميرات الروسية والألمانية وحتى علب النيفيا وغيرها من المنتجات بسبب أقبال البولون على شرائها وتهريبها أثناء سفراتهم السياحية لبيعها في البلدان التي يزورونها وبأسعار منافسة لما هو متوفر، وفي الحقية هي سفرات ليست بالسياحية وأنما الهدف منها المتاجرة والربح.
سألوني كم قطعة كرستال وكم علبة نيفيا إشتريت لغرض البيع والمتاجرة بها في العراق! كنت أعرف عقلية أصدقائي التجارية، وكثيراً ماكنت أخوض معهم نقاشات حول نشاطات البولون الغير قانونية في التجارة والتهريب والسوق السوداء، وللأسف كانت هذه ميزة تتميز بها شعوب الدول الاشتراكية السابقة، فهم يبحثون على أسهل الطرق للكسب مستغلين النواقص والثغرات في القوانين أو الفساد المستشري بين موظفي الكمارك. ولما أجبتهم أنني لم أفكر بالبيع والمتاجرة وأني في بلد قدم لي مساعدة ووفر لي ظروفاً لمواصلة دراستي في الوقت الذي حرمت منها في وطني ، ولهذه الاسباب لايمكنني خيانته بهذه الطريقة الخسيسة! سخرت مني بربارة وعلقت وهي تحدث والدها: أتركه فهو شيوعي التفكير، وسوف يعرف قيمة تجارتنا في تركية!
لآ أبالغ لو قلت أن الأب وأبنته أشترى كل واحد منهم أكثر من مئة علبة نيفيا من الحجم الكبير. كان بالامكان شراء (12-16) علبة بالدولار بسعر السوق السوداء. أما قطع الكرستال فتجاوزت 20 قطعة، تم أختيار القطع بطريقة ذكية ومدروسة بحيث يسهل أخفائها وأحتضان بعضها لبعض من دون أن تحتل أماكن كبيرة في حقائبهم. وكنت أراقبهم مبهوراً وأنا أتابع قدرتهم في تنظيم وتعبئة حقائبهم للحفاظ على تجارتهم السوداء، ومنذ تلك السفرة تعلمت كيف يمكنني أن أرتب حقائبي لتتسع لأكبر قدر من الحاجيات.
وصلنا اسطنبول صباحاً وتوجهنا الى فندق مرمرا، نفس الفندق الذي سكنته عند سفري من بغداد الى براغ في أول سفر لي من الوطن. وطلبا مني مرافقتهم للمطعم وقد حملا معهما حقيبة صغيرة فيها عدد من علب النيفيا وقطع الكرستال. بعد أن تناولنا طعامنا طلبا مني عدم الدفع وتركهما ليتفاهما مع صاحب المطعم حول الدفع. كان المنظر مضحكا وهما يخرجان بضاعتهما ويضعانها على الطاولة ويساومان العامل عن المقابل الذي يطلبه من البضاعة كثمن لوجبات طعامنا! كنا قد طلبنا كبابا للجميع مع اللبن والزلاطة، وأكتفى العامل بأن أخذ منهم ستة علب من النيفيا كثمن لثلاث وجبات من الكباب وملحقاته! وذهب العامل مسرورا، وهذا يعني أنهم دفعوا أقل من نصف دولار ثمنا لطعامنا! وبعد أن غادر العامل ألتفتت لي بربارة وقالت هل رأيت نتيجة تجارتنا، ولكن من أين نأتي لك بالعقل التجاري، ستبقى هكذا مادمت ملتزما بالمباديء!
وفي الفندق صادقا صاحب الفندق وساعدهم في شراء أو حتى في توجيههم الى السوق لبيع بقية البضاعة مقابل تبديلها بحلي ذهبية. فكانا يخرجان يوميا يجولان بين المحلات في البزار (سوق كبير مشهور في أسطنبول) لبيع بضاعتهم أو تبديلها بالذهب، وقد تم لهما ذلك خلال أربعة أيام.
في أحد الأيام وبينما كنت وبربارة نتجول في أحد شوارع أسطنبول وأذا بأخي كفاح وزوجته، وكان ذلك اللقاء مفاجئة وصدفة غريبة لي لأنقطاع أخباره عني وعدم تواصله معي بالمراسلة. توقفنا لدقائق تحدثنا فيها عن قرار زيارتي للأهل وحدثني عن زياراته في أسطنبول ومناطقها السياحية وجزرها الجميلة ونصحني بأن لا أضيع فرصة التمتع بجمال اسطنبول وضواحيها، وشرحت له أن ما أملكه من نقود لا يساعدني على مثل هذه الجولات السياحية فأنا قررت السفر بوسائط النقل البري لرخصها. وهكذا أفترقت مع أخي وزوجته دون أن نتفق على اللقاء ثانية لنجلس ونتبادل الأحاديث والأخبار بهدوء، وتركت له الخيار في اللقاء كي لآ أفسد عليه سفرته السياحية ورغبته في التمتع بجمال أسطنبول. وفضلت عدم أحراجه بعد أن فهمت منه أن جميع أيامه مبرمجة لزيارة المناطق والجزر السياحية في أسطنبول.
في بولونية رفضت السفارة العراقية منح أصدقائي فيزة بحجة أن الفيزة يجب منحها من داخل العراق، فقررنا المحاولة من تركية فربما تكون أسهل. أتصلت بالسفارة العراقية في تركية وسألتهم عن الشروط للحصول على فيزة لأصدقائي البولون، وكان الجواب أن عليهم الأنتظار حتى إرسال طلبهم ومجيء الرد من داخل الوطن، وهذا يعني أن عليّ الأنتظار لفترة طويلة من دون أي ضمان. فأتفقت مع أصدقائي على السفر بمفردي للعراق وتركهم في أسطنبول.
توجهت للعراق عبر سورية وأنا كلي شوق للقاء الأهل بعد أن أبتعدت عنهم مايقارب الأربعة سنوات. في الواقع أن رحلة أبتعادي عن عائلتي قد بدء منذ إعتقالي في شباط 1962، حيث تدهورت الأوضاع السياسية فما أن أعود الى عائلتي وأستعيد حريتي حتى أضطر للأبتعاد عنهم مجدداً أما سجيناً أو معتقلا! وأخيراً تمكنت من السفر الى بولونية للدراسة الجامعية بعد أن حرمتني منها سلطات الحكم العارفي. في منطقة الحدود العراقية البو كمال وعند تفتيش الجوازات، قرر الضابط الذي دقق جوازي أحتجازي! ولما أستفسرت منه عن سبب هذا القرار، وضح لي أن هناك قرار منع بحقي بتأريخ 1971 وأنني مطلوب لسلطات الأمن! وضحت للضابط بأني قد غادرت الوطن منذ عام 1969 واني لم أزر العراق منذ ذلك التأريخ وهذا ممكن ملاحظته من التأشيرات الموجودة في الجواز، كما أنني طالب أدرس في بولونية ومعي من الكتب الصادرة من السفارة العراقية مايؤكد كلامي. كان الضابط متفهما لتوضيحاتي وأوعدني بأنه سيساعدني، وسوف يرسل هذه المعلومات التي أفدته بها الى بغداد. كان الجو حاراً والأزدحام في منطقة الحدود لايطاق كما لم يكن هناك أية أجهزة تكييف في المكاتب، وهذا الظروف السيئة لعمل الموظفين في مكاتب تفتيش الجوازات والكمارك كانت أحد أهم الأسباب في سوء تعامل الموظفين مع المسافرين، وأحيانا كثيرة كان الموظفون يبالغون في سوء تعاملهم ويحاولون أفتعال أسبابا غير واقعية في عرقلة المرور. كنت متفهماً لموقف هذا الضابط وحاولت التقرب اليه كلما وجدت فرصة سانحة، فكنت اُواسيه على صعوبة العمل في صيف تموز الحار وبدون تكييف أضافة لكثرة المسافرين! كانت لأحاديثي معه تأثير إيجابي فكان يطمأنني بأن الرد من بغداد سيكون لصالحي بالتأكيد. وبعد أكثر من ساعتين من الأنتظار سلمني الضابط جواز سفري معتذراً بأني لست المقصود بالمنع. أضطررت أن أتنقل وأستفسر من بعض السائقين أن وجد مكان لي في باصاتهم، لأن الباص الذي جئت معه أضطر للمغادرة بعد أن تم أحتجازي.
كانت فرحة الاهل بوصولي لاتوصف خاصة بعد فقدهم أخي همام طيب الله ثراه، وقد وصلت وكان الأهل يتهيأون للذكرى السنوية لوفاة أخي. بعد أسابيع من وجودي بين الاهل تنقلت خلالها في زياراتي بين كربلاء والنجف والبصرة وبغداد، كان لابد من تجديد جواز سفري مبكراً فأن ما أثير في الحدود من التباس أقلقني. تفاجئت برفض مديرية الامن العامة بالموافقة على تجديد جواز سفري! وبعد أسابيع من المراجعات لمديرية الأمن العامة وبمساعدة العديد من المعارف والأصدقاء وحتى الحزب، أبلغتني مديرية الأمن ألعامة أن سبب الرفض هو من مديرية ألشؤون القانونية في وزارة الدفاع! بعد مراجعة مديرية الشؤون القانونية لمعرفة سبب قرارهم، تبين أنه خلال دراستي في بولونية وبالرغم من وجود فايل لي في قسم الزمالات وتقديمي الوثائق الدراسية سنوياً لكل مرحلة من خلال سفارتنا في وارشو، لم يتم تأشير ذلك من قبل الملحق العسكري في دفتر خدمتي ولم يتم أعلام وزارة الدفاع بحقيقة وضعي الدراسي! وبسبب جهلي لقوانين خدمة الأحتياط التي صدرت بعد مغادرتي الوطن، أضافة لتقاعس وأهمال سفارتنا في وارشو في أشعار طلبتها بما يجب القيام به لتأشير ذلك في دفاتر خدمتهم العسكرية، بسبب ذلك أرتكبت خطأ بعدم تكليف أحدا من عائلتي لمتابعة ذلك من داخل الوطن قبل سفري لزيارتهم، حيث كنت خاضعا لخدمة الأحتياط. وكان الوضع القانوني لخريجي البكالورية من الثانوية يخضعون لخدمة الأحتياط المؤجلة ولم يتم أستدعاؤنا مطلقا خلال السنوات السابقة، وكنت أعتقد أن هذا الموقف من خريجي الثانوية مازال معمولا به، ولكن خلال وجودي في بولونية تم أستدعاء خريجي الثانويات للخدمة العسكرية لذلك أعتبرت من المتخلفين عن الخدمة!. كان بالأمكان معالجة هذه المشكلة وأنا في بولونية، ولكن عدم معرفتي للقرارات الجديدة، كما أن السفارة لم تقم بواجبها بمتابعة وضع طلبتها وموقفهم القانوني من الخدمة العسكرية. ربما عدم المتابعة هذه كانت فقط للطلبة الشيوعيين وأصدقائهم، ولم نكن نعرف تبعاتها إلا بعد زيارتنا للوطن، وكأنها مصيدة لنا كي تسد أمامنا منافذ العودة لأكمال دراستنا. حاولت كثيرا مستعيناً بوساطات متعددة لتغيير قرار الشعبة القانونية مبرزاً لهم وثائقي الدراسية التي تثبت أستمراري في الدراسة، أضافة لقرار رئاسة الجمهورية بشمولي بالمنحة المالية، فلم تجدي كلها نفعاً.
يأست من المراجعات وشعرت بأنني سأحرم نهائياً من أكمال دراستي وقد سدت بوجهي كل الابواب، لآ بل أن بعض العاملين في الدائرة القانونية نبهني الى أن بالامكان أعتقالي بأعتباري هارباً من الخدمة العسكرية! ناقشت وضعي مع والدي ومع بعض الاصدقاء وتوصلت الى خيارين، أما ترك دراستي والالتحاق بالخدمة العسكرية أو محاولة مغادرة الوطن بطريقة غير قانونية! أستقر الرأي على الخيار الثاني، وبدأت بالبحث عن الوسيلة الأكثر أماناً لذلك. التجأت للراحل عبد الوهاب شعبان (أبو سامي) طيب الله ثراه وهو صديق وقريب لزوجتي ويعمل في خدمة الحضرة الحيدرية في النجف، وكنت أعرف أن الراحل له خبرة في هذا المجال وقد أعتقل أو سجن لهذا السبب، وطلبت منه المساعدة. أوعدني الراحل خيراً وطلب إمهاله ليتدبر لي هذه المشكلة. بعد يومين أتصل بي وعرض علي السفر بجواز سفر لبناني، وقدم لي جوازاً بأسم زينب، وأوضح أمكانية تغير الأسم والصورة والمواليد وأنه سيقوم بكل ذلك من دون أشراك أحدٍ كي نحافظ على سرية العملية. وأتفقنا أن نباشر بالعملية بأسرع وقت، وحددنا بيت خالي هادي رحمه الله مكاناً لأنجاز جواز سفري الجديد. يوم (أصدار!) جوازي المنتظر أحضرت معي عدة صور فوتوغرافية لي لتكون البديل في الجواز! وصل أبو سامي وقت القيلولة وكنت أنتظره لوحدي في البيت، أخرج الجواز من جبته وأخذ يشرح لي التغييرات التي سنجريها على الجواز، تبديل الأسم من زينب الى زينل، إبقاء المواليد كما هي فهي قريبة من مواليدي، فقط أننا سنغير الصورة. سألته كيف سنتمكن من تغيير الصورة وهي مثبتة بحلقات معدنية مكبوسة بجهاز خاص غير متوفر لدينا إلا من خلال الاستعانة بصانع أحذية، فالحلقات شبيهة بحلقات الحذاء المعدة لرباطه، كما أننا قد نلاقي صعوبة في رفع الصورة الاصلية من دون أن نسبب تلفاً في أوراق الجواز! وهناك مشكلة أخرى، وهي أن التصديق (ألدمغة) على الصورة لم يكن بالحبر وأنما بالضغط وكانت بارزة وواضحة على الصورة وحتى على ورقة الجواز. لم يهتم كثيراً أبو سامي لتساؤلاتي وقلقي، وأخرج من جيبه سلكاً معدنياً ملفوفا بطول نصف متر، وقطعة مسطحة من المطاط بسمك 3 ملم، وقطعة حديدية سميكة ومستوية ، والتفت الي طالباً أن أجلب مطرقة ومدق هاون! شرح أبو سامي كيف سيعالج الجواز، فتغيير الأسم بسيط جدا وذلك بأستعمال مزيل للحبر، أما دمغة الجوازات المضغوطة فسوف يتم تقليدها على صورتي بالأستعانة بالعدة التي أحضرها، وطلب مني الصبر حتى إنجاز (المعاملة)!


يــتـبـع 

السويد/كربلاء/العباسية الشرقية