الرئيسية » مقالات » حين تحلو الخيانة

حين تحلو الخيانة

يقول أدونيس : ” أفضّـل خيانة الكلمة للكلمة على وفاء الحجر للحجر ”
لعل أبهى الخيانات تلك التي تمارسها اللغة، تفتح صدرها كدريئة مشرعة، أول السهام، الترجمة لتكر ّالسبحة . . خيانة حنجرة الشاعر . . إلى آخر التهم خيانة الشيء المسمّى . .
أهي فتنة . . ؟
نوسان اللغة بين نقيضين ،ضفتين . . ضفة ،عجز ٌ عن أن تقول الشيء ذاته ،فحقيقة الكرسي مثلا ً تختلف عن الكاف والراء والسين والياء ،من جهة أنها أحرف ،وذاك شيء ـ جسم
يعبّر النفّري : ” وقال لي الحرف حجاب ”
وضفة فتح ٌ ،يطال العلائق التي تربط أوصال البنى الأساسية للغة ،لتبزغ عن كائن جديد ٍ ،أو بالأفصح عن ابن ٍ يعلن ثورته على شريعة الآباء
يقول أدونيس : ” الفراشة خيط الضوء / لهذا كانت النار أجمل ثيابها ”
في آخر الرواق باب ،إذ تعبره تحتلـّك حديقة من أسئلة خضراء . .
ماذا عن مرونة اللغة وتصلـّب متحدثيها الذين لا يرون فيها إلا أسيجة تتقاطع بحيث تشكـّل القواعد التي يتعكزون عليها في كتاباتهم وأحاديثهم ،وليضربوا بتلك القواعد ـ العصي ـ أدمغتهم ،كل من يحاول فتح ثغرة ما ،كثعلب يحاول اقتناص أجمل الدجاجات . .
لعل اللغة ذاتها حين تسلم جسدها كصلصال غض ّ ،لكل يد ٍ تشكل فيه جمالية ما ،وتخرج به عن كل القوالب ،والتشكيلات ،والتقنيات القديمة ـ في النصوص المغوية لبعض الشعر الحديث مثلا ً ـ تدافع عن مرونتها أمام من يريد تحنيط أجنحتها بدعوى الحفاظ عليها من البلى . .
قرب الحديقة هناك كانت شجرة ،وكان تحتها معلـّم يحدّث عن نظريات اللغة ،وكان تلاميذ ينصتون . .
اللغة وعاء ٌ . . . اللغة توقيف . . . اللغة توفيق . .
اللغة . . . اللغة . .
فيما كانت اللغة تتقمص جسم حمامة تنظر إليهم من على الغصن . . وفي عينيها ابتسامة غامضة .