الرئيسية » مقالات » العراق: محاولة تمرير قانون النفط والغاز بالإيحاء..!!؟

العراق: محاولة تمرير قانون النفط والغاز بالإيحاء..!!؟

الإيحاء وما أدراك ما الإيحاء؛ فالإيحاء فعل يدخل في عالم الغيبيات ومنه الإيحاء للأنبياء، ويدخل في علم الطب ومنه الأيحاء التكنيكي عن طريق التأثير على العصب الشوكي العاشر في المخ، وفي الطب النفسي ومنه التنويم المغناطيسي، وفي الشعوذة ومنها السحر والتلقين والإيهام والتضليل؛ كما ويدخل في مجالات وحقول علمية وإنسانية أخرى عديدة.

ومن أكثر المجالات أهمية وخطورة وحساسية، هو المجال الإعلامي، حيث يلعب الإيحاء دوراّ كبيراّ وفعالاّ على نطاق واسع ويكون لمردوداته نتائج مثيرة قد تصل أحيانا درجة الخطر. والوسط الذي يستهدفه الإيحاء في هذا المجال هو الوسط الإجتماعي (الجماهير)، ومن أبرز الأمثلة التأريخية على هذه النوع من الإيحاء، الدور المتعاظم والمميز الذي لعبه الداعية السياسية الدكتور بول جوزيف غوبلز 1897-1945 في ألمانيا النازية..!

ويبدو اليوم أن لا سبيل أمام السادة مروجي قانون النفط والغاز، غير سبيل الإلتجاء الى الإيحاء لتمرير القانون، بعد أن أظهرت معالم الصورة الأولية، أن محاولات الحكومة المستمرة، وضغوطات الشركات النفطية الإحتكارية ومن وراءها الإدارة الأمريكية، لم تلعب تأثيرها في تغيير موقف الجماهير العراقية من رفضها لمشروع مسودة قانون النفط والغاز المثيرة للجدل..!

فالوقت في طريقه للأزوف، وعودة مجلس النواب من إجازته بات على الأبواب، ، وقد حل أيلول ولم يبق في القوس منزع، ومكابس الضغط الأمريكية تعمل بأقصى سرعتها، فلابد من تقديم الأطباق المنجزة والساخنة الى مائدة مجلس الشيوخ الأمريكي، يتصدرها أشهى الأطباق؛ طبق قانون النفط والغاز مصدقاّ عليه من قبل مجلس النواب..!؟

ولكن، ما العمل وهذه الجماهير العراقية وفي مقدمتها الطبقة العاملة تستعد لخوض معركتها المصيرية مع هذا القانون، وهي ترقب بعين الريبة والشك ما تبيته وزارة النفط من خطط لتمرير مسودة القانون أمام البرلمان، وتتحسس بحذر ما سيقدم عليه النواب وما سيتخذونه من قرار بشأن ذلك، وكيف سيتعاملون مع قوى الضغط المسلطة عليهم وهم أول من فضحها، وبعضهم من أدانها…!

إنها حيرة ما بعدها حيرة والإلتزامات هي الإلتزامات، ولابد من مخرج لأزمة وزارة النفط والحكومة، فأين الحل..؟!
الحل يكمن في الإيحاء، فهو سيد الحلول حينما تستعصي الأمور، وعلى الطرف المتنازع، اللجوء إليه لإضعاف ثقة الطرف الآخر بنفسه، وكسب الجولة في النهاية. وهذا كان الخيار الأقرب هوى للنفس الحكومي من غيره من الخيارات في أجواء “الديمقراطية”..!!؟

وهكذا شنت وسائط الإعلام الحكومية من خلال صحفها وفضائيتها ومن خلال تكثيف التصريحات على لسان مسؤولي الدولة ومن أعلى المستويات،* وبعض السياسيين والنواب والمتخصصين المروجين للقانون، وإقامة الندوات التلفزيونية الخاصة ، أكبر حملة إيحاء ركزت بالأساس على الإحتمالية الكبرى لمصادقة مجلس النواب على مسودة مشروع القانون التي ستقدمها الحكومة دون تعديل أو تبديل..!؟

الحملة الإعلامية ليس هدفها قاصراّ على الإيحاء للجماهير والعمال بالذات بما يفيد: بأن مسودة القانون في طريقها للمصادقة عليها من قبل البرلمان حسب، بل الإيحاء للنواب أعضاء مجلس النواب أنفسهم، وكأنهم قد وافقوا سلفاّ على المسودة وكأنما وقعوا صكاّ على بياض..!؟

وما الحملة نفسها إلا سلاح ذو حدين؛ فهي من جهة، عامل إحباط، وزرع للتردد واليأس في نفوس معارضي مسودة قانون النفط والغاز، المرفوض من قبل أوساط واسعة من جماهير المثقفين والمتخصصين في قطاع النفط والغاز، ومن قبل جماهير العمال وبالذات عمال النفط، ومن جهة أخرى فإنها تبطن بين طياتها ما يوحي بتهديد مبطن لمعارضيها، من النواب بشكل خاص، بما توحيه من مغبة النتائج السلبية المحتملة لرفض التصديق على المسودة، وهذا ما تراهن عليه أوساط مروجي تمرير المسودة..!!؟

وبتكرار الحديث عن إحتمالية تمرير مسودة القانون في مجلس النواب، تمارس وسائل الإعلام الحكومية نهجاّ منظماّ بالتركيز على الجانب الإيحائي ساعية الى حشو رؤوس الناس بما يدفع للتصديق بما يقال حول الإيجابيات، وليس بما يدفع للتحذير من السلبيات ولأمر في نفس يعقوب، والله أعلم..!؟

إلا أن الدلائل الأولية تشير الى عكس ذلك، فهذا الإتحاد العام لنقابات العمال العراقي، الذي لم يعترف السيد وزير النفط العراقي بوجوده؛ قد أعلن اليوم بدأ نشاطاته وحملته المعارضة لمشروع مسودة قانون النفط والغاز بالتظاهر في أكبر ساحة من ساحات بغداد وهي ساحة الحرية، غير آبه بالتكرار الإعلامي الحكومي حول التصديق المحتمل لمسودة القانون، وهذا لعمري ما لا تريد أن تفهمه الحكومة. فالإيحاء ومهما بلغت قدرة صانعيه، ليس بسيد الحلول، أمام وعي الجماهير وإدراك طلائعها المثقفة وقوة إرادتها وتصميمها وتماسك الطبقة العاملة العراقية، فهي أكثر يقضة من أن تخدر بالإيحاء، ولها في تأريخها من التجربة والنضال ما يغني الباحث للتفتيش عن برهان..!

وليس من صدف التأريخ أن تصبح صنعة تكرار القول لمخترعه جزءّ من الحقيقة، حتى لو أزهق روحه من أجلها، كما فعل “المرحوم” غوبلز..!!؟