الرئيسية » مقالات » أين حقي والدعوة للثورة

أين حقي والدعوة للثورة

الإنسان لا يخلق ثوريا،ولكنه يستمد ثوريته عن محيطه،وما يتأثر به في حياته من أفكار داعية للثورة،أو التمرد على الواقع المعاش،والبيئة النجفية التي نشأ فيها بحر العلوم،حافلة بالكثير من الصور الثورية الرائعة،رغم وجود الفكر المستكين،والخنوع الذي عليه بعض الطبقات النجفية،فالنجف أنجبت أفذاذ عرفوا بثوريتهم وروحهم الهجومية التي لا تعرف الاستكانة والخنوع،وكانوا في الطليعة من المناضلين يتقدمون الصفوف الأمامية في الانتفاضات والثورات التي أشتعل أوارها في النجف أو غيره من المدن،وضمت أخلاط شتى من المتخاذلين الذين يتسببون الأسباب،ويخلقون المبررات لجبنهم ونكوصهم عن عظيمات الأمور،فالبيئة النجفية استمدت أخلاقها وسماتها من الصحراء من الصحراء النجدية لمتاخمتها لها،وأخذت الكثير من الأعراف والتقاليد البدوية،لذلك تميز مجتمعها بالعلاقات الحميمة،والنخوة والشجاعة والشهامة،ونصرة أخاك ظالما أو مظلوما،لذلك ترى النجفيين متقوقعين على أنفسهم،ولديهم تكتلاتهم الخاصة في خارج مدينتهم،رغم تأثير الجاليات الأجنبية التي أخذت من النجف مستقرا لها لطلب العلم أو التجارة،ووجود التأثير الديني المتسم بالمهادنة في الكثير من الأحيان،باعتماده التقية سلوكا في الحياة،رغم ظهور طبقة من رجال الدين نحت منحى ثوريا،وشاركت في الثورات والانتفاضات ومقارعة السلطات الحاكمة،فقد كان لبعض رجال الدين مواقفهم المشرفة في ثورة العشرين وثورة النجف،ولآخرين أدوار في مساندة الحركات الثورية،ونشاطات الأحزاب السياسية،والأنظمام إلى الجمعيات الداعية للسلم والتحرر،وكان للكثير منهم أثره في الكثير من فعاليات الجماهير المناوئة للسلطات الحاكمة،فكان شيخ الخطباء محمد الشبيبي،وفخر العلماء حسين ألحمامي،وقدوة المجتهدين المرحوم محمد سعيد الحكيم،والشيخ محمد رضا الشبيبي صاحب القصائد الرائعة الذائعة في الدعوة للثورة،وكان شاعر العرب يتصدر الصفوف في النضال الوطني بقصائده الخوالد الشوارد التي كانت تذكي جذوة النضال ،وتعبئ الجماهير للثورة على واقعها الفاسد.
في هذا الجو الحافل بالمتناقضات،نشأ الشاعر بحر العلوم،وعاش عبق الثورات التي أسهمت فيها مدينته،وبعض أعلام أسرته،وكان المحيط الثقافي ألنجفي يستمد كل ما هو جديد في عالم الفكر والثقافة،رغم الطابع الديني للمدينة،فقد انتشرت فيها الأفكار الثورية،ونشأت الحلقات الماركسية،وتناول شعرائها الفكر الجديد من خلال قصائدهم التي تنتشر في محافل النجف الأدبية،ومهرجاناته الثقافية،وكان الشعراء الشباب يستمدون من بعض أعلام الشعر مسيرتهم القادمة،فكان الشيخ الشبيبي يلهب الأسماع بقصائده الوطنية الداعية لوحدة الشعب وتضامنه للوقوف بوجه الاحتلال،وكان ألجواهري الكبير يناطح شيوخ الأدب بقصائده الثورية اللاهبة، فكان الشباب ينظرون لهؤلاء الشيوخ ويحاولون السير بركابهم،فظهرت حركة ثورية،دعت إلى التجديد الأدبي في الفكر والأساليب،وكان لبعض الخطباء أثرهم في نشر الفكر الثوري الرافض،حتى وصلت الأمور لتكفيرهم من قبل اللاهثين وراء السلطة الذين يحاولون أبقاء الأمور على ما هي عليه،وعدم تغييرها لأن هذا التغيير قد يودي بهم ويجعلهم في آخر الركب بعد أن كانوا في مقدمته،فكان خطباء الأمس داعين للثورة على القديم،وأحياء الجديد وبعثه ومساندته،،واختلفوا كثيرا عما نراه هذه الأيام لخطباء أحالوا ثورة الحسين التحررية،إلى وسيلة للارتزاق والتكسب، وأفرغوها من محتواها الثوري إلى شعائر للطم والبكاء والنحيب،دون أن يستخلصوا منها ما يعينهم في نشر الفكر الثوري الرافض للظلم والتسلط والاستبداد،وكان للتجمعات الأدبية والثقافية تأثيرها على فكر الشاعر وانحيازه إلى جانب الكادحين،وتأثره بالنخب الثورية التي ظهرت في النجف،ونشرت الفكر الثوري الرافض لما بلي ورث،فأنجبت النجف شموس النضال عبر عقود،فكان الشهيد الأول حسين محمد الشبيبي”صارم”،والشهيد الصامد حسين أحمد الرضي”سلام عادل”،وغيرهم من أعلام النجف،فكان بحر العلوم يتفيأ أغصان هذه الدوحة الوارفة، وحذا حذوهم،وسار في طريقهم بما يجيش في أعماقه من روح ثورية رافضة لكل ما هو بال،فكانت قصائده الثورية تتوالى،ولها صداها الثوري بين الجماهير،فتحمله الأكتاف ليهدر وسط الجموع بكلماته الداعية للثورة،والمعاصرين له يتذكرون كيف كان في مقدمة الجموع في جميع الانتفاضات والتظاهرات التي خاضتها الجماهير،فكان يقرن القول بالعمل،وأمضى جل حياته مقارعا للأنظمة المستبدة،يخرج من سجن ليعود إلى آخر،وكانت قصائده تشخص الوضع بعقل ثوري ناضج،مما دفع الباحث والمؤرخ الكبير الشيخ على ألخاقاني،إلى تأليف كتاب عنه عنوانه(شاعر الشعب) وأكرم به من شاعر أعطى الشعب الكثير،ونافح عنه في أحلك الظروف.
ورحلتنا في أين حقي تدفعنا لبيان الفكر الثوري في هذه الملحمة الخالدة،والدعوة إلى تغيير الواقع،وعدم الاستخذاء والاستكانة التي يروج لها وعاظ السلاطين،فقد كانت هذه الملحمة نشيدا وطنيا رافضا لكل أشكال العنت والاضطهاد،ودعوة للثورة والنضال لقلب الأوضاع،وهو ما شكل هاجسا للحكومات المتعاقبة في منع تداولها،وأذاعتها بين الناس،ولا زالت هذه القصيدة حتى اليوم صورة معبرة عن الواقع العراقي،وللقارئ استعراض ما يجري في العراق الجديد،وما نبه إليه الشاعر قبل نصف عقد:
ليس في وسعي أن أسكت عن هذي المآسي وأرى الأعراف والأعراف من دون أساس
بين مغلوط صحيح وصحيح بالتباس وكلا العرفين لا يفهم منه ..أين حقي
فالأعراف التي روج لها أئمة السوء من أتباع السلطة،وأذناب الحكم البائد،جعلت الناس أسرى الأفكار المريضة الداعية إلى الخنوع والانقياد لحكم الظالمين،لعدم أمكانية تغيير الواقع بالإمكانيات المتاحة،وعليهم الترقب والانتظار لمعجزة من السماء،تطيح بهؤلاء الحكام،فكان القطيع المخدر بالفكر الاستسلامي،يسير خلف جلاده مغمض العينين:
خطأ شاع فكان العرف في هذا الشياع وصواب حكم العرف عليه بالضياع
وسواد الشعب مأخوذ بخبث وخداع لقطيع يلحق الذئب وينعى ..أين حقي
وجريرة هذا الاستخذاء وهذه الاستكانة تتحملها الطبقة الموجهة للمجتمع،التي أخذت على عاتقها تبرير الظلم،ومساعدة الولاة في سرقة أموال الشعب،بإطاعة أولي الأمر،الذين هيمنوا بطريق لا شرعي على مقدراته،فأحتجنوا الأموال لأنفسهم،وتركوا الآلاف يعيشون الفقر المدقع،والبؤس والمرض والجهل،فكان حارس أموال الأمة ،وخازن بيت المال،سارقا لهذه الأموال التي أؤتمن عليها:
ليس هذا الذنب ذنب الشعب بل ذنب الدعاة وجهوا الأمة توجيه فناء لا حياة
وتواصوا قبل أن تفنى بنهب التركات وإذا الحراس للبيت لصوص..أين حقي
ويصب جام غضبه على الحكام الظلمة،فهؤلاء الأفاقين المستبدين،لا يسخرون جهدهم لخدمة الطبقات الشعبية التي بوأتهم هذا المنصب،فهم يحتجنون كل شيء لأنفسهم،ويقابلون خدمة الشعب بالجحود والنكران،ولكن هذه النعم التي استحوذوا عليها،ستكون نار مهلكة في أحشائهم” واليا كل تمنه يزوعه” فما أسرع ما أنقض عليهم شواهين الرابع عشر من تموز،ليستولوا على ما استلبوا من أموال الشعب،وتوزيعه على الطبقات الشعبية الكادحة،فنعم الشعب بخيراته،وكان ما كان من الأصطفافات المريبة،لأنماط شتى ممن تضرروا من العهد الجديد،أن شكلوا حلفهم لوأد الثورة والقضاء على مكاسبها:
دولة يؤجر فيها كل أفاك عنيد أجره لا عن جهود بل لتعطيل الجهود
لم يواجه نعمة الأمة إلا بالجحود وإذا النعمة تغلي في حشاه أين حقي
وهي قسمة ضيزى،أن يجبر الشعب البائس على دفع الضرائب،دون أن يحصل على الخدمات المرجوة لدافعي الضرائب،وقوانين الضريبة تلك الأيام كانت وراء الكثير من المظالم التي أحاقت بالطبقات الفقيرة،في الوقت الذي يكون أصحاب الأموال بمنجاة من هذا القانون،والطبقة الحاكمة تأخذ من الفقراء ما يشبع نهم الأغنياء،دون أن يكون للفقير الحق بالمطالبة بحقوقه،وعليه تأدية الواجبات دون أن تكون له حقوق يكفلها القانون:
من فقير الشعب بالقوة تستوفى الضرائب وهو لم يظفر بحق وعليه ألف واجب
فعليه الغرم والغنم لسراق المناصب أيسمى مجرما أن صاح فيهم أين حقي
وهؤلاء الحكام لا يتورعون عن استغلال الطبقات الكادحة ببشاعة ليس لها نظير،فيختار الطغاة وقود النيران لحروبهم العبثية،ولعله لمس هذه المأساة في طفولته التي رافقت نهايات الاحتلال التركي،وكيف جند الأتراك آلاف الفقراء في حربهم الفاشلة،التي ذهب ضحيتها آلاف العراقيين بين قتيل وأسير ومفقود،وها هو الاحتلال البريطاني البغيض وصنائعه،يسوقون الفقراء إلى الثكنات العسكرية،في الوقت الذي يعفى الأغنياء من هذه الخدمة بدفعهم البدل النقدي،وينصرفون للهو والعبث والليالي الحمراء الصاخبة،في الوقت الذي يئن الشعب تحت سياط البغي:
من حفاة الشعب والعارين تأليف الجنود ليكونوا في اندلاع الحرب أخشاب وقود
وسراة الشعب لاهون بأقداح وغيد وجمال الغيد يستوجب منهم أين حقي
ويبصر الفقراء بواقعهم الطبقي،ويدعوهم لكسر الأغلال،والثورة على واقعهم الفاسد،فهم لا يملكون ما يخسرونه،وهذه الطغمة المهيمنة على مقدرات الشعب لا هم لها،إلا إشباع نزواتها ورغباتها،فتنهب الأموال لتكون الثروة بأيدي قلة تعيش على هواها في الوقت الذي يعيش الملايين تحت خط الفقر،ويعانون من العوز والحرمان:
عائشا عيشة رهط لم يفكر بسواه همه أن ينهب المال لإشباع هواه
أين من يفتح تحقيقا يرى عما جناه ويريه بانتقام الشعب جهرا أين حقي
ويدعو العمال أصحاب المصلحة الحقيقية في الثورة،والمحركين لعجلة التاريخ،والقوة التي عليها عبء تغيير الأوضاع،إذا امتلكت الوعي الطبقي الذي يجعلها تنتفض للمطالبة بحقوقها،وتغيير الأوضاع المزرية التي تعيشها،وترفع البراقع عن الوجوه الكالحة التي تلعب بمقدراتها:
أيها العمال هبوا وارفعوا هذي البراقع عن وجوه ما بها غير سحاب ومصانع
واصرفوها عن عيوب عميت عن كل دافع وتراني صادقا عنها بقولي أين حقي
أيها العمال أين العدل في هذي الشرائع أنتم الساعون والنفع لأرباب المصانع
وسعاة الناس أولى الناس في نيل المنافع فليطالب كل ذي حق بحق ..أين حقي
أن الدعوة إلى الثورة،والانقلاب على الواقع الفاسد،تهيمن على الكثير من أبياتها ،وكانت صفعة قوية سددت بشكل عنيف إلى الطبقة الحاكمة،التي هيمنت على المنافع وتركت الناس لمصيرهم،وهذه الثورية لا يصطنعها بحر العلوم،فهي راسخة في مشاعره،وتزيده المضايقة إصرارا على السير في هذا الدرب الشائك،لذلك لا يخشى سياط الغي أو زنازين الطغاة أو إرهاب السلطة:
لم يؤثر بيقيني ما أقاسي من شجوني فشجوني هي من أسباب تثبيت يقيني
ولتكن دنياي ما بين اعتقال وسجون وليكن آخر أنفاسي منها ..أين حقي .