الرئيسية » مقالات » نعالُ الله ..!!

نعالُ الله ..!!

هذا المقال مخصص للنعل ، فقد إجتمعت لديّ حصيلة أحداث مهمة ومضحكة في ذات الوقت ، تستحق أن أفردُ لها مقال ، ها أنا أحاول أن أستجمع ما عندي من معطيات ومعلومات ، ذات علاقة بالنعل و النعالين …
للنعُال مرادفات وتسميات متعددة في اللغة واللهجات العراقية والعربية ، من بينها ،اليمني ، الكلاش، القندرة، الشحاطة،القبقاب وهومصنع من الخشب ويستخدم في الحمامات، الحذاء، الكيوة ، المشبك ، الصندل، الجزمة، البوتين، البوط، التلك، النعلجة، الكندرة، البسطال ، البسطار ، الشبشب ، الخفاف ، الكالة ، الصول ، المداس ، وقد تكون هناك تسميات أخرى لم اسمع بها ..

وكما تعددت التسميات التي تطلق على النعال ِ ، تعددت إستخداماته ، ووسائل التعامل معه فبعظهم يستخدمه كباقي البشر للإنتعال ، حيثُ يسير به من مكان لآخر، أو يتنزه به في الحدائق والشوارع .
آخر إكتشف فيه قدرات دفاعية وهجومية مخفية ، قابلة للتحول إلى طاقة فعالة ومدمرة ، فأضافة إلى محتوى ترسانته العسكرية ، وصنفه كسلاح ، يمكن إستخدامه في العركات والمعارك ،الفردية والجماعية ،أثناء الخلافات العشائرية ، وقد طورته القوى الإسلامية وإستخدمته في الحملة الإنتخابية كوسيلة للممارسة الديمقراطية، في مهاجمة السيد علاوي والوفد المرافق له في مدينة كربلاء ، شاهدت ُاللقطات في حينها من خلال شريط فيديو، كانت أعداد النعل المتطايرة لا تعد ولا تحصى ، و علاوي والسيدة صفية السهيل يتراكضون بلا توقف ، بينما القذائف النعلوية تتواصل في التطاير نحوهم…
تذكرت كراس يوسف سلمان ( فهد) المعنون من مستلزمات كفاحنا الوطني ، وقلت أحدث نفسي ، قد نقرأ في الأيام اللاحقة كتاب من تأليف معمم إسلاموي بعنوان من مستلزمات كفاحنا الإسلامي النعل !!.

وفي التراث سمعنا حَكايا عن أبي القاسم الطنبوري وحذائه ، الذي إبتلى به ولم يستطع التخلص منه ، وقد جسدتها المسلسلات التلفزيونية ، وشاهدها الناس وهي تعرض في شهر رمضان ، بإعتبارها من المسلسلات خفيفة الظل ، وعموما فقد نقل إلينا حذاء الطنبوري صورا ً تجمع بين المأساة والسخرية والبخل .
إضافة إلى المتعة والتندر ، وبقي أبو القاسم الطنبوري كشخصية ،ينافس جُحا في تأثيره وموقعه في التراث والفلكلور، كما نافسَ حذاء أبو القاسم ، حمار جُحا في شعبيته بين الناس…

ومن الفلكلور والتراث قفز إلى ذهني ، الدور السياسي للنعال ، في زمن الحرب الباردة ، بين المعسكر الأشتراكي والرأسمالي ، ليدخل كعامل مؤثر وداعم للقوة العسكرية في حسم الصراعات والخلافات الدولية في أروقة الأمم المتحدة .
عندما اقدم الزعيم السوفييتي خروتشيف على إستخدام نعاله كمضرب ليدق به طاولة المجتمعين ، وهو يصرخ بوجه الوفد الأمريكي ويدعوه لسماع كلمة الوفد الفيتنامي ،حينما قال :
بهذا النعال سوف أجبركم على الإستماع لصوت الشعب الفيتنامي ، واخذ يطرق بنعاله على الطاولة بطريقة دبلوماسية ثورية للغاية ، ومن لحظتها بدأ التاريخ يُسجل في طيات سجلاته يوميات النعال الدبلوماسية ، ودبلوماسية النعال الإستراتيجية ، والنعل تحددُ مصائر الشعوب والدول ، والنعل تعلن بدء عصر دبلوماسية الحذاء، وغيرها من المجلدات النعلوية التي إمتلات بها رفوف المكتبات العالمية …

امّا نعال كرباتشوف ، وهذه قصة حقيقة شهدتها ذات يوم ، وأنا اعمل في إحدى ليالي مدينة هامبورغ الألمانية ، في مطبخ الفصول الأربعة – فير يارا زايتن – الشهير نهاية عام 2003 ، حينما جرى استقبال الطفل العراقي علي عباس الذي أصيب بفقدان أطرافه الأربعة من جراء ِ القصف الأمريكي ،أثناء الأطاحة بالدكتاتور صدام حسين ونظامه الدموي ، حيث جرى استقبال للطفل علي ، كشاهد على مخلفات الحرب وكان قد جرى نقله بمساعدة طبيب كويتي للعلاج من أجل تركيب أرجل ويدين له .
حينها تمت دعوة العشرات من قادة العالم لحضور حفل تكريمي أعد له ، في اكبر صالات الفصول الأربعة ، كان من بينم ، ليش فاليسا وكرباتشوف وميتران وقادة أكثر من ثلاثين دولة ، وعدد كبير من الشخصيات الدولية وما يهمنا في هذا الموضوع اليوم ، هو ما يتعلق بكرباتشوف وحذاء لطيف المواطن التركي الذي كان يعمل في شركة تنظيفات ، مهمتها غسل وتنظيف صالات المطعم ومطابخه بين الساعة الحادية عشرة ليلا ًوالسابعة صباحا ً.

كنّا ليلتها نعاون الشيف الألماني ، الذي كانت مهمته إعداد طعام السيد كرباتشوف وحاشيته ، كان قد جلب لحم عجل صغير أعده للشوي ، مع تهيئة سوب خاص من عدة مواد وضعها في قدر كهربائي كبير وتركه على نار هادئة وقال :
أرجو أن لا يقترب منه أحد لأنه الأكل المفضل للسيد كرباتشوف ، وطلب مني أن لا ادع أحدا ً يطفأ الكهرباء لغاية اليوم التالي ..
غادرَ الشيف في الساعة الثانية بعد منتصف الليل ، كنتُ حينها أفكر مع نفسي ، أقارن حالي بكرباتشوف ، أقول :

كلانا عمل في السياسة وكان شيوعيا ً لسنوات طويلة ، ها أنا في المطبخ أعدُ له الطعام وهو البرجوازي الأحمر، كما يلقب ، يُستقبل في أفخم المؤسسات ، إجرتي الشهرية 1000يورو ، ومبيته لليلةٍ واحدة ٍ فقط 1000 يورو .

فأين العدالة الثورية ؟ وهل حقا ً كلانا كان شيوعيا ً ، كنتُ أسترسل في تلك المقارنة البائسة ، ليس من أجل موضوع شخصي بقدر ، ما كانت محاولة لأستشراق أسباب الأنهيار، ودور كرباتشوف ومسؤوليته المباشرة فيه ، كان بالنسبة لي نموذجا ً للقيادة التي وصلت إلى أعلى المستويات في كافة الأحزاب الشيوعية ، والآخرون لم يكونوا أفضل منه قط !!!…
كنت مغرقا ً في تأملاتي حينما شاهدتُ لطيف ، ذلك العامل التركي ، يقتربُ من القدر ويستعد لقفزة ٍ ، كان قد تعود عليها إلى الأعلى ، وهو يقول :

اليوم سوف أفتح الهوائيات ونط َّ إلى فوق .

وجدتُ شيئا ً يتطايرُ ويسقط ُ في القدر ، وسط مكونات السوب ، التي كانت مازالت تفورُ وحينما نظرت إلى قدمي لطيف وقد أصبح فوق القدر ، شاهدتُ فردة ًمن نعاله ، بينما كانت قدمة اليمنى مكشوفة .
ناداني لمساعدته في إخراج فردة النعال من قدر ِ السوب ، تمكنا من إخراجها بالجفجير الطويل ، وصمتنا برهة .

قلت له :

لا تقلْ لأحد … لأن الشيف سيفصلك إن علم بالأمر ، وبقي كل شيء كما هو، في اليوم التالي …. تناول كرباتشوف طعامه المكون من لحم ِ عجل ٍ مشوي مع ماعون ِ السوب ِ العجيب ، ومن ليلتها كنا نتندرُ نحن العمال ، ونصيح … سوب كرباتشوف …. سوب ببهارات لطيف …..
سوب من نعل العامل لطيف إلتهمه البرجوازي الأحمر يا للفرحة!!! …

ومن أجواء الأتحاد السوفييتي سأنقلكم إلى جبال كردستان وبعض الحكايا والذكريات عن الأنصار ونعلهم .

في الأنصار لم يكن لنا خيار في إختيار نوع وشكل الحذاء إلا نادرا ً ، والإسلوب المتبع كان تكليف الإداري بشراء كميات كبيرة من الأحذية من نوع واحد ، شتوية خاصة للمشي على الثلج من اللاستيك الأسود تسمى سامسون مصنعة في تركيا ، وصيفية من نوع ميكب من الجلد الأصفر.
كانت الطريقة أن يقوم الإداري بتسجيل أسماء الأنصار وضبط عددهم مع أرقام أرجلهم بين نمرتي40-45 .
في إحدى المرات قام الدكتور سليم بترتيب قائمة ، من خلال تجواله على الأنصار لتسجيل نمرة أرجلهم ، أخذ يسجل 40 ، 41، 45 ، هكذا ضبط العدد10من نمرة أربعين و5من نمرة إثنان واربعين ، حينما وصل إلى أبو شريف ، أطول شاب بين الأنصار و سأله عن نمرة رجله ، أجاب أبو شريف :
إثنين و خمسين .
ردَّ عليه الدكتور سليم … رفيق مو مواليدك … ما أريد مواليدك … أريد نمرة رجلك.

وفي الأنصار كانت المشكلة التي تواجه الجميع تشابه الأحذية وإختلاطها مع البعض لذلك ابتدع الأنصار صيغ وأساليب عديدة لمعرفة أحذيتهم عن غيرها ، كانوا يؤشرونها أو يكتبون عليها حروف ، تطورت مع الأيام لكتابة أسماء من رموز النظام الدكتاتوري ، إختار النصير أبو وحيدة ، إسم طارق عزيز ليكتبه على فردة نعاله ، وذات يوم كنا نتعشى في قرية ( كيلكا ) ، من قرى متين المحاطة بالربايا ، بعدما غادرنا الدار، لحق بنا شاب ينادي :
طارق…طارق… وأسرع نحونا ، و بيده سبحة نسيها أبو وحيدة في بيتهم ، عندما سأله أبو حيدة من أين عرفت إن اسمي طارق ؟
قال له بعفوية :
من حذاؤك ، فقد قرأتُ إسمك اثناء دخولك الدار وانتزاعك للنعال من قدميك ؟ ضحكنا في وقتها ، وأظن كان البعض يتندر على أبو وحيدة ويلقبه بطارق من يومها….

ومن طارق عزيز نصعد للأهم وننتقل إلى الأكبر منه ، ننتقل الى حزب البعث لنرى ملابسات حكاية النعل من خلال ندوة سياسية تحدث فيها السيد أحمد باني خلاني، القيادي الشيوعي المعروف ، لمجاميع من الأنصار في قاطع السليمانية ، وقد سأله احد المتواجدين في الندوة عن الفرق بين جناحي حزب البعث اليساري واليميني في العراق وسوريا ؟ .

إختار السيد احمد باني خلاني في وقتها النعال للتوضيح والجواب حينما قال:

الفرق بين الحزبين والجناحين من اليمين واليسار ، هو كالفرق بين فردتي الكيوة في السليمانية ، والكيوة نوع من النعل المنسوجة من القطن بطريقة مستقيمة وقابلة للإنتعال في كلا القدمين من دون تحديد أيهما لليسار وأيهما لليمين …

وطالما نحن في إطار حزب البعث لا تنسوا، نعال صدام حسين الذي تحدث بنفسه، أكثر من مرة عنه ،إذ قال:
كنت ُ أضعه ُ تحت أبطي وأ مشي حافيا ً و أحافظ عليه كيلا يتمزق!!!!
لكنه لم يفكر ولو مرة واحدة بالحفاظ على الوطن وسكانه طيلة فترة حكمه .. لقد كان حذاء الريس أهم من كل الناس والوطن !!! .
يا للمسخرة.
لا تنسوا أيضا ً ذلك الإجتماع ، الذي دعا فيه كبار رؤساء العشائر للإجتماع ، وهيأ الوضع بشكل يكون فيه حذاؤه في مستوى عُكلْ هؤلاء الشيوخ ، والقصة غير مفربكة وكتبت عنها الصحافة في حينها .
لا تنسوا ايضا ً ذلك البرلماني ، من عهد نظامه الذي تم إيقافه مع شحنة من الأحذية الإيطالية الراقية بقيمة ( 2 ) مليون دولار ، في محاولة لوضع ضريبة عليها من قبل السلطات الأردنية ، لكن التحقيق قد أوضح إن الأحذية جميعها من نمرة واحدة وتعود للريس المسكين ، الذي كان مغرما ً بالنعل ، وقارنوا بين نعاله الأول الذي يتأبطه وقيمة الصفقة النعلوية الثانية وأحكموا…..

وعن الأنصار سنواصل إستذكار حادثة سينا بمأساتها التي دفعت البعض للأستعجال والأنطلاق من بوابة المدرسة ، حينما داهمنا الجيش ، فتحت ضغط الأطلاقات والقذائف الصاروخية قد خرج البعض حينها حفاة ، بينما استدل الكثيرون على أحذيتهم .

كان الأغرب في الموضوع أحد الأنصار ممن كان ينتعل نمرة 45 ، لكنه استطاع إنتعال نمرة أربعين وسارَ فيها لأكثر من ثلاث ساعات ونصف ، عند الصباح إكتشفنا العجب وإستغربنا من قدرته في إدخال قدمة في تلك الضروف في هذه النمرة الصغيرة …

أما النصير ابو رعد، الشاعر الشعبي كامل الركابي ، فقد كتب ذات يوم في نشرة جدارية أنصارية ، عن معنى القندرة وتحليل وتفسير أحد الشعراء من زملائه لها :

النعال كان من اختصاص السادة ، لكن أحد الأقنان علم بكيفية صنعه وأخذ ينتعل حذاء، ذات يوم شاهده السيد ، فقال :
القنُ درى ،أي أدرك ، وأدمجت الكلمتين لتصبح قندرة…

أما النصير المؤنفل ، منيف غانم ، الذي رافقني في أيام الكفاح المسلح والعمل السري فقد حكى لي قصته التي إخترتُ عنوان المقال منها ، إذ قال :
حينما كنت طفلا ًسألت أبي عن مدى كبر الله ؟ فكان يجيبني إنه كبير جدا ً .
قلت هل هو بحجم شجرة الزيتون ؟
أجابني أكبر …
هل هو بحجم الجبل؟
أكبر…
هل هو بحجم السماء
قال لي :
أكبر…
كنا ليلتها ننام على سطح الدار، ولم أجد شيئا ً كبيرا ً ، كي استدل من خلاله على حجم الله، وبقيت أجوبة أبي عن حجم الله تشغلني .
بعد أشهر إصطحبني أبي معه إلى بغداد ، لزيارة بيت عمي ، وحينما أخذني لأسواق بغداد لفت نظري حذاء كبير طوله أكثر من متر ، موضوع في واجهة محل لبيع الأحذية . تذكرتُ أجوبة أبي عن كبر الله فتراود لذهني ، إن هذا الحذاء يعود له .
قلت :
بابا .. بابا .. إنظر إنظر … وأشرت بيدي نحو ذلك الحذاء الكبير … هذه قوندرة الله … وأخذت أصَفّرُ بإندهاش إشْ وْوْ …. كم هي كبيرة !!

أمّا حذاء نعال قاسم جردو، فكان يملك خصائص طبية عجيبة ، وقادر على شفاء الحالات المستعصية ، وقاسم هذا مواطن من أهالي بحزاني من شيوخ الإيزيدية ، كان أخرسا ً بالوراثه ، فأبيه وأمه أيضا ً من الخرسان ، يسكن في دار متداخلة لا نور فيها ، في احدى غرفها بئر ماء قديم ، إشتهرت هذه العائلة ،رغم خرسها الجماعي، بمعالجة الناس ،الذين كانوا يجيؤون إليهم من سنجار وبغداد والموصل والبصرة ، كان المريض يأتي في أصعب حالاته لكنه يغادر معافى مشافى !!!…
كيف وبماذا كان يجري علاجه ؟ ومن كان يعالجه؟
كان يُسلم المريض للشيخ قاسم الذي لا يجيد لسانه إلا قول :
أفه…أفه… أفه… أبه… أبه … أبه .
فيندهش المريض، لكن قاسم يُسرع بصفع ِ المريض على وجهه عدة صفعات متتاليه بنعاله البلاستيك من نمرة 45 .. ويستلم إجرا ً عن ذلك .
لقد تحول بيت قاسم إلى عيادة طبية ، ووسيلة العلاج الوحيدة كانت النعال !!!…

حدثني الدكتور جمال ( د حجي ) ،الذي درَسَ الطب في الإتحاد السوفييتي ، إنه حاول أن يشرح هذا الموضوع للبروفيسورة ، التي كانت مشرفة عليهم في إحدى المحاضرات ، كي يستعلم منها عن تأثير النعال ، وهل يمكن أن يدرج في باب الصدمات النفسية ، لكّن البروفيسورة رفضت سماع تفاصيل طريقة العلاج منه ولم تدعه يكمل حديثه ، معتقدة إنه يسخر منها ويستهزء بها .

واذكر أيضا ً انه في عام1985 حاولنا التخطيط لأستدراج ضابط أمن الجامعة في الموصل وهيأنا مجموعة بأمرة النصير ياسين لتنفيذ العمل ، كنت اشرف على تفاصيل الخطة وقد أعددنا وكرا ً خاصا ً تحت الأرض في أطراف الموصل لهذه المهمة ، وقبل يوم التنفيذ جلبنا مجموعة مكونة من ستة أنصار على أن يشترك بالتنفيذ أربعة والبقية تنتظر معي في الوكر.
إنطلقت مجموعة التنفيذ في الخامسة فجرا ً، وصلت للجامعة وفق الخطة ، مع بدء ِ الدوام. لكن المفاجأة ، التي صدمتني إن نصيرين من الذين غادروا لتنفيذ المهمة ، قد إنتعلوا حذائين بلونين مختلفين ، فقد إختلطت الألوان ، ولم يميزوا بينها ، وسط الظلام والأستعجال ،وإنتعل احدهم حذاء بلون قهوائي في قدم ولون ازرق في قدمه الأخرى ، والثاني قد خلط بين الأسود والبني ، كنت قلقا ً من إحتمالات تعرضهم للكشف ، كانت الدقائق تمر بطيئة لحين عودتهم ، حيث قص علي ياسين في حينها إنه قد إكتشف هذا الخطأ الفضيع وإنته له وهم في كافتريا الجامعة ، فقرر على الفور إلغاء المهمة ، وقد عادوا إلينا سالمين بعد أن كادت النعل المختلفة الألوان تؤدي بهم للتهلكة في تلك الأيام الصعبة ..

اما الشهيد أبو هلال ( جميل احمد سواري ) فكان قد حكى لي عن متجر أبيه الخاص ببيع الأحذية النسائية في دهوك ، وكيف كان يبيع ويربح لحين اعتماد أبيه عليه وتفرغه لإدارة المحل بشكل كلي ، لكن الأمور سارت بإتجاه آخر.
كانت الأحذية تنقص ُوالربحُ يقلُ ، وبقي الأب حائرا ً لا يدري ما يفعل فهو يثق بأبنه ولا يشك به ، لكن أين تذهب الأرباح ؟ ولماذا تنقص الأحذية ؟ بهذا الشكل العجيب الأقرب الى اللغز!!!
لم يتوصل الأب إلى السبب ، فقرر غلق المحل والتوجه للعمل في مجال الزراعة ..
بعد سنين من ذلك ، التحق جميل بالأنصار مع بقية أفراد عائلته ، كان يقص علىّ الكثير من خصوصياته، ومنها مشكلة الأحذية النسائية التي كانت تختفي من المحل ، من دون رصيد مالي، بعد أن اتفق مع عدد من النساء على مقايضة الأحذية بالتمتع معهن ،وهكذا كُنّ يحصلنَّ على حذاء مجانا ً مع كل مضاجعة ، ومع الأيام قلّ عدد الأحذية وخفّ الرصيد المالي للأب فقررغلق متجره .
سألت جميل :
هل صارحت ابيك فيما بعد؟
ضحك.. لحد اليوم لا يعرف السبب ، ولم اقل له شيئا ً…

ومن أجواء العمل السري اذكر إننا كنا ( أنا وعامل وابو شوارب) ، في مجمع ختارة ، وإذا بمفارز الأمن والجيش تدخل المجمع ، فلجأنا الى ملجأ سري تحت الارض من دون فتحات ، وقد اغلقت الفوهة العليا ووضع فوقها تانكر الماء كغطاء ، بقينا لساعات هكذا كان الاصعب في الموضوع معاناتنا الشديدة من عدم إمكانية التبول، ولساعات ضبطنا انفسنا لكن للتحمل حدود ، تطوع ابو شوارب بتقديم حذائه السامسون الاسود كوعاء وبادرت لملأ إحدى الفردتين، بينما إشترك كل من عامل وابو شوارب في التبول في الفردة الثانية ، وبعد دقائق أحسسنا بحركة سريعة من فوق ، تمت زحزحة تانكر الماء ، وفي الحال القيت إلينا علبة من الصفيح ( تنكة) وتم إغلاق الفتحة على عجل ٍ ، سقطت الصفيحة على فردتي النعال الممتلأتين ، تتطاير البول نحونا ، قلت في لحظة سخرية من هذا الحدث غير المتوقع لقد عادت حصتي من البول إليّ ، لكنكم إشتركتم وخلطتم بولكم وهذا درس للمستقبل …

أعلمني أبو سربست ذات مرة ، إنهم في المحلية قد إجتمعوا وناقشوا فيما ناقشوا، مقترح شراء نعال جديد لي ، بعد أن تهرأ نعالي ، من كثرة التجوال بين الدشت والداخل وكردستان ، لكن السيد لبيد عباوي – أبو رنا ، وكيل وزير الخارجية الحالي ،الذي كان يقود المحلية في حينها ، لم يوافق ويقتنع بصرف مبلغ دينارين ثمن الحذاء، بحجة إن ميزانية الحزب ووضعه المالي ،لا تساعد على صرف هكذا مبلغ ، وأكد أبو سربست:
قضينا وقتا ً طويلا في المناقشة بلا جدوى ولم يقتنع !!!
قلتُ :
يا لأسفي على إجتماع قياديّ ، تهبط ُ فيه مستوى المناقشة إلى النعل ، ولا يتوصل إلى حلول لها…!!!
وفي دمشق عام 95 19وصلتني قصاصة ورق تطلب التوجه إلى كشوانية ط3 في السيدة زينب ،لإستلام مبلغ 200 دولار كان قد أرسلها احد الاصدقاء لعائلته في الشام .
ذهبتُ الى السيدة زينب لأسال عن الطابق الثالث من الكشوانية ، حيث إعتقدت إنه جناح في مبنى السيدة ، أما حرف الطاء فقد فسرته بالطابق الثالث …
حينما دخلت ضريح السيدة زينب وتجولت فيه لأول مرة ، لم اشاهد سوى طابق واحد هو عبارة عن قبة السيدة والفناء وصالات الصلاة ، وعندما عجزت عن الاستدلال ذهبت لكابينة الشرطة التي في خارج البناية للأستفسار، فأرشودني للداخل من جديد ، قلت للشرطي:
لكن لم أرى طابق ثالث في الضريح.
ضحك قال انه القسم الثالث من الكشوانية ، لم أكن أعرف معنى الكشوانية وخجلت أن استفسر منه .
في الداخل حينما سألتُ عن الكشوانية الثالثة ، قادني شخص إلى موقع وضع النعل وإكتشفت إن الكشوانية ماهي إلا موضع تجمع فيه النعل عند بوابات المراقد الدينية ….!!!

وبالمناسبة فقد تحدثت المصادر الإسلامية عن نعال الرسول وذكرت إنه في احد الأيام كان المهدي جالسا ً فدخل عليه رجل وفي يده نعل ملفوفة بمنديل .. فقال:
يا أمير المؤمنين .. هذه نعل رسول الله… قد اهديتها إليك .
فقال المهدي: هاتها يا رجل.
فدفعها الرجل اليه فقبّل المهدي باطنها .. ووضعها على عينيه.. وأمر للرجل بعشرة آلاف درهم .
فلما اخذها الرجل وإنصرف.. قال المهدي لجلسائه:
أترون أني لا اعلم هل رآها رسول الله؟ ولا اعلم هل لبسها ؟
ولو كذبنا الرجل لقال للناس: اتيت أمير المؤمنين بنعل الرسول الكريم فردها عليّ ولوجد الناس من يصدقه اكثر من يكذبه .. وللقصة المزيد من التفاصيل لمن يهتم بالموضوع في تلك المصادر…

وعن عيسى بن طهمان قال: أخرج الينا أنس بن مالك ، نعلين جرداوين لهما قبالان قال: فحدثني ثابت بعد عن انس : أنهما كانتا نعلي النبي ..

وقال: عن عبيد بن جريج… رأيت رسول الله يلبس النعال التي ليس فيها شعر ، ويتوضأ فيها.

وقال عمرو بن حريث: رايت رسول الله يصلي في نعلين مخصوفتين، أي يضع طاقا ً فوق طاق.

ولأبو هريرة نصيب كالعادة من هذه الأحاديث حيث نقل عنه :

أن رسول الله قال: لا يمشين أحدكم في نعل واحدة لينعلهما جميعا ً ، وعن جابر: أن النبي نهى أن يأكل- يعني- الرجل بشماله في نعل واحدة ، والحكمة في هذا النهي انه تشبه بالشيطان، فقد صح في بعض طرق الحديث: إن الشيطان يمشي في النعل الواحدة.

وعن ابو هريرة ايضا ً: أن النبي قال: إذا انتعل احدكم ، فليبدأ باليمين ، وإذا انتزع فليبدأ بالشمال، لتكن اليمنى أولها تُنْعَلُن وآخرها تنزع.

وعن عائشة قالت: كان رسول الله يحب التيمن ما استطاع في ترجله وتنعله وطهوره.

وثبت في الصحيحين عن أنس قال: رايت رسول الله يصلي في نعليه .

وفي سنن أبي داؤد عن شداد بن اوس عن النبي قال: خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ، ولا خفافهم .

وعن ابي هريرة مرة اخرى إذ قال: نهى رسول الله أن ينتعل الرجل وهو قائم .

وعنه أيضا ً قيل:

قال تحاجت النار والجنة فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة فمالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم فقال الله للجنة انت رحمتي ارحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار أنت عذابي أعذب بك من اشاء من عبادي ولكل واحدة منكم ملؤها فأما النار فلا تمتلىء فيضع رجله فيها فتقول قطٍ قطٍ قطٍ فهناك تمتلىء ويزوي بعضها إلى بعض…

والسؤال هنا عندما وضع الله رجله في النار هل كان ينتعل حذاءً أم لا ؟ ما مصير رجله وقدمه المْ تحترق من شدة النار ؟
والسؤال الأهم كيف يصل الله إلى حدود جهنم و الجحيم ويدخل رجله فيها ؟!!


وعلى هالرنة خفن يا رجلي…….



ويبدو ان الحديث عن النعل ذو شجون ولن ينتهي لذلك سألغي الحديث عن حذاء شارلي شابلن الذي تحول بفعل الجوع إلى وجبة شهية في احد أفلامه ،ولن أتحدث عن وضع قدم الطفلة في الصين في قالب حذائي من حديد كي لا تكبر القدم وتبقى صغيرة ً .

لكن سأتحدث عن نعال أبو تحسين ، الذي دخل التاريخ ، من أوسع أبوابه ، حينما أعلن من خلال ذلك ، النعال التاريخي ،الذي لا يقدر بثمن ، عن سقوط أبشع دكتاتورية في العصر الحديث ، ليسجل نقطة تحول في مسار الأحداث، تمثلت بنجاح اليمني العراقية ، وقدرتها على مواجهة أفضع طاغية وهزيمته .
لقد أعلن أبو تحسين عبر صفعاته المتلاحقة للدكتاتور عن فوز النعال ، وسقوط الدكتاتور الأرعن بالضربة القاضية .
ليسجل بذلك نهاية عهد مرير ، إختار في لحظتها التاريخية اليمني العراقية كوسيلة للتعبير، عن إرادة الجماهير الشعبية التواقة للخلاص من الإستبداد .

ويؤسس َ لبداية فرح ٍ، قادم ٍ آت ٍ مع اقدام الرياضيين ونعلهم ، التي صنعت الفرحة للعراقيين ، بينما إختصت رؤوس السياسيين على صنع الأحزان لهم وإنتاج ِ المشاكل المستعصية وتأزيم الأوضاع ، وادعوا القراء للمقارنه بين نعل رياضيينا ورؤوس سياسينا ، وأختتم بالأمنية يا ليت كانت رؤوسهم كنعل رياضيينا تدخلُ الفرحه لنفوسنا في هذا الزمن الكئيب .
أرجو أن أكون قد أمتعتكم على طريقة الأخوة الرياضيين من خلال هذه المقالة …. وتصبحونَ بلا نعل ٍ …..