الرئيسية » مقالات » نحو ترسيخ حكومة الوحدة الوطنية – انسحابات بعض الكتل والمهمات الوطنية للحكومة

نحو ترسيخ حكومة الوحدة الوطنية – انسحابات بعض الكتل والمهمات الوطنية للحكومة

كاتب وباحث وصحفي
في مسيرة العراق الفدرالي الجديد والتي بدأت بواكيرها مع الدمار وسقوط الدكتاتورية بشرورها وعبوديتها وظهور اشكال المؤسسات الديمقراطية من برلمان ومنظمات المجتمع المدني والتعددية السياسية والفكرية والتي تعتبر الانطلاقة الاولى في تاريخ البلد الذي يعج بغياب واضح لهذه المؤسسات بعد ظهور باهت ومصطنع في العهد الملكي وغياب مطارد في العهد الجمهوري حرصت القوى السياسية المشاركة في مسار العملية السياسية ومن خلال مباراتها ولعبها الديمقراطية وظهور حكومات أثر عمليات انتخابية افرزت قوائم ناجحة واخرى متراجعة.. حرصت على المشاركة الجمعية في العملية السياسية وشمل هذا حتى تلك القوى التي لم تشارك في العملية الانتخابية والغاية تعميق الحوار والتواصل وخلق مشتركات تكون الاساس في خلق جبهة سياسية داخلية قوامها التوافق والارادة في المضي قدما بالعملية السياسية وفقا لتوجهات العراق الجديد وحيث صندوق الاقتراع هو الفيصل المنظم لتداول السلطة.
ان من شأن المشاركة الجمعية ان تشكل آفاقا رحبة لحل المشكلات العراقية واختزال ماضي التاريخ المفوت على اجيال من العراقيين بكل اثنياتهم وطوائفهم ومذاهبهم والتطلع الى مستقبل يتخطى الابعاد الغابرة والمرة التي عاشها العراقيون بسبب السياسات الحكومية والموروث الايديولوجي والفكري المؤدلج لحفظ كراسي الحكم والمثيرة للفتن والانقسامات المجتمعية ثم برامج التعمية اللاحقة التي اقدم عليها النظام المنهار وكل ذلك من اجل تفتيت قوى المجتمع كيما تسهل حكمه من جهة وتمرير ما مطلوب وفي ذهن السلطة المتربعة على سدة الحكم.
ان تعزيز الحوار الوطني واغناءه بالافكار المديدة من شأنه تعزيز مصالح المجتمع بكل فئاته وتلك هي سر قوة البلاد اذ ان حماية هذه المصالح ستكون من مهمة الجميع بلا شك.. في السباق الماراثوني هذا بذلت القوى السياسية المؤتلفة في الحكومة وفي التجربة السياسية الوليدة جهوداً صعبة وكبيرة من اجل ضمان أوسع مشاركة بهدف خلق ارضية اكثر توافقا ومتانة لكن تلاحق الاحداث برهن ان تلك الجهود الحثيثة لم تجابه بذات الالتفافة من بعض القوى فيما صدت قوى اخرى فما هي هذه الغاية في نفس يعقوب وأين مكمن الخلل!.
ومع تقادم الايام أخذت قوى مشاركة في العملية السياسية تفصح عن رغبتها في الانسحاب من العملية السياسية ومن الحكومة.. ترى ما السر في التوافقات هذه أهي تجاذبات القوى المضادة ام توقيتات المشروطية الجديدة ان مشروع المصالحة طرح في غير أوانه لعدم توفر أرضية المعايير الوطنية واهدافها ومشتركاتها والتي تقتضي بلاشك التضحية بهذه الدرجة او تلك لصالح مجمل العملية وحساباتها الآنية والمستقبلية ثم ان انسحاب البعض واشهار الخصومة السياسية هل سيخدم العملية السياسية او سينجر الى ويلات يدفع الثمن فيها العراقيون المعذبون في ظل مستقبل قابل ومنفتح لكل الاحتمالات بما فيها خسارة الجميع لمشوارهم السياسي الذي بدأوه واعادة تجديد صيغة الاحتلال تحت تبريرات ومسوغات انسانية هذه المرة وبذريعة الحرب الاهلية ومسبباتها. من السعي لتوسيع دائرة المشاركة ومحاولة فض الاشتباك الناجم عن سوء تقدير المرحلة والوقوف على ابعاد الألم العراقي المثخن بالجروح والدماء وعلى اكثر من ثمانية عقود هي عمر جمهورية الدم العراقية ومع محاولات بسط آثام وادران السياسات والافكار السابقة والتي سعت الى هدم النسيج العراقي تظهر طروحات شاذة تعيد اشكالية الشك الى حاضرة الساحة السياسية عبر مطالب ما أنزل الله بها من سلطان كمحاولات الغاء فقرات اساسية في الدستور تلك الاساسيات التي قدم العراقيون تضحيات نفيسة وغالية وتعد مرتكز الانطلاقة الجديدة في عالم بات البلد لاينتسب الى وجاهته الحضارية والتطورية بسبب مراكمة برامج التخلف لصالح كرسي السلطة والحكم ان الدستور الذي استغرق اعداده وتحضيره اكثر من ثلاث سنوات اذا ما أخذنا بالاعتبار القانون الانتقالي الذي يعد الركيزة الاساسية لاعداد الدستور الدائم جاء بعد الوقوف باستفاضة على ما في البلد وآفاته المستقبلية بعد تحديد في اي فلك تسبح البلاد ثم أن آن الآوان لايقاف التاريخ الدموي في البلاد على خلفية افكار شوفينية وعنصرية واقصائية ومسح برامج الموت الغابرة وغسل البلاد من أدران الفاشية والقمع ثم ان الدستور أقر باستفتاء شعبي جرى لأول مرة في تاريخ البلاد وبامضاء اكثر من عشرة ملايين عراقي ترى من يسمح لنفسه بالغاء ارادة ملايين العراقيين انطلاقا من نظرته الشخصية التي بفرضها يعني العودة الى دوائر الاقصاء والتهميش وتصفية الآخر ان مثل هذه الطروحات تعني اغتيال العملية السياسية عبر فضاءات فكر المؤامرة المستولي على بعض العقول رغم انقضاء العهد والزمان وبالتالي طعن العملية السياسية من خلال اساليب المشاركة فيها وهي ما تعني عدم ايمانها بالمشروع السياسي المطروح اصلا.
اذن ما جدوى الحوار والمشاركة مع عقليات مغلقة كهذه لا ترى غير مشروعها القاضي بالحصول على السلطة بأي ثمن ومحاولة تصفية الخصوم وها هي الغيمة السوداء المنتفعة تحاول الظهور.. اذن عن اي فضاء جديد نتحدث، فالدستور العراقي الجديد انطلق في محدداته الاساسية من محاولة خلق انسان ونظام عراقيين جديدين في عالم قطع اشواطا مذهلة من الحضارة والفن والعمل وأنظمة الحكم واتساقها على خلفية تراث مخلف كبير في مجال انتهاكات حقوق الانسان والاجهاز على المكونات الاجتماعية الوطنية بسياسات الادارة الشاملة وممارسة التطهير العرقي سيئة الصيت فضلا عن محاولات التلاعب بالتاريخ والجغرافية بممارسة سياسة التغيير الديموغرافي التي حاولت قتل ومسح اسماء جميلة من الوجود واطفاء قرى ومدن هي عراقية اساسا وكل ذلك لغرض هيمنة احادية الجانب ومحاولة سلخ الكل لأجل الجزء انطلاقا من افكار ورؤى شوفينية وعنصرية دخيلة جلبت الويل والعار والدمار ثم ان هناك حقيقة مهمة هي خلق دولة ناهضة في ظل تاريخ طويل مفوت على مستوى الحداثة والتكنولوجيا والتلاحم المجتمعي لهي مهمة صعبة وشائكة يلعب فيها البناء الاساس حجر الزاوية في مدها بأسباب التقدم وتحويل كل المتناقضات باتجاه صيرورة التقدم الى الامام.
ان مناقشة موضوع كالدستور تتطلب خلع النظرات الضيقة والنزعات العنصرية جانبا وعزل الاسقاطات الجاهزة والافكار الانغلاقية التي هي دورة حياة الافكار الفاشية التي ولت الى غير رجعة.
ان محاولات تجريد البلاد من مضامين دستوره الحيوية هي خطوة نحو اعادة العملية السياسية الى الوراء وهو مطلب القوى الاستبدادية البائدة وبعض القوى الاقليمية السائدة في ركاب القمع والاستبداد ثم ان لمصلحة من تجر البلاد الى صراعات جانبية تشكل مصالح الدول الاقليمية الغاية الاساسية فيها وتحويلها الى كبش فداء مثلما حصل في حرب الثماني سنوات التي اهلكت الحرث والنسل واضاعت ثروات البلاد التي كانت ستضمن له انتقالة فريدة في التاريخ.
ترى من عوض البلاد عن كل الخسائر البشرية والمادية الفادحة التي بقيت وحيدة تنزفها حتى اليوم.
كثيرة هي القوى الاقليمية التي احبت البذر العراقي على حساب مستقبل ابنائه ومصيره وكثيرة هي ايضا القوى التي بنت عزا ومجدا من ثروات البلد المنهوبة.. وقد دلت سنوات الحصار المفروضة بفعل سياسات النظام المقبور الحمقاء والعدوانية والطائشة في تسعينيات القرن الماضي بأن هذه القوى لم تمتلك أدنى ذرة من التعاطف مع الشعب العراقي وقضاياه الوطنية فهي قد باعت هذه القضايا الى جلاده لقاء الاتاوات المستقطعة من نصيب العراقيين في ثرواتهم حتى عاشوا تحت خط الفقر بموجب الاحصاءات الدولية، اما العلاقة مع اطراف المعارضة الوطنية العراقية حينئذ فحدث ولا حرج وهو ما يشير الى سوء النظرات القريبة والبعيدة في مسألة العلائق بين الشعوب في المنطقة وعدم حساب تبعات تلك النظرات المستقبلية والآنية والتي كانت تخص محنة الشعب العراقي.
ان مسألة حسن النية تبدأ من الاقرار بالدستور باعتباره ناظما وطنيا ومجتمعيا وصمام الامان لمفاتيح العملية السياسية وابعاد التعاطي مع هذا الموضوع عبر زجه في أتون الصراعات التي تدور على السلطة ومكاسبها ومغانمها وجعله فرس الرهان لاجراء تسويات وصفقات سياسية رخيصة تحرف المسار السياسي عن اهدافه وتوجهاته وتعيد البلد الى مربع الصراعات عبر استثارات كلامية واعلامية واعادة الخطابات المبنية على أوتار العاطفة قبل العقل لجر الوعي الشعبي الى اجواء المهاترات كي تزيد الطين بلة.
وهناك البعض مما يحمل شروطا جاهزة يريد الاقرار له بها سلفا ودون روية ولا ندري من أين جاء بنظرية المطلق هذه فحتى الحقائق تبقى نسبية.. اصحاب الشروط الجاهزة يتصورون بأنهم في محفل سيرك وجاءوا لابرام الصفقة فما هذه او تلك مما يعزز القناعة بعدم جدوى مفاوضة هذا النوع اذ ان عملية المفاوضة تتطلب قدرا من بعد النظر والمرونة المبتدئة والمتميزة باللانهاية بغية ايجاد مخارج عقلانية اكثر ملاءمة للوضع والمرحلة، كان انبثاق حكومة المالكي بشكلها الحالي قد جرى باتفاق القوى المشاركة في العملية الانتخابية وفقا لاستحقاقاتها ووفقا لمبدأ الشراكة.
وقد طرحت الحكومة برنامجها والذي تجد الكثير من فقراته في مثيلاتها من البرامج للقوى السياسية المنضوية في العملية السياسية حيث يجري التأكيد على أولوية الاستقرار الأمني وتحسن اداء الخدمة ومعالجة الاوضاع المعيشية المتدهورة والتي بقيت لحد اللحظة حبراً على ورق جراء الاحتدامات السلطوية من جهة وعدم استتباب الثقة بين القوى المؤتلفة نفسها من جهة اخرى مما جعل المواطنين وحدهم يدفعون فاتورة الحساب، من استفاد من العملية هم اولئك القابعون على الكراسي سواء في الحكومة ام البرلمان حيث المميزات الوفيرة وعدم المعاناة من اي شيء سوى الاستحواذ على مزيد من الامتيازات اما المواطن المسكين فيأتي في آخر القائمة.
ان اعلان الانسحاب من قبل بعض القوى المشاركة في الحكومة والبرلمان وبالتالي هي جزء من العملية السياسية وبالحجج والذرائع المعلنة انما هي منطلقة من مسافة الرؤية المشاركة في السلطة ولاشيء غير ذلك فمسألة الدستور سبق وان اشرنا اليها واضحة العلاقة مع الدول العربية، سعى العراق حثيثا خلال الفترة المنصرمة على ايجاد افضل العلائق معها لكن العلاقة لا تخلقها الارادة من طرف واحد فماذا يعمل العراق اذ كانت الجفوة واضحة وتضارب الاهواء والمصالح واضحاً ايضا.
ان بناء أوثق الروابط مع الدول العربية لهو من صميم علاقات العراق وعلى ان تكون متكافئة وليست علاقة تابعية في العراق تمتع العربي المقيم بامتيازات لا يتمتع بها العراقي المقيم في أية دولة عربية فمن أي منطلق يتم التعامل عربيا هل من خلال الرؤية الطوباوية للنظام البائد وحيث البلاد جسر للآخرين او من خلال امجاد يا عرب امجاد النشيد العتيد او ان هناك موازنات ومصالح متقاربة والتزامات جانبية على الدول العربية ان تكون أمينة اكثر من غيرها حرصا على الشعب العراقي لكن ما لمسناه كان العكس حيث تورط البعض من القوى الاقليمية العربية بسفك الدماء العراقية عبر دعم الموجة الارهابية فضلا عن محاولات التدخل المستمرة في شؤونه الداخلية. ومن اين استوحت بعض القوى العربية نظرياتها القائمة على ان العراقي يجب ان يكون هو المضحي دائما والباذل دائما وابدا.
ان العودة الى منطلق العلاقة وفقا لقواعد البعث البالية امر يتنافى مع مجمل العملية السياسية ومع دستور البلاد ولا ندري ما هي الاسس المطلوبة في مثل هذه العلائق.
نعم ان انعدام الثقة الشائعة ليس مردها وجود تشابك اخطبوطي بين ما يعلن في السر وما يعلن في العلن وقد صرح رئيس الجمهورية مرارا من ان القوى المؤتلفة في العملية السياسية عليها ان تكون واضحة في التزاماتها ، فأما تعزيز الثقة يأتي من خلال تبني وجهات نظر مشتركة ثم الحرص عل تنفيذها من قبل الجميع وان تعميق الحوار بشتى صوره من شأنه تعزيز القناعات بأن لا مخرج من أية أزمة دون الحوار والابتعاد عن الفرق المسبق لأية جهة.
ان الابتعاد عن روح الانسحابات او التلويح بها أمر وطني في هذه المرحلة التي يمر بها العراق انطلاقا من مصالحه المتزامنة مع استمرار العملية السياسية والديمقراطية الجارية.
كما ان الانسحاب لا نعتقد ينفع احداً بما فيه المنسحبون انفسهم لأن ازمات البلد يشترك في تحمل اوزارها الجميع كما ان التطلع الى ايجاد الحلول والمخارج من شأن الجميع ايضا.. فلنلق نظرة على المسيرة ولنتابع من اجل العراق الاتحادي.