الرئيسية » مقالات » الطائفية السياسية : عليّ وعلى الجميع . . !

الطائفية السياسية : عليّ وعلى الجميع . . !

ليست الطوائف الدينية في العراق ابنة اليوم، بل انها موجودة منذ اعماق بعيدة في تاريخه، واذا مافسّرها قسم بكونها كانت ثمرة لأجتهادات من اجل الأفضل في ماضي عميق، فأن استغلال هوياتها وتأثيراتها استغلالاً بشعاً ومؤلماً من مراكز القوى الحاكمة علناً او الحاكمة سراًّ، للرد على التلاحم المديد لطوائف البلاد في معارك الخبز والحرية وتحقيقه الكثير من حقوق الطبقات والفئات المسحوقة . . مؤدياً الى سقوط جحافل من شباب العراق وشيبه ونسائه واطفاله ضحايا له.
وبسبب كل الظروف المعقّدة التي عاشتها وتعيشها منطقة خليج دول النفط، التي تزداد ترابطاً بمصالح دول العالم الصناعي العملاقة .. والتي بنتشجيعها ودفعها، ظهر الدكتاتور صدام .. مستنداً على صيغة ” الحزب الحاكم الأوحد ” الشمولية، محرّماً بالحديد والنار اي نشاط سياسي آخر. الصيغة التي ادّت بوحشيتها تجاه القوى والأحزاب الأخرى من جهة، وبحروبها وظلمها الذي اساء الى مفهوم الأحزاب السياسية من جهة اخرى . . الى التخوّف منها والى عزوف اوساط ليست قليلة عنها .
لتتفجّر انواع الأحتجاجات والعصيانات على قوانين الدكتاتورية وقمعها، مستندة الى اسم العشيرة والقومية والطائفة، حذراً من وصمها بـ (نشاط سياسي) حُرّم حتى الموت، وسعيا لكسب تعاطف شعبي معها، وتعاطف افراد من منتسبي قوات القمع املاً بتخفيف الأنتقام الحكومي، من جهة . . وحفاظاً على العناصر المحرّكة الأساسية الناشطة سراً التي اجبرت على انواع المناورات لضمان بقائها وتواصلها مع اهلها وناسها، رغم معاناتها من انقطاعات او صلات متباعدة مع الأطراف السياسية لحركة معارضة الدكتاتورية فرضها ليل الطغيان الطويل الرهيب، من جهة اخرى.
وفيما لم يكن ذلك الأسلوب جديداً على اهل العراق باطيافهم وباحزابهم السياسية التحررية اوقات المحن … الاّ ان الدكتاتورية سعت سعياً محموماً وبكل الوسائل لمنع انتشار المغزى الوطني والتحرري لأشكال نشاط معارضتها، باساليب سعت الى تحطيمها، واختراقها وتشكيل وتشجيع فصائل طائفية مناوئة للناشطة منها. اضافة الى تأثير الثورة الأيرانية وبديلها وتوظيفه وتوظيف دوائر وانظمة المنطقة ذلك للدخول عليه وتشجيعه اغراءاً اوفرضاً وتهديداً لأهداف كثيرة التنوع … ابتدأت بكونها (وقاية) من مخاطر الدكتاتورية على انظمتها، مروراً بكونها لـ (موازنة ) الفتن وانتهاءاً باستخدامها للتصدي للواقع العراقي بعد انهيار الدكتاتورية وتطلعه الى غد افضل .
وصولاً الى تحرّك القوى العالمية بصراعاتها وخلافاتها، عليها … ملوحة بدعم مالي واسناد كثير السخاء، بشروط ان تكون شعارات النضال تتركز على حق الأنسان بالحياة وضد خطر فناء طوائفه واثنياته ومن منطلق التعاطف الأنساني بالمفهوم العام وليس التعاطف من اجل بدائل سياسية للدكتاتورية . . ضاغطة بذلك للسير وفق وجهة عالم وحيد القطبية .
وعلى ذلك يرى كثير من الخبراء ان انظمة المنطقة والعالم ـ اضافة الى الدكتاتورية ـ هي التي بدأت بتحويل النضال، من نضال سياسي ذي اهداف ذات محتوى اجتماعي يتمثل بالمطالبة ببديل وطني برلماني، الى نضال مذهبي عرقي لحرف خطره على الدكتاتورية. الذي استمر بالتواصل بعد سقوطها لتحقيق اهداف ومطامع بعيدة المدى تخص مصالحها هي تحت واجهة امنها القومي و(رسالتها التاريخية ) ، غير مبالية بحقوق الشعب العراقي باطيافه بارضه وبشكل بناء دولته .
التحويل الذي اذاق الشعب بطوائفه مرارات هائلة، كنتائج انتفاضته الباسلة في ربيع 1991ضد الدكتاتورية التي لعب فيها نداء بوش الأب دوراً تحريضياً في دعوته للـ (طائفة والعِرق) للأنتفاض، الأنتفاضة التي حدث تسرّب كثيف مسلّح مفاجئ فيها اعدته دوائر ايرانية، رفع شعارات طائفية متطرفة طغت على مااراده العراقيون وحققوه بشيعتهم وسنّتهم وعموم اطيافهم …
الأمر الذي ادىّ الى استنفار دوائر سعودية وبالتالي الى ردود فعل وتحرّك اميركي ادىّ ضمن ما ادىّ . . الى اطلاق يد الدكتاتورية في ملاحقة وتحطيم المنتفضين العراقيين باطيافهم رجالاً ونساءاً في وقت اغلقت فيه الحدود الأيرانية بوجوههم، ليهيم عشرات الألوف على وجوههم مواجهين مصائرهم في الصحاري العراقية والسعودية وغيرها، ولتُحطم الأنتفاضة بالحديد والنار مخلفة عشرات الاف اخرى في مقابر جماعية ( قارن مذكرات الجنرال شوارتسكوف ) .
ورغم كل المرارات النابعة من الضغوط لتبني الطائفية كوسيلة للتغيير . . اُسقط النظام بالغزو الذي جعل نظام المحاصصة الطائفية اساساً للحكم، ثم لتدخل القاعدة الوهابية مأزّمة بعملياتها الوحشية الصراع الطائفي في البلاد الى ذرى خطيرة اخذت تكرّس الطائفية اكثر بظهور انواع التنظيمات الطائفية السنيّة والشيعية.
ان الجحيم الذي يعيشه العراقيون والذي لاينتهي رغم جهود عراقية متنوعة، وبعد مرور اكثر من اربعة سنوات . . اخذ يضع الأحزاب الطائفية على محكات خطيرة ، فبعد ان نجحت كأداة من ادوات مواجهة الدكتاتورية، فانها بنهجها وخطابها وهي في السلطة، عجزت عن ايجاد حلول تنقذ البلاد وتقودها الى شاطئ الأمان، بل انها بتكوينها وباقتصارها على التحشيد لدعواها الروحية . . اخذت تتسبب باحداث ازمات نابعة من اختلافها الحاد بينها، ومن صراعها الدموي مع الآخرين على تفسير الآخرة.
اضافة الى ان عجز برامجها في (الدنيا) اخذ يقودها شاءت ام ابت الى افلاك الحياة اليومية والى الصراع السياسي الوطني والأقليمي وبالتالي الدولي، في اثبات ساطع جديد على ان واقع الصراع في البلاد على الأقل، هو صراع سياسي اساساً. . بعد ان صارت القاعدة الوهابية تلقي الدعم من دوائر ايرانية شيعية، وجيش المهدي الشيعي يتلقى الدعم من مراجع سعودية وهابية . . تحقيقاً لأهداف سياسية، وفق ما تتناقله وتتساءله وكالات انباء محايدة كثيرة التنوع .
ويرى محللون، ان تزايد الظروف الداخلية والأقليمية والدولية الضاغطة لوضع حد للفوضى الدموية في البلاد، والذي وجد تعبيره في النجاح في توجيه ضربات موجعة للقاعدة في محافظتي الرمادي وديالى، هو الذي يفسره البعض بكونه صراع سني ـ سني، كما في الشيعي ـ الشيعي المشابه وان بادوات واهداف اخرى مواجهة .
اللذين فيما يشكلان تعبيرين صارخين، على ان السعي الجاد لوضع حد للفوضى الدموية لابد وان يصطدم بالصراع الطائفي غير المجدي، الذي يتسبب باستمرار سقوط آلاف الضحايا من المدنيين، فانهما من ناحية اخرى لايدللان الاّ على ان العودة الى العمل البنّاء والتنافس السياسي، لايمكن ان تتم الاّ
على اساس حل الميليشيات الطائفية وحصر السلاح بيد الدولة، ضمن الجهود الضرورية لأنهاء الأحتلال . . فيما يتساءل كثير من المراقبين، الا يتطلّب السعي لأنهاء المرحلة الأستثنائية . . احزاباً سياسية وليست طائفية في بلاد كالعراق الذي ضمّت احزابه السياسية ناشطين من ابناء كل الطوائف …. على امتداد تاريخه المعاصر ؟!

1 / 9 / 2007 ، مهند البراك