الرئيسية » مقالات » على هامش الأحداث الدامية الأخيرة في كربلاء ..كلمة السر هي الدعوة إلى (الهدوء والسكينة) !!!

على هامش الأحداث الدامية الأخيرة في كربلاء ..كلمة السر هي الدعوة إلى (الهدوء والسكينة) !!!

من يتتبع بدقة سلسلة بيانات ودعوات مقتدى الصدر منذ أن شرع بإفتعال الصدامات سواء مع القوات المسلحة العراقية، أو مع منافسيه من التيارات الدينية الأخرى، فسيجد تكرار دعوته عشية كل هذه الصدامات الى عدم جواز قتل المسلم بيد المسلم. ويتردد هذا القول دائماً قبل إندلاع كل الإشتباكات بين جيشه “العقائدي” وبين كل من يراه عائقاً أمامه في تحقيق مشروعه الفوضوي العبثي. كما أنه من اللافت للنظر أيضاً أن هذا الجيش يشرع بالفوضى كلما بدأ بصيص من النور يشع من نفق الأزمة العراقية الدامية. لقد أصبح واضحاً للجميع إن الدعوة لعدم سفك دماء المسلمين من قبله ما هي في الحقيقة إلاّ “كلمة سر” لا تعني الا العكس، وهي بمثابة دعوة الى إفتعال الصدام بين العراقيين وإثارة الفوضى في البلاد، والتنافس في حلبة القتال الطائفي الى جانب ما يقوم به الإرهابيين في ملاحقة النساء والحلاقين في المدن العراقية، أو ملاحقة من يمارس لعبة كرة القدم وغيره. فقائمة المحرمات والموبقات عند هذا التجمع المسلح الفوضوي يمتد ويتفنن ليخرج عن نطاق العقل والمألوف والمنطق.
 


جيش المهدي ” العقائدي” “يحتفل” بعيد ميلاد المهدي في كربلاء

أزاء هذا الوضع الخطير، تقف الحكومة العراقية غير فاعلة ومشلولة أمام تنفيذ أهم برنامج إنتخابي لها وهو إتخاذ الخطوات الجدية لمعالجة ظاهرة حمل السلاح غير الشرعي وجمعه والتحقيق في تشكيل جيوش وميليشيات مسلحة يحرمها الدستور العراقي الذي وافق عليه الشعب العراقي في الإستفتاء. ورغم هذا الدستور يجري الحديث علناً عن وجود جيش آخر غير الجيش العراقي الرسمي، ولديه أنشطة متعارضة مع الجيش الرسمي ويحتاج الى هيكلة جديدة…الخ ؟؟ كما جاء على بيان مقتدى الصدر الأخير، ولا تتحرك الحكومة، إحتراماً للدستور، لتحريم هذا الجيش وتقديم أقطابه الى القضاء لخرقهم الدستور ولينالوا جزائهم على الجرائم التي إرتكبها ويرتكبها هذا الجيش. ولا تبادر الحكومة الى متابعة الجهات الإقليمية الممولة لهذه الجيوش ومسائلة أقطاب هذه الجيوش ومقاضاتهم جراء صلاتهم المشبوهة بهذه الجهات الخارجية، رغم ما لديها من أكداس من المعلومات حول ذلك. كما تخفي الحكومة على العراقيين الكثير من الحقائق والوثائق التي تدين هذه الجيوش على خروقاتها للقوانين وإرتكابها الجرائم وقيامها بمهمات قضائية وجزائية وبوليسية هي من صلب مهمات الدولة.
إن سكوت الحكومة لا يفهم من قبل هؤلاء الا كدليل على العجز والضعف مما يدفع هذه الجيوش الى التمادي في غيهّا. إن هذا السلوك الغريب للمسؤولين في بلادنا، والذين إنتخبهم الشعب كي يحافظوا على ماله وأمنه وعرضه، يشجع على تفريخ مجاميع إجرامية كالفطر وفي بلد يعيش أخطر حالات الإحتقان. فهكذا ظهر الى الساحة العراقية مجرمي “جند المهدي” وعصابات إجرامية تتستر بستار ديني ومذهبي. إن موقف الحكومة يشل فاعلية الأجهزة الأمنية التي تخلي الساحة لهؤلاء عندما ترى الحكومة لا تسكت على فعل هؤلاء، بل وتجاريهم. وتقوم أجهزة إعلامية تمول بأموال الشعب، ومنها القناة العراقية، بوضع أخبار هذه “السماحات” في صدر أخبارها وحتى قبل نشر أخبار رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء، إضافة الى الترويج لها وإحراء المقابلات مع رموزها، أو التستر على أفعالها.
في ظل هذه الأوضاع وهذه السلوكيات والمعالجات القاصرة، فلا بد لنا أن نتوقع المزيد من تكرار الجرائم الدموية، والتي كانت آخرها جريمة الهجوم على الزائرين في كربلاء ومحاولة الإستيلاء على الحرمين في المدينة وإلحاق الأضرار به. نعم لينتظر العراقيون المزيد من هذه الجرائم خاصة وإن المسؤولين يترددون في وضع النقاط على الحروف، وتسمية القائمين بهذه المجازر الدموية ومن يقف ورائها من الدوائر الإقايمية. وتتردد أجهزة الإعلام بغالبيتها، بل تتستر على الفاعلين الحقيقيين، أما خوفاً أو تزلفاً أو تشجيعاً. وتكتفي هذه الأصوات بترديد مزوفة عملاء العهد السابق، وهو نصف الحقيقة. وكما يبدو سيبقى الخطاب غير الواضح وبوس اللحى على هذا المنوال مما سيؤدي الى كوارث أخرى. إن أهالي كربلاء والعراقيين عموماً يعرفون من يقف وراء هذه الأعمال الفوضوية ويسمونها بالإسم، فعلام هذا الإستخفاف بعقل وإرادة العراقيين. إن جيش المهدي، كما هو واضح وضوح الشمس، ومسؤوليه لا يخفون ذلك، هو أحد الجهات التي تسعى الى إشاعة الفوضى وعرقلة العملية السياسية. وهذا الجيش والتيار الذي يدعمه لا يختلف في ذلك عن أقران له يحملون هويات طائفية أخرى كجيش عمر ودولة الخلافة الإسلامية العراقية وكتائب ذات تلاوين مشبوهة من البروليتاريا الرثة الغريبة على المتحضرين من العراقيين.
ومن أجل تلافي تكرار هذه المجازر والمآسي، وتفادي التخريب المستمر في العملية السياسية، ومن إجل إشاعة الأمن والسلام في ربوع بلدنا، ينبغي على الحكومة وكل المؤسسات المنتخبة إتخاذ الإجراءات التالية:
1- تشكيل لجنة قضائية عليا مستقلة تحقق في الأحداث الدموية الأخيرة في كربلاء وبقية المدن العراقية. كما ينبغي على الأجهزة القضائية أن تزيح الغبار عن إضبارات الإتهامات الموجودة في دوائرها ضد أفعال جيش المهدي والتيار الصدري وغيره من التنظيمات الفوضوية منذ إنهيار كابوس صدام ولحد الآن، والتحقيق في مسؤوليتها عن حملة الإغتيالات والنهب والسطو والمشاركة في حملات القتل على أساس الهوية الطائفية. كما ينبغي على الأجهزة القضائية القيام بدورها في الكشف عن تورط رسميين سابقين وحاليين مشاركين في العملية السياسية في دعم الأرهاب والمليشيات المسلحة والأعمال المسلحة والقتل، وملاحقة من هم على صلة بشبكات الإجرام من الإرهابيين وفلول الحكم السابق، سواء من هو عضو في مجلس النواب أو في الوزارة أيضاً وبعضهم من إستقال أو شرد من الإعتقال.
2- وعلى الحكومة إتخاذ خطوات جدية لتفعيل إجراءاتها وتحقيق وعودها الإنتخابية للمواطن العراقي والقاضية بحل التشكيلات المسلحة غير الشرعية وغير القانونية، والتي تغلغل الى جميعها ضباط مخابرات النظام السابق أو مخابرات الدول الإقليمية. فهذه التشكيلات غير واقعة تحت سلطة الحكومة، بغض النظر عن واجهاتها أو مسمياتها، دينية أو طائفية أو قومية. كما ينبغي عدم التردد في فضح صلات هذه المنظمات الخارجة على القانون وعلاقاتها مع واجهات عراقية منخرطة في الظاهر في العملية السياسية، أو مع دول إقليمية ومصادر تمويلها. ولدى الحكومة معلومات متوفرة في أروقة أجهزتها الأمنية، ويلوح بها رئيس الوزراء بين الحين والآخر دون أن يلقي الضوء بشجاعة بصراحة عليها. كما أن على الحكومة تنظيف القوات المسلحة من فلول المنظمات الطائفية أو الإنتهازيين والمتخاذلين الذين يغضون النظر عن تكديس الأسلحة قبيل أحداث كربلاء الدموية الأخيرة، أو لاذوا بالفرار منذ أول لحظات المواجهة، مما أدى ذلك الى مجازر وخراب في المدينة، وبما في ذلك تخريب الحرمين المطهرين.
3- كما ينبغي على الحكومة أن تراقب وتضع الضوابط لدور العبادة التي تحولت الى ترسانات عسكرية وهيئة أركان لقوى الظلام والعنف والقتل. إن الحكومة وكذلك مجلس النواب و الهيئات القضائية لم تتخذ أية إجراءات في إعادة هذه الدور الى المؤمنين ممن يمارسون العبادة حقاً وليس تفخيخ السيارات وجمع الأسلحة والتعليم العسكري. لقد تحولت دور العبادة الى دوائر مخابراتية وعسكرية وأمام نظر العراقيين وحكومتهم المنتخبة دون إتخاذ أية إحراءات لردعها.
4- وتتحمل المراجع الدينية مسؤولية خاصة في هذا الإطار. فعليها التنبيه والنشاط الحثيث لتحرير الدين من خاطفيه، والإفتاء بخطر تحول رجال الدين ودور العبادة الى ضباط شرطة ومراكز عسكرية. فهذه الهيئات الدينية لم تصدر فتاوى صريحة ولم تقم بدور فعال لإدانة النشاطات المسلحة والجيوش العجيبة التي تعبث بالمواطنين وأمنهم وتنغص حياتهم، بما فيها ما يسمى بجيش المهدي غير الشرعي وجيوش “الصحابة”، ناهيك عن جيوش الإرهاب وفلول صدام. كما ينبغي على الهيئات الدينية التوقف بمسؤولية أمام ظاهرة المبالغات غير المعهودة في ممارسة الشعائر المذهبية التي تحولت الى أرض خصبة للمجازر، والى ممارسات هستيرية لا علاقة لها بالدين والمذهب، بل وإساءة الى رموزنا الدينية التاريخية، وفرصة بيد أعداء العراق لذبح العراقيين. ولم تعط هذه الممارسات حتى الفرصة للعراقيين للراحة، بل إلى نكد ونواح دائم علاوة على نواحهم منذ عهد صدام الى الآن بفعل فلوله. ولا أظن أن هناك علاقة بين الإحتفال بعيد ميلاد المهدي وبين الخروج الى الشوارع وتعطيل الحياة العامة لأيام عديدة وحرمان الناس من أرزاقهم، أو تعريض أرواح العراقيين الى الخطر وفي ظل هذا التأزم الطائفي والتوتر الأمني الخطير في البلاد. ولا علاقة بين هذه الممارسلات وبين الإيمان المذهبي والديني، بل أنه مناقض لهذا الإيمان.
إن إعلان مقتدى الصدر الأخير حول تجميد نشاط جيشه لمدة ستة شهور يشكل إدانة له. فهو يصر على الإحتفاظ بتنظيمات فوضوية مسلحة منخورة من قبل ضباط مخابرات صدام وغيرها من الشبكات التخريبية خدمة لأغراض وبرامج معادية للشعب العراقي أو لدول إقليمية.

كربلاء في عيد ميلاد الإمام المهدي

هل أن قدر العراقيين العيش على الدوام في ظل هذه المشاهد الدموية الرهيبة؟؟

لقد أصبح من الواجب المبرم على الحكومة تنفيذ برنامجها الذي إنتخبت على أساسه، ووعدت المواطنين به، وهو توفير الأمن والشروع ببناء البلد المخرب. ولا يتم ذلك الا إذا صفيت التنظيمات المسلحة غير القانونية وجمع السلاح من الشارع وتم شن حملة ثقافية واسعة ضد ثقافة العنف والخناجر والقنابل، هذه الثقافة التي تُمارس سواء في القتل والتفخيخ أو في مراسم الأعراس والختان وبشكل غير مبرر. وعلى العراقين حكومة وشعباً أن يسعوا الى أن تحل محل ثقافة الموت والعنف ثقافة أخرى هي ثقافة الحياة والإبداع، ثقافة التسامح والبناء والقيم الثقافية الإنسانية. وليس هناك من طريق آخر أمام العراقيين كي يبنوا عراقاً متحضراً ديمقراطياً لا طائفياً سوى اللجوء الى الطريق الحضاري المتمدن.