الرئيسية » مقالات » دعاء (ام حسن) !

دعاء (ام حسن) !

“ام حسن” امراة عراقية في الستين من العمر، من سكان “حي الثورة بـ” العمارة،وحي الثورة سمي بهذا الاسم تيمنا بمدينة الثورة في بغداد كونه مثل مدينة الثورة اكثر اجزاء العاصمة العراقية بؤسا ، وكذا حي الثورة في “العمارة”..

والعمارة ليست مدينة وليست منطقة حضرية – بالمعنى الانشائي للمدن الحديثة – رغم ثراء عقول ابنائها، وسخاء ارضها، وغنى تاريخها، ومجد تراثها الوطني..فهي مستنقع للبؤس حوصر فيه الناس ليستوطنوه ، ويجعلوا منه ملاذا لهم، مع رفيق عمرهم (الحرمان)..

وكم من مرة تحاورنا والاصدقاء..من مفاوضات الجبهة الوطنية والقومية التقدمية حتى حوارات المصالحة الوطنية ! ..ونحن نتساءل:

كيف يمكن تحويل شبكة الوحول النتنة التي يرقد على حافاتها العراقيون في مجمعات كبيرة تسمى مدنا مثل العمارة..الى (مدن) كمدن العالم المتمدنة ولا اقول المترفة..

وذات يوم كانت “ام حسن” تسمعنا ونحن نخوض بحقول هذا الحلم ..فقاطعتنا بلهجتها الازيرجاوية اللذيذة:

ü يمه اهجموها ودكو ولاية غيرها عد علي الغربي خالية من السيان والذبان.*

بعد ثورة الرابع عشر من تموز وفي اجواء صدور قانون الاصلاح الزراعي اصدر الشخصية الوطنية والمفكر الاقتصادي والانسان(العاقل) الدكتور مكرم الطالباني دراسة عن الاصلاح الزراعي والاقطاع في العراق..اورد في دراسته القيمة هذه:

ان اشد انواع الاقطاع تعسفا في تاريخ الانسانية كان في الصين، لكنه يأاتي بالدرجة الثانية بعد الاقطاع في العمارة من حيث حجم اغتصابه للارض الزراعية!.

بعد انتفاضة 1991 حيث كنت في مدينة العمارة كواحد من اولئك الذي شهدوا شجاعة الشعب وصدق نواياه، وخواء الشعارات وزيف نوايا السياسيين، كانت ام حسن ” تتلظى بين حجرة بيتهم الخاوية وبين البيت الذي يستضيفني، تبحث عن منجاتا لسمعتها من نسيبها الذي فرض نفسه عليهم مذعورا في البيت، وهو الملطخة ذمته وايامه بقهر الناس وتخريب مصائرهم كمسؤول بعثي في العمارة..وذلك في الساعات والايام التي كانت فيها الانتفاضة تتفاقم والآمال بالخلاص من الدكتاتورية تتسع….وكانت “ام حسن” ممزقة بين “النخوة الازيرجاوية” لاغاثة المستغيث وبين ذلك الرجل الذي سيلوثهم بسيرته المشينة..وحسمت امرها:

ü لايمه ماسلمه الهم..الدنيا هسة هيجان.. بس اطيه الهم يكطعونة وذر .. لجن من تصفة الامور اسلمه بيدي للحكومة الجديدة..وهي تاخذ حكه منه!

ولم تفشي سر اختفائه في بيتها لأحد إلاّ لجارتها..

واغتيلت الانتفاضة..

وتفرعن نسيبهم – المذعور- على الناس وعليهم ، وكان على رأس احد الزمر التي تسوق المنتفضين الى المقابر الجماعية..

وبعد شهر ..

وفي الساعة الثالثة فجرا..

استباحت قوة من “الكوماندوز” المدججين بالكراهية والسلاح، من ذوي الملامح واللهجات الغريبة عن العمارة ..استباحت الحي المحيط ببيت “ام حسن”..

وانفجر الرصاص ممزقا سكون ليل الفقراء المذعورين..

واقتحموا بيت “ام حسن” وعاثوا فيه رعبا وموتا لساعات ..

وعند انبلاج الفجر الاسود ..عم صمت رهيب ومريب ، تلصص فيه الجيران من ثقوب الجدران الى ساحة الموت ..(الى بيت ام حسن)..

كان اربعة فتيان لم يتجاوزوا العشرين من العمر .. ممزقين بالرصاص .. ومرميين في وحل الدروبونة .. هم اولاد “ام حسن” الثلاثة وضيف لهم..

بقيت الجثث الى الليل لا احد يجرؤ على حملها .. ولا احد يقوى على معرفة مصير الآخرين داخل بيت “ام حسن” ..

وحدها جارتهم “ام حيدر” استشاطت وداً لصاحبتها ورفيقة دربها في اربعينية الحسين كل عام..رفضت كل المخاوف والتحذيرات التي حالت دون عبورها السياج الفاصل بين المنزلين وهي ابنة الستين عاما المبتلية بالامراض الموهنة..

بعد دقائق خرجت “ام حيدر” تثغب من الباب عبر بركة الدم :

“ابو حسن” مصوب..وام حسن مسحونة روحها!

وبقي ابو حسن “مصوب” حولا كاملا حتى فارق الحياة..

وظلت “ام حسن” بعده تتطلع الى الطريق بانتظار من اختطفوا منها بالرصاص امام عينيها ..

كان “حسين” ابنها الاوسط بملامحه النحيلة وروحة النقية وسلامه الهامس يلتقيني في الطريق الخلفي لحي الثورة ، ويسألني عن حلمه بالانظمام الى القوة البحرية في البصرة ليكون قريبا من ابنة خالته التي يهواها..

سألته ذات يوم وقد مر بي شارد الذهن دونما سلام:

مالذي يشغلك ياحسين ..؟

اجاب بعفوية رائقة:

ü اريد اصير بالبحرية ..والناس تزور الحسين بدون خوف.. واتزوج فلانة……..!

وصمت حياءا دون ان يذكر اسمها..

كان حسين واحدا من اولئك الفتيان الذين لن انسى بسالتهم ونزاهة سلوكهم واحترامهم لمن حولهم..الذين مزقت الدكتاتورية ارواحهم واجسادهم امام انظار ابويهم.

وجاء الاحتلال ..

وازيحت الدكتاتورية عن قمة السلطة دون ان تزاح من جسد الدولة والمجتمع..

واستمر بيت “ام حسن” بالتداعي، وعافيتها بالوهن، واحبائها بالانقراض ومنهم صديقتها ام حيدر..

وقبل ايام هاتفني احد الاصدقاء من العمارة ومن بين من سألت عنهم كانت ام حسن ..

اجابني بألم:

لقد فارقت الحياة محزونة ..لم يسأل عنها احدا .. حتى اصدقاء اولادها الشهداء..ممن اعتلى عرش المغانم..

بعسر حصلت على هاتف لأحد من بقايا اسرتها ..

كانت ابنتها الصغرى..

اجابتني عند سؤالي عن ايام ام حسن الاخيرة..

قالت باكية:

تمضي الوقت بالصلاة والدعاء للخلاص ممن جلبوا المآسي – للوادم *** – ..مثلما كانت تفعل ايام صدام!.

————————————
*(ترجمة النص لغير الناطقين بلهجة اهل الجنوب:ياابنائي اقلعوها من الجذور وابتنوا لكم مدينة جديدة بجوار منطقة على العربي شمال العمارة لانها منطقة خالية من الوحول والذباب!)

**(انقطعت عني اخباره منذ زمن ليس بالبعيد.. اتمنى ان يكون بخير وان يكون في موقع المسؤولية في هذا الزمن الشائك الذي يحتاج فيه الوطن لابنائه العقلاء).

***(الوادم) تعني الناس بلهجة اهل جنوب العراق.